بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

التحالف الرباعي يكشر عن أنيابه

حجم الخط

الرباعي تحالف حر غير مقيد يتألف من الديمقراطيات الأربعة الرائدة في منطقة المحيط الهادي الهندي، في عامنا هذا بدأ يتماسك ويترسخ ردا على السياسة الخارجية العدوانية التي تنتهجها الصين. في أعقاب اجتماع أخير في طوكيو ضم كبار مسؤولي السياسة الخارجية في هذه الديمقراطيات، تعمل أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة الآن بنشاط نحو إنشاء بنية أمنية جديدة متعددة الأطراف للمنطقة. والفكرة ليست إنشاء نسخة آسيوية من منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل تطوير شراكة أمنية وثيقة تستند إلى قيم ومصالح مشتركة، بما في ذلك سيادة القانون، وحرية الملاحة، واحترام السلامة الإقليمية والسيادة، وحل النزاعات بالطرق السلمية، والأسواق الحرة، والتجارة الحرة.

تمثل الصين تحديا متناميا لكل هذه المبادئ. في وقت حيث يناضل العالم في التصدي لجائحة نشأت في الصين، أعطت النزعة التوسعية التي تنتهجها هذه الدولة وسلوكها المارق زخما جديدا لتطور الرباعي نحو ترتيب أمني رسمي متماسك.

بطبيعة الحال، يمتد تركيز الرباعي أيضا إلى ما وراء الصين، بهدف ضمان التوازن المستقر للقوى داخل "منطقة الهادي الهندي الحرة المفتوحة". جرى تفصيل هذا المفهوم بوضوح لأول مرة في عام 2016 من قِـبَـل رئيس الوزراء الياباني آنذاك شينزو آبي ، وسرعان ما أصبح العمود الفقري للاستراتيجية الإقليمية الