بيروت - لبنان 2020/09/18 م الموافق 1442/01/30 هـ

أميركا وحملتها الصليبية غير المقدسة ضد الصين

حجم الخط

لفترة طويلة، اعتقد كثيرون من المسيحيين الإنجيليين في الولايات المتحدة أن أميركا مكلفة من الرب بمهمة إنقاذ العالم. وتحت تأثير هذه العقلية الصليبية المولعة بالقتال، انحرفت السياسة الخارجية الأميركية في كثير من الأحوال من الدبلوماسية إلى الحرب. وهي الآن عُـرضة لخطر تكرار هذا الانحراف مرة أخرى.

في الشهر الفائت، أطلق وزير الخارجية مايك بومبيو حملة إنجيلية أخرى، هذه المرة ضد الصين. كان خطابه متطرفا، ومغرقا في التبسيط، وبالغ الخطورة ــ وربما يضع الولايات المتحدة على مسار الصراع مع الصين.

وفقا لبومبيو، يُـضـمِـر الرئيس الصيني شي جين بينج والحزب الشيوعي الصيني "رغبة دامت عقودا من الزمن في الهيمنة على العالم". ولا يخلو هذا من مفارقة ساخرة. ذلك أن دولة واحدة فقط ــ الولايات المتحدة ــ لديها استراتيجية دفاعية تدعوها إلى أن تكون "القوة العسكرية المتفوقة في العالم"، في ظل "موازين قوة إقليمية محابية في منطقة المحيط الهادي الهندي، وأوروبا، والشرق الأوسط، ونصف الكرة الأرضية الغربي". على النقيض من ذلك، ينص البيان الرسمي الدفاعي الصيني على أن "الصين لن تتبع أبدا المسار المألوف الذي تتبعه القوى الكبرى في السعي إلى الهيمنة، وأنه "مع تطور العولمة الاقتصادية، ومجتمع المعلومات، والتنوع الثقافي، في عالم متعدد الأقطاب على نحو متزايد، يظل السلام، والتنمية، والتعاون المربح للجميع هو الاتجاه الذي لا رجعة فيه لعصرنا هذا".

يذكرني هذا بعتاب يسوع: "يا مُـرائي أخرج أولا الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك" (مَـتّـى 7:5). بلغ إجمالي الإنفاق العسكري الأميركي 732 مليار دولار في عام 2019، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما تنفقه الصين (261 مليار دولار).

علاوة على ذلك، تمتلك الولايات المتحدة نحو 800 قاعدة عسكرية في الخارج، في حين تملك الصين قاعدة واحدة فقط (قاعدة بحرية صغيرة في جيبوتي). كما تمتلك الولايات المتحدة العديد من القواعد العسكرية بالقرب من الصين، التي لا تملك أي قاعدة بالقرب من الولايات المتحدة. وتملك الولايات المتحدة 5800 رأس نووي حربي؛ في حين تملك الصين 320 تقريبا. وتمتلك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات؛ والصين لديها واحدة فقط. في السنوات الأربعين الأخيرة، شنت الولايات المتحدة العديد من الحروب في الخارج؛ ولم تشن الصين أي حرب في الخارج (وإن كانت تعرضت للانتقادات بسبب مناوشات حدودية، آخرها مع الهند، والتي لم تصل إلى مستوى الحرب).

على نحو متكرر، رفضت الولايات المتحدة ــ أو انسحبت من ــ معاهدات الأمم المتحدة ومنظماتها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافة)، واتفاقية باريس للمناخ، ومؤخرا منظمة الصحة العالمية، في حين تدعم الصين عمليات وهيئات الأمم المتحدة. هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤخرا موظفي المحكمة الجنائية الدولية بالعقوبات. ويشجب بومبيو حملة القمع التي تشنها الصين على سكانها من الأويغور المسلمين في الأغلب، لكن مستشار ترمب السابق للأمن القومي، جون بولتون، يزعم أن ترمب أعطى الضوء الأخضر لتصرفات الصين، أو حتى شجعها.

كان اهتمام العالم ضئيلا نسبيا بخطاب بومبيو، الذي لم يقدم أي دليل يدعم مزاعمه بشأن طموح الصين إلى فرض هيمنتها. إن رفض الصين للهيمنة الأميركية لا يعني أن الصين ذاتها تسعى إلى فرض هيمنتها. الواقع أن هذا الاعتقاد ضئيل خارج الولايات المتحدة. تتمثل أهداف الصين الوطنية المعلنة صراحة في أن تكون "مجتمعا مزدهرا باعتدال" بحلول عام 2021 (مع مرور 100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني)، و"دولة متقدمة بشكل كامل" بحلول عام 2049 (مرور 100 عام على تأسيس الجمهورية الشعبية).

علاوة على ذلك، عند مستوى 10098 دولارا في عام 2019، كان نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي الصيني أقل من سدس نظيره في الولايات المتحدة (65112 دولارا) ــ وهذا لا يصلح كأساس للتفوق العالمي بأي حال. فلا تزال الصين في احتياج إلى الكثير من العمل لتحقيق حتى أهدافها التنموية الاقتصادية.

إذا افترضنا خسارة ترمب في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني، فلن يحظى خطاب بومبيو بالمزيد من الاهتمام في الأرجح. من المؤكد أن الديمقراطيين سينتقدون الصين، ولكن دون مبالغات بومبيو الوقحة. ولكن إذا فاز ترمب، فربما يعمل خطاب بومبيو بمثابة نذير بالفوضى. إن حماسة بومبيو الصليبية حقيقية، ويشكل الإنجيليون من ذوي البشرة البيضاء القاعدة السياسية للحزب الجمهوري اليوم.

