بيروت - لبنان 2019/09/15 م الموافق 1441/01/15 هـ

الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات أربعة

حجم الخط

مدريد ــ جلبت انتخابات البرلمان الأوروبي هذا العام عِدة أشهر من الترقب والتوتر. فهل يتمكن الوسط المؤيد لأوروبا من الصمود؟ وهل يكون الجسد مهشما إلى الحد الذي يجعله عاجزا عن أداء وظيفته؟ وهل تعمل فرقة الشعبويين القوميين الصاخبة على تعطيل كل جلسة؟

على الرغم من أهمية مثل هذه التساؤلات فإن مناقشتها تغفل عن الأصل وتتناول الفرع. فالآن بعد أن حان وقت الانتخابات أخيرا، بات بوسع أوروبا أن تكف عن هوسها بالنتائج المحتملة وتركز على التحديات الحقيقية المقبلة.

يتمثل التحدي الأول في الانكماش الاقتصادي المقبل. فبعد عشر سنوات من الأزمة المالية التي قلبت اقتصاد أوروبا رأسا عل عقب، وجعلت سياستها ونموذجها الاجتماعي في حالة من الفوضى، لا يزال متوسط النمو السنوي بطيئا بما لا يتجاوز 1.5% . وهناك إشارات قوية تؤكد أن القادم هو الأسوأ: إذ ترتفع مستويات الدين بسرعة، وقد أعاد البنك المركزي الأوروبي إطلاق تدابير التحفيز بهدف تجنب الركود.

على النقيض من الأزمة التي اندلعت قبل عشر سنوات، فإن الضرر الناجم عن التباطؤ المقبل لن يتركز في جنوب أوروبا؛ بل سيطول أذاه منطقة اليورو ككل، بما في ذلك ألمانيا الكلية القدرة. لم يكد الاتحاد الأوروبي ينجو من الأزمة الأولى. وأي ركود يصيب قلب الاتحاد الأوروبي الآن سيشكل تهديدا بالغ الخطورة، وربما حتى لوجوده ذاته.

ربما يتصور المرء أن عشر سنوات كانت فترة كافية لاتخاذ خطوات تمنع التاريخ من تكرار ذاته. لكن مبادرات مثل إنشاء اتحاد مصرفي واستكمال السوق الموحدة لم تتحقق، لأن قادة أوروبا أصروا على مناقشة القضايا على الهامش، بدلا من تنفيذ الإصلاحات الصعبة. والأمر وكأنهم لم ينتبهوا إلى السحب المنخفضة المتكاثفة التي تخيم على الآفاق الاقتصادية.

الآن، حان وقت المراقبة والبحث. يتعين على البرلمان الأوروبي الجديد أن يبذل قصارى جهده لدعم الاتحاد الأوروبي. لكن القوة الدافعة وراء مثل هذا العمل لابد أن تأتي في المقام الأول من دول الاتحاد الأوروبي الأكبر والأكثر نفوذا ــ وخاصة ألمانيا وفرنسا.

 SHAPE  \* MERGEFORMAT

يتمثل التحدي الأساسي الثاني الذي يواجه الاتحاد الأوروبي في تصدع الديمقراطية الليبرالية. وهذه ليست ظاهرة أوروبية بحتة: فبوسعنا أن نراها في مختلف أنحاء العالم الديمقراطي الليبرالي، وخاصة في الولايات المتحدة. لكن الدعم المتنامي للنداءات الشعبوية التي تخاطب العاطفة، والحنين، والاستياء كانت موجهة خصيصا في أوروبا التي لا تزال تستشعر تأثيرات آخر أزمة مالية وتواجه تساؤلات متنامية حول قابلية النموذج الاجتماعي للبقاء والتطبيق.

حتى الآن، كانت الجهود المبذولة لمقاومة الشعبويين محبطة ومضللة في بعض الأحيان. وقد ارتكب بعض القائمين على الأمر، مثل رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي، الخطأ المتمثل في السخرية من رسالتهم ونهجهم. كما روج آخرون، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، لرؤى الأمل الزائفة إلى حد كبير، في ظل نتائج مختلطة. ثم أتت جهود غير مدروسة لربط الاتحاد الأوروبي بالناس، والتي تجسدت في سلسلة من المناظرات الفوضوية المذاعة تلفزيونيا والتي ميزت حملة رئاسة المفوضية الأوروبية هذا العام.

