بيروت - لبنان 2019/06/19 م الموافق 1440/10/15 هـ

الأغلبية الصامتة في أوروبا تتكلم

حجم الخط

لندن ــ أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي الشهر المنصرم عن نتائج أفضل مما كان المرء ليتوقع، والسبب بسيط: فقد تكلمت الأغلبية الصامتة من مؤيدي أوروبا. قالوا إنهم يريدون الحفاظ على القيم التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي، لكنهم يريدون أيضا إدخال تغييرات جذرية على طريقة عمل الاتحاد الأوروبي. ويتلخص همهم الرئيسي في تغير المناخ.

وهذا يجعل الأفضلية للأحزاب المؤيدة لأوروبا، وخاصة الـخُضر. أما الأحزاب المناهضة لأوروبا، والتي لا يُنتَظَر منها أن تفعل أي شيء بنّاء، فقد فشلت في تحقيق المكاسب التي توقعتها. كما أنها عاجزة عن تشكيل الجبهة الموحدة التي تحتاج إليها حتى يتسنى لها أن تصبح أكثر نفوذا وتأثيرا.

يُعَد نظام "المرشح ذي الحظ الأوفر" من المؤسسات التي يجب أن تتغير. فهو من المفترض أن يوفر شكلا من أشكال الاختيار غير المباشر لقيادات الاتحاد الأوروبي. في حقيقة الأمر، وكما أوضح فرانكلين ديهوس في مقال رائع لكنه متشائم في صحيفة EU Observer، فإن هذا النظام أسوأ من غياب الاختيار الديمقراطي. فكل دولة من الدول الأعضاء لديها أحزاب سياسية حقيقية، لكن تركيبتها عبر الأوروبية تنتج هياكل مصطنعة لا تخدم أي غرض سوى الترويج لطموحات قادتها الشخصية.

بوسعنا أن نرى هذا على أفضل وجه في حزب الشعب الأوروبي، الذي تمكن من الاستيلاء على رئاسة المفوضية منذ عام 2004. يبدو أن زعيم حزب الشعب الأوروبي الحالي، مانفريد ويبر، الذي لا يتمتع بأي خبرة في أي حكومة وطنية، راغب في الدخول عمليا في أي تسوية أو حل وسط من أجل البقاء ضمن الأغلبية البرلمانية. ويشمل هذا احتضان رئيس وزراء المجر المستبد فيكتور أوربان.

فَرَض أوربان مشكلة بالغة الخطورة على ويبر، لأن أوربان انتهك صراحة المعايير الأوروبية وأنشأ ما يرقى إلى مستوى دولة المافيا. وكان ما يقرب من نصف الأحزاب الوطنية التي تشكل حزب الشعب الأوروبي راغبة في طرد حزب فيدس بقيادة أوربان. ولكن بدلا من متابعة الأمر إلى النهاية، تمكن ويبر من إقناع حزب الشعب الأوروبي بالتقدم بطلب أسهل نسبيا بشأن فيدس: السماح لجامعة أوروبا الوسطى (التي قمت بتأسيسها) بالاستمرار في العمل بحرية في المجر باعتبارها جامعة أميركية.

فشل حزب فيدس في الامتثال. ومع ذلك، لم يطرد حزب الشعب الأوروبي فيدس، بل اكتفى بتعليق عضويته حتى يمكن اعتباره جزءا من حزب الشعب الأوروبي عندما يُختَار رئيس المفوضية. والآن يحاول أوربان إعادة تأسيس حزب فيدس كعضو مخلص حسن النية في حزب الشعب الأوروبي. ومن المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كان ويبر ليجد وسيلة لاستيعابه.

