بيروت - لبنان 2020/10/24 م الموافق 1442/03/07 هـ

إنقاذ المخابرات الأمريكية

حجم الخط

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي بالكاد يفصلنا عنها شهر واحد، يقوم نائب الرئيس السابق، جو بايدن، ومستشاروه بصياغة سياسته المتعلقة بالأمن القومي ، وبإنشاء قوائم مختصرة لملء المناصب الوزارية الرفيعة المستوى، في حال هُزم الرئيس دونالد ترمب. ورغم أنه عادة ما يركز الطامحون للرئاسة، في المقام الأول، على المرشحين لإدارة وزارات الدولة، والدفاع، والخزانة؛ إلا أن الأمور تختلف هذه المرة. ونظرا لتزايد الخطر الذي يتعرض له مجتمع الاستخبارات، يجب على بايدن اختيار خبير تجسس رفيع المستوى قبل اتخاذ أي قرارات شخصية أخرى.

ولا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة تواجه العديد من التحديات في الخارج. إذ على مدى السنوات الأربع الماضية، قوض ترامب مكانة الوكالات المكلفة بضمان أمن البلاد، ومعاييرها، ونقاط قوتها. وسيتعين على مدير جديد للاستخبارات الوطنية إصلاح الضرر، واستئصال الفساد المستشري الذي زرعه الأشخاص الذين عينهم ترمب في وكالات الاستخبارات. ولن يكون ذلك بالمهمة السهلة.

ولا يمكن لأحد الجزم بشأن الضرر الهائل الذي حدث في ظل حكم ترمب، لكن هجومه الذي لا هوادة فيه على من يتجسس على أمريكا، ويحلل شئونها، أرهقت الوكالات وقوضت مهامها. فمنذ توليه منصبه، دأب ترمب على التقليل من شأن مجتمع الاستخبارات وما يقوم به، لا سيما عندما اكتشف أن روسيا تدخلت في انتخابات عام 2016 نيابة عنه. وعلى الرغم من استمرار تدخل الكرملين في الانتخابات، فإن مديري المذكرات الاستخباراتية اليومية لترمب لم يعودوا يهتمون بإثارة الموضوع، خشية أن يثيروا حنقه. وتشير التقارير الأخيرة التي تفيد بأن مديرة وكالة المخابرات المركزية، جينا هاسبل، تقمع المعلومات الاستخباراتية حول تدخل روسيا في انتخابات 2020 لتجنب إثارة مشاعر العداء في نفس ترمب، إلى أن التبعية السياسية لقادة المخابرات تقوض الأمن القومي للولايات المتحدة، وكذلك نزاهة وكالاتها الحكومية. ويمكن أن نفترض أن أولئك الذين يُطلعون الرئيس بالمعلومات يتجاهلون أيضًا التهديدات النشطة الأخرى، مثل تلك الصادرة من كوريا الشمالية حيث تركت مؤتمرات قمة ترمب الفاشلة قنبلة نووية موقوتة .

إن الرئيس الذي يتخلص من المعلومات المهمة بدلاً من أن يستمع إليها رئيس سيء بما فيه الكفاية. ولكن آثار حرب ترمب على الاستخبارات لا تتوقف عند بوابة البيت الأبيض. فهو يمنع أيضا وصول صانعي القرار الرئيسيين الآخرين إلى ما يحتاجونه من معلومات، ومن تحليل للخبراء. فعلى سبيل المثال، أجل مسئولو المخابرات الوطنية إلى أجل غير مسمى ، جلسة الإحاطة السنوية بالمعلومات المتعلقة بالتهديدات العالمية التي تعقد بالكونغرس. وبالنسبة للمشرعين الذين يشرفون على هذه القضايا، تقدم هذه الإحاطة منظورًا قيمًا ليس فقط بشأن ميزانية مجتمع الاستخبارات السنوية البالغة 70 مليار دولار ، ولكن أيضًا حول المخاطر الرئيسية التي تواجه الولايات المتحدة.

وبالطبع، دوافع إدارة ترمب واضحة. فحرمان الكونغرس والآخرين من الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية يجنب ترمب الشعور بالإحراج عند الإعلان أمام الملأ عن إخفاقاته العديدة في السياسة، وأفعاله الشخصية السيئة. لقد أوضح ترمب أمنياته بعد الإحاطة السنوية بالمعلومات المتعلقة بالتهديدات لعام 2019، عندما انتقد علنًا مجتمع الاستخبارات بسبب تقييماته لإيران، وداعش، وكوريا الشمالية. وردا على النتائج التي تناقضت مع إنجازاته التي أعلن عنها بنفسه، نشر ترمب تغريدة يقول فيها أن وكالات المخابرات بحاجة إلى "العودة إلى المدرسة".