الحق أن تجاوزات بومبيو الحماسية المتعصبة تضرب بجذور عميقة في التاريخ الأميركي. فكما ذكرت في كتابي الأخير "سياسة خارجية جديدة"، كان المستوطنون البروتستانت الإنجليز يعتقدون أنهم يؤسسون إسرائيل جديدة على أرض الميعاد الجديدة، بمباركة الرب وعنايته الإلهية. في عام 1845، صاغ جون أوسوليفان العبارة "مصير واضح" لتبرير ضم أميركا العنيف لأميركا الشمالية. كتب أوسوليفان في عام 1839 "كل هذا سيكون تاريخنا في المستقبل، لترسيخ الكرامة الأخلاقية وخلاص الإنسان على الأرض ــ الحقيقة الثابتة وهِـبة الرب. ولإنجاز هذه المهمة المباركة لصالح أمم العالم المحرومة من نور الحقيقة الواهب للحياة، اختيرت أميركا...".

استنادا إلى مثل هذه الرؤى الممجدة لإحسانها المنعام، انخرطت الولايات المتحدة في الاستعباد الجماعي حتى الحرب الأهلية والفصل العنصري بعدئذ؛ فذبحت الأميركيين الأصليين طوال القرن التاسع عشر وأخضعتهم منذ ذلك الحين؛ ومع إغلاق الحدود الغربية، عملت على تمديد "المصير الواضح" إلى الخارج. في وقت لاحق، مع بداية الحرب الباردة، قادت الحماسة المناهضة للشيوعية الولايات المتحدة إلى خوض حروب كارثية في جنوب شرق آسيا (فيتنام، ولاوس، وكمبوديا) في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وحروب وحشية ضارية في أميركا الوسطى في الثمانينيات.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية، جرى تحويل الحماسة الإنجيلية ضد "الإسلام الراديكالي" أو "الفاشية الإسلامية"، فخاضت الولايات المتحدة أربع حروب اختيار ــ في أفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا ــ ولا تزال جميعها كارثية إلى يومنا هذا. ثم على نحو مفاجئ، أصبح تهديد الإسلام الراديكالي نسيا منسيا، واستهدفت الحملة الصليبية الحزب الشيوعي الصيني.

يؤمن بومبيو ذاته بالمعاني الحرفية التوراتية، ويؤمن بأن نهاية الزمان، أو معركة نهاية العالم بين الخير والشر، باتت وشيكة. وَصَـفَ بومبيو معتقداته في خطاب ألقاه عام 2015 عندما كان نائبا في الكونجرس عن كانساس: أميركا أمة يهودية مسيحية، الأعظم في التاريخ، وتتلخص مهمتها في خوض معارك الرب إلى يوم البهجة، عندما يُـرفَـع أتباع المسيح الذين ولِدوا من جديد، من أمثال بومبيو، إلى السماء في يوم القيامة.

يمثل الإنجيليون من ذوي البشرة البيضاء نحو 17% فقط من السكان البالغين في الولايات المتحدة، لكنهم يشكلون حوالي 26% من الناخبين. وهم يصوتون بأغلبية ساحقة لصالح الجمهوريين (ما يقدر بنحو 81% في عام 2016)، مما يجعلهم الكتلة التصويتية الأكثر أهمية للحزب الجمهوري. وهذا يمنحهم نفوذا قويا على السياسة الجمهورية، وخاصة على السياسة الخارجية عندما يسيطر الجمهوريون على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ (الذي يتمتع بسلطة التصديق على المعاهدات). 99% من أعضاء الكونجرس الجمهوريين مسيحيون، ونحو 70% منهم بروتوستانت، بما في ذلك نسبة كبيرة وإن كانت غير معلومة من الإنجيليين.

بالطبع، تضم صفوف الديمقراطيين أيضا بعض الساسة الذين يعلنون الاستثنائية الأميركية ويشنون الحروب الصليبية (على سبيل المثال، تدخلات الرئيس باراك أوباما في سوريا وليبيا). ولكن في مجمل الأمر، نجد أن الحزب الديمقراطي أقل ارتباطا بمزاعم الهيمنة الأميركية من القاعدة الإنجيلية للحزب الجمهوري.

ربما يصبح خطاب بومبيو الملتهب المناهض للصين أكثر ميلا إلى سرد نهاية العالم في الأسابيع المقبلة، حتى وإن كان ذلك لمجرد إلهاب حماسة القاعدة الجمهورية قبل الانتخابات. إذا هُـزِم ترمب، كما يبدو مرجحا، فسوف ينحسر خطر المواجهة بين الولايات المتحدة والصين. ولكن إذا ظل في السلطة، سواء من خلال انتصار انتخابي حقيقي، أو تزوير في التصويت، أو حتى عن طريق انقلاب (أي شيء ممكن)، فسوف تستمر حملة بومبيو الصليبية في الأرجح، وربما تدفع العالم إلى شفا حرب يتوقعها بل وربما يسعى إليها.

المصدر: "project syndicate"


أخبار ذات صلة

اللواء خير يناشد الوزير وهبي: انقذوا المهاجرين المفقودين!
«ارتفاع جنونيّ في الأسعار».. السودان يئنّ تحت وطأة الفيضان والوباء
لبنان يبكي محمد عطوي.. ضحية «وحوش» القتل العشوائي و«الجهل المتنقل»