لا يقوم نظام "المرشح ذي الحظ الأوفر" على اتفاق بين الحكومات، وعلى هذا فمن الممكن تغييره بسهولة. ومن الأفضل كثيرا أن ينتخب رئيس المفوضية الأوروبية مباشرة من قائمة مختارة بعناية من المرشحين المؤهلين، لكن هذا يتطلب إدخال تغييرات على المعاهدة. ومن الممكن أن يستمر اختيار رئيس المجلس الأوروبي عن طريق الأغلبية المؤهلة من الدول الأعضاء، كما تنص معاهدة لشبونة.

الواقع أن الإصلاح الذي يتطلب إدخال تغييرات على المعاهدة تبرره الشرعية الديمقراطية المتزايدة التي تخولها انتخابات البرلمان الأوروبي. تجاوزت نسبة الإقبال والمشاركة في الانتخابات الأخيرة 50%، بارتفاع حاد عن 42.6% في عام 2014 . هذه هي المرة الأولي التي ترتفع فيها نسبة المشاركة على الإطلاق منذ أول انتخابات في عام 1979، عندما شارك 62% من الناخبين المؤهلين.

من عجيب المفارقات، في هذه المناسبة، أن نظام المرشح ذي الحظ الأوفر يَعِد بإنتاج فريق الأحلام. كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، الذي يعارض نظام المرشح ذي الحظ الأوفر كمسألة مبدأ، مسؤولا عن هذا التطور إلى حد كبير. فعلى مأدبة عشاء مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الفائز في الانتخابات العامة الوطنية في إسبانيا، والتي سبقت التصويت على البرلمان الأوروبي، اتفق الزعيمان على دعم مرشحين اثنين من ذوي الحظ الأوفر واللذين يمكن اعتبارهما مثاليين للمفوضية والمجلس.

تُعَد ألمانيا الداعم الرئيسي لنظام المرشح ذي الحظ الأوفر. فإذا خسر ويبر، فسوف تضغط ألمانيا لصالح ينس ويدمان، رئيس البنك المركزي الألماني، ليصبح رئيسا للبنك المركزي الأوروبي. ولن يكون هذا الاختيار مثاليا. الواقع أنه غير مؤهل لأنه في حقيقة الأمر أدلى بشهادته أمام المحكمة الدستورية الفيدرالية في ألمانيا ضد البنك المركزي الأوروبي في قضية كانت تسعى إلى إبطال ما يسمى "المعاملات النقدية الصريحة" التي أقرها البنك، وهي السياسة التي شكلت ضرورة أساسية للتغلب على أزمة منطقة اليورو في وقت سابق من هذا العقد. وأرجو أن تصبح هذه الحقيقة معروفة على نطاق أوسع.

الواقع أن أي مرشح آخر سيكون أفضل من ويدمان رئيسا للبنك المركزي الأوروبي. وفي ظل الظروف الحالية، لن تحصل فرنسا على أي من الوظائف العليا. وإنه لأمر طيب أن لا تحصل ألمانيا أيضا على أي من هذه الوظائف، لأن هذا من شأنه أن يترك مساحة أكبر لدول أخرى.

لا شك أن العديد من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، إلى جانب نظام المرشح ذي الحظ الأوفر، تحتاج إلى إصلاح جذري. لكن هذا من الممكن أن ينتظر إلى أن نكتشف ما إذا كان الوعد الذي قدمته نتائج الانتخابات البرلمانية ليتحقق، وإلى أي مدى. الآن ليس الوقت المناسب بعد لإعلان النصر، والاسترخاء، والاحتفال. فلا يزال من الواجب إنجاز الكثير من العمل لتحويل الاتحاد الأوروبي إلى منظمة عاملة على النحو الذي ينبغي لها من الكفاءة وقادرة على تحقيق كامل إمكاناتها العظيمة.

المصدر: Project Syndicate



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 19-6-209
طالبات يتضامنّ مع أساتذة  الجامعة اللبنانية في وسط بيروت (تصوير: جمال الشمعة)
«البلياردو» يُخطِئ الحكومة: الأولوية لتسوية الموازنة!
إرتفاع مخاطر الحرب وإيران الخاسر الأكبر