إذا كانوا راغبين حقا في التصدي للاتجاه الشعبوي وإعادة تنشيط دعم مبادئ الديمقراطية الليبرالية، يتعين على قادة الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء أن يقوموا بعمل أفضل كثيرا لإعادة التواصل مع المواطنين. وسوف يستلزم الأمر إيجاد نهج أفضل منظورا أوسع وأكثر دقة فضلا عن إرادة سياسية قوية. ويستلزم جزءا من هذا بناء سرد مقنع للمشروع الأوروبي، والحق أن قسما كبيرا من هذا ينطوي على تقديم نتائج.

يكتسب هذا الأمر قدرا إضافيا من الأهمية، في ضوء التحدي الرئيسي الثالث الذي يواجه أوروبا: الفجوة المتزايدة الاتساع بين الحكومات الليبرالية وغير الليبرالية في الاتحاد الأوروبي. في السنوات الخمس الأخيرة، تحول صدع إلى هوة عميقة، حيث عملت المجر وبولندا على قمع وسائل الإعلام المستقلة، والهجوم على المنظمات غير الحكومية، وتقويض استقلال القضاء. وقد دفع هذا قادة الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ الخطوة غير المسبوقة المتمثلة في إطلاق إجراءات عقوبات المادة السابعة ضد بولندا والمجر بسبب تآكل الديمقراطية والفشل في الالتزام بمعايير الاتحاد الأوروبي الجوهرية.

ولكن على الرغم من دعم الأغلبية في البرلمان الأوروبي لهذه التدابير، فإن هذا الدعم كان أقل من متحمس، مما جعل العملية التي تقودها المؤسسات الأوروبية بلا مخالب أو أنياب. ولكن مرة أخرى، يفضي الافتقار إلى الغرض المشترك إلى تقويض قدرة الاتحاد الأوروبي على القيام بما هو مطلوب ــ في هذه الحالة، إخضاع حكومة غير ليبرالية وحملها على الامتثال.

التحدي الأخير الذي يواجه الاتحاد الأوروبي بنيوي. وهو يشمل بكل تأكيد خروج بريطانيا الذي سيعيد تشكيل الاتحاد الأوروبي على نحو عميق ــ أيا كانت الهيئة التي قد يتخذها في النهاية. لكن القضية الأكثر جوهرية هي أن الاتحاد الأوروبي يواصل التظاهر بأنه بنية عابرة للحدود، حتى وإن كانت عملية اتخاذ القرار تُدار إلى حد كبير ــ وعلى نحو متزايد ــ على المستوى بين الحكومات. ولمعالجة المشاكل المتعددة التي تواجهه، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن الدول الأعضاء توجه دفة القارب، وأن يعدل قواعده تبعا لذلك.

لا يشكل أي من التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي مفاجأة. ومع ذلك، فشل قادته حتى الآن تماما في معالجة هذه التحديات، ناهيك عن تعظيم مرونة النظام وقدرته على الصمود. وبدلا من ذلك، سمحوا للمنافسة على السلطة المؤسسية بتحويل انتباههم بعيدا عن جهود حل المشاكل الحقيقية. وتُعَد محاولة الاتحاد الأوروبي الحثيثة لتعزيز قدراته الدفاعية مثالا شديد الوضوح، حيث لا يقل القدر من الطاقة الذي يُكَرَّس لمن سيتحكم في البرامج ومن سيدير التمويل عن ذلك الذي يكرس لتطوير البرامج ذاتها. وهذا الافتقار إلى التركيز على قضايا حقيقية ربما يكون السبب وراء سقوط الاتحاد الأوروبي.

بدأ الأوروبيون يدركون هذه الحقيقة. ففي 11 دولة من أصل 14 دولة شملها استطلاع الرأي الذي أجرته مؤخرا مؤسسة YouGovوالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ذكر أغلب المستجيبين أنهم يتوقعون انهيار الاتحاد الأوروبي في غضون السنوات العشر إلى العشرين المقبلة. وبالنسبة لمشروع كان يبدو ذات يوم كمنارة الأمل للتعاون العالمي القائم على القيم، فإن هذا تقهقر مدمر دون أدنى شك.

أيا كانت تشكيلة البرلمان الأوروبي المقبل، فإن الحتمية التي تواجه أوروبا هي ذاتها. إذ يتعين على مؤسسات الاتحاد الأوروبي أن تستعيض عن الطموح بالتواضع، وأن تركز اهتمامها ليس على قوتها أو مكانتها، بل على حماية المشروع الذي تزعم أنها ترمز له وتدافع عنه من خلال الارتقاء به. وإذا فشلت هذه المؤسسات فسوف يصبح الطريق إلى الأمام أشد خطورة.

المصدر:PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

اصابة عشرات الفلسطينيين خلال مواجهات شرقي القدس
توقعات الأبراج ليوم الاحد 15/09/2019
بن راشد يغرد ويكشف عن أسوأ مراكز خدمة في الدولة [...]