والآن، يمكن لترمب الاعتماد على جون راتكليف، مدير المخابرات الوطنية الذي عينه حديثًا، لتنفيذ أوامره دون تردد. إذ في الآونة الأخيرة، أصدر راتكليف، وهو عضو سابق في الكونغرس لايمتلك مؤهلات تخوله لأداء مهام منصبه الآن، مرسوماً يقضي بأن الكونغرس سيتلقى تقارير استخباراتية مكتوبة بشأن أمن الانتخابات فقط بدلاً من الإحاطات الشخصية، عندما تكثف روسيا تدخلاتها المؤيدة لترمب في انتخابات 2020. وأثارت تلك الإملاءات، التي كانت ستمنع خبراء المخابرات من الاضطرار إلى الإجابة على أسئلة المشرعين، انتقادات حتى من جانب الجمهوريين.

ولكن المشرعين ليسوا الوحيدين الذين يريد ترمب وراتكليف إقصائهم. إذ يقول مبَلغ عن المخالفات من وزارة الأمن الداخلي، أن البيت الأبيض منع محللي الوزارة من تبادل المعلومات الاستخباراتية حول التدخل الروسي في الوكالات الأخرى.

والسبب وراء رغبة الإدارة قمع مثل هذه المعلومات واضح. إذ ينشر ترمب ورفاقه معلومات استخبارية زائفة لدعم حملته الرئاسية. وتسعى بعض المعلومات المضللِة إلى وصف بايدن بأنه متعاطف مع الصين. وهكذا، في تغريدة نشرت بتاريخ 26 أغسطس/تموز، ادعى ترمب أن "وسائل الإعلام الحكومية الصينية، وقادة الصين، يريدون أن يفوز بايدن "بالانتخابات الأمريكية". وجاء ذلك عقب التأكيد المزيف المماثل الذي أدلى به نجل ترامب، دونالد جونيور، في مؤتمر الحزب الجمهوري، حيث قال أن "مجتمع الاستخبارات قَيم مؤخرًا الحزب الشيوعي الصيني على أنه يفضل بايدن".

وعندما سُئل راتكليف عن الأمر في 30 أغسطس/تموز، اعترض على ذلك مدعيا أنه لا يستطيع الكشف عن أي تفاصيل، على الرغم من أن رئيس الاستخبارات المضادة، ويليام إيفانينا، قد فعل ذلك قبل أسابيع قليلة. وكما أوضح إيفانينا، فإن الدعاية العلنية للصين شيء عادي، ويجب تمييزها عن الحرب السياسية السرية التي يشنها الكرملين نيابة عن ترمب.

وتوحي تلفيقات راتكليف المُخزية بأنه يرى أن تسييس الاستخبارات لصالح ترمب جزء كبير من عمله. ففي الشهر الماضي، زعم أن الصين تشكل تهديدًا أكبر من أي دولة أخرى، وأضاف قائلا: "تتضمن التهديدات التأثير في الانتخابات والتدخل في شئونها". ومن المثير للفضول أنه يبدو أنه نسي التصريحات الأخيرة لرئيس الاستخبارات المضادة، التي تشير إلى خلاف ذلك. كما أنه أغفل ذكر النتائج التي توصلت إليها كبيرة المسئولين عن المخابرات التي كانت تشرف على أمن الانتخابات، شيلبي بيرسون، التي خصت شهادته ا السابقة أمام الكونغرس روسيا، وليس الصين.

وأيا كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية، فإن حرب ترامب على مجتمع الاستخبارات قد خلف أضرارا فادحة. وكما قال مسئول مخابرات سابق للصحفي، كريس ويبل، في كتابThe Spy Masters: How the CIA Directors Shape History and The Future، "كان هناك تطور بين جميع قادة مجتمع الاستخبارات ... بما في ذلك حفاظهم على الموضوعية والنزاهة، وضياعها بسبب ترمب- ثم تلاشيها".

ومع ذلك، فإن المسؤولية النهائية للمجتمع الاستخباراتي، كما قال مدير وكالة المخابرات المركزية السابق، ليون بانيتا، هي قول الحقيقة للسلطة. ولتحقيق هذه الغاية، إذا فاز بايدن في تشرين الثاني (نوفمبر)، فإن تطهير الرهانات السياسية المختبئة الآن في مكتب مدير المخابرات الوطنية سيكون خطوة أولى ضرورية، وإن كانت غير كافية. وفيما يتعلق باستعادة نزاهة مجتمع الاستخبارات، سيحتاج الرئيس المنتخب، بايدن، إلى أكثر من مكنسة جديدة لتنظيف شامل. ويُظهرThe Spy Mastersسبب ذلك. ويجب أن يتحدث ويبل عن التاريخ الممتاز الذي ستصنعه ولاية بايدن.

المصدر: project syndicate

ترجمة: نعيمة أبروش



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 24-10-2020
الرئيس الحريري مجتمعاً بالنائب باسيل في ساحة النجمة (تصوير: طلال سلمان)
مظلة رئاسية تسرّع التأليف.. وإجماع على الإختصاصيين وإصلاحات المبادرة
علّوش يسأل عن موقف إيران: الحريري سيتعامل مع عون «الرئيس»