بيروت - لبنان 2020/07/06 م الموافق 1441/11/15 هـ

أزمة ثلاثية في العمق الأميركي وتهديد صارخ قبيل الاستحقاق الرئاسي

حجم الخط

تكشف موجة الغضب والسخط التي تجتاح الولايات المتحدة ردا على مقتل جورج فلويد على يد شرطي في مينيابوليس، عن التناقضات الهائلة للمجتمع الأمريكي. إذ مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى بعد أقل من ستة أشهر، تعاني الولايات المتحدة من اليأس والاستقطاب العنيف. ومع ذلك، إذا نظر المرء إلى الأزمة الثلاثية وهي كوفيد-19، والاكتئاب الاقتصادي، والاحتجاجات الجماهيرية وأعمال الشغب، يمكنه أن يلْمح فرصا محتملة هائلة.

وكما أبين في كتابي الجديد، "أمريكا بعيون أجنبية"، منذ أن توقفت الولايات المتحدة عن كونها مجتمعًا للطبقة المتوسطة، بدءًا من أوائل ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت غير قادرة على الازدهار. وبدون دولة رفاه كاملة، فقد فشلت باستمرار في التكيف مع التحول الأساسي في نموذجها التأسيسي. إذ بُني نظامها السياسي المستوحى من أثينا، لمجتمع يعامل كل شخص في حدود دائرة حق الاقتراع على قدم المساواة تقريبًا، بينما يستبعد العديد من الأشخاص الآخرين الذين اعتبرهم "أقل مساواة" (على حد قول جورج أورويل في وصفه اللاذع للبلشفية). وشملت المجموعات المستبعدة النساء، والأمريكيين الأصليين، والأمريكيين من أصول أفريقية، و من أصول لاتينية وآسيوية، وكثيرون آخرون.

ونتيجة لهذه الظروف التأسيسية، طالما أثبت النظام السياسي الأمريكي أنه غير مجهز لإعادة تأهيل شبكة الأمان، ناهيك عن عقده الاجتماعي ذي النطاق الأوسع. وسأستشهد على ذلك بأحدث مثال، وهو محاولات الرئيس باراك أوباما إصلاح نظام الرعاية الصحية الأمريكي، الذي تشوبه عيوب واختلالات وظيفية كبيرة. فعلى الرغم من توقيع قانون الرعاية بأسعار معقولة في عام 2010، إلا أنه يحتوي على العديد من الثغرات والتدابير الناقصة، كما أن إدارة دونالد ترامب تقوضه بصورة منهجية منذ ذلك الحين.

إن العِرق قضية رئيسية حساسة في التطور السياسي الأمريكي. إذ دائما ما شددت الفوارق العرقية على ضرورة توسيع العقد الاجتماعي كي لا يقتصر على الذكور البيض الذين عملوا بدوام كامل في وقت ما في الماضي. ولكن استمرار هذه الفوارق يشير إلى أن هناك عقبات هائلة تقف في طريق التغيير. إن جهود ترامب الساخرة لإثارة الاستياء العنصري ردا على الاحتجاجات الحالية ترمز إلى مشكلة أعوص. إذ بنفس الأسلوب جرت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، الذي سرعان ما أقصى جميع المرشحين ذوي البشرة السوداء.

إن العرق هو عامل رئيسي ليس فقط في المطالبة بتعويضات الرق، ولكن أيضًا في المناقشات حول التأمين الصحي الشامل ورعاية الأطفال، والتعليم العالي العام المجاني، والحد الأدنى للأجور، والهجرة، والسيطرة على الأسلحة، وإصلاح الهيئة الانتخابية. وتتطرق كل هذه القضايا إلى السؤال الأساسي في صميم الهوية السياسية الأمريكية: هل يمكن التكفير عن الخطيئة الأصلية للبلاد (العبودية، ثم جيم كرو) بدون دولة رفاه مناسبة؟

إن تدفق الإحباط والغضب عقب وفاة فلويد، أعاد التركيز مرة أخرى على هذه الأسئلة. إذ خلال العام الماضي، أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن الأمريكيين يؤيدون المقترحات لتوسيع شبكة الأمان ، وتشديد السيطرة على الأسلحة ، وتوفير جامعة دون رسوم دراسية . وعلى نحو متزايد، يتقبل عامة الناس فكرة أن الأمريكيين من أصول أفريقية لا يزالون يتحملون تكاليف العنصرية النظامية، بما في ذلك التضييق على الأحياء، والتمييز في مكان العمل، والحبس الجماعي، وإساءة المعاملة على أيدي الشرطة. إن الانفجار الحالي للغضب سيعزز هذه التحولات في المشاعر، مهما كانت العواقب الانتخابية.

وينطبق الشيء نفسه على جائحة كوفيد-19 والانهيار الاقتصادي الأوسع نطاقا. إذ دفعت الفوارق العرقية والاجتماعية الاقتصادية التي كشفتها الأزمتان بالقادة السياسيين، والخبراء، والمعلِقين من اليسار إلى اليمين المعتدل إلى الاتفاق على أن شبكة الأمان الأمريكية في حالة يرثى لها.

ومن خلال الاختبارات غير الكافية ونقص الإمدادات من معدات الحماية الشخصية، وارتفاع معدل الوفيات بين الأمريكيين من أصل أفريقي على نحو غير متناسب مع غيرهم من الأمريكيين، كشف الوباء عن نقاط الضعف في نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، سلطت الكارثة الاقتصادية الضوء على أوجه القصور في التأمين ضد البطالة في الولايات المتحدة، والبرامج الاجتماعية الأخرى، فضلاً عن نقص التنسيق بين الحكومة الفيدرالية، وحكومات الولايات، والحكومات المحلية. ومثلما أظهر الوباء كفاءة شبكات الأمان الألمانية، والاسكندنافية، وحتى الفرنسية، فقد كشف عن الفجوات الهائلة في النظام الأمريكي.

وبسبب الأزمة الثلاثية المتمثلة في الوباء، والاكتئاب، والاضطرابات المدنية، هناك وعي متزايد بين الديمقراطيين بأن هزيمة ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني لن تكون كافية. إذ تشير مجموعات التركيز التي أنشأها جو بايدن، المرشح المفترض للحزب، والمناقشات المستمرة لحملته مع زملائه المحتملين، إلى إدراك أن الأزمة أخطر مما كان متوقعًا في الأصل، وستتطلب تغييرًا جذريًا.

وقد لا يكون بايدن المرشح المثالي لحشد الناخبين الشباب السود وذوي الأصول اللاتينية، وإثارتهم مشاعرهم أيضا، لكنه بالتأكيد قادر على قيادة نوع التحالف المطلوب لهزيمة ترامب، وإطلاق إصلاح جديد يشبه الصفقة الجديدة للهياكل الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية الأمريكية. وقد لا يرغب الأمريكيون في "الاشتراكية"، لكنهم لن يكونوا راضيين بعد الآن عن "العودة إلى الحياة الطبيعية" ( شعار الانتخابات التمهيدية لبايدن، والذي سيتعين عليه الآن التخلص منه).

ومرة أخرى، ما قاله ونستون تشرشل عن عدم ترك أزمة جيدة تضيع سدى له أهمية. فمع ارتفاع عدد القتلى بـكوفيد-19 إلى أكثر من 100000، ومع وجود 40 مليون عاطل عن العمل، ومقتل رجل أسود آخر على يد شرطي أبيض، تتضاعف أزمات أمريكا. وفي الوقت الحالي، لا تعاني البلاد فقط من الاحتجاجات وأعمال الشغب بسبب انتهاكات الشرطة، ولكن أيضًا من "يمين متطرف" متصاعد يؤمن بتفوق العرق الأبيض .وسوف تصل الأزمات الرئيسية إلى ذروتها سياسياً في يوم الانتخابات. إن أمريكا لم تكن بحاجة إلى تغيير جذري وقيادة سليمة أكثر مما هي بحاجة إليهما اليوم، منذ عام 1932.

المصدر: project syndicate  (ترجمة: نعيمة أبروش)


أخبار ذات صلة

حكومة «الإجتماعات والخبريات» باقية.. فهل تعيينات الكهرباء غداً ترفع العتمة؟
جريدة اللواء 6-7-2020
فلسطينيات يرتدين الكمامات خلال مراسم تشييع أحد ضحايا كورونا في الضفة (أ.ف.ب)
ليلة «خارج السيطرة» في بريطانيا واشتداد الوباء في المكسيك والهند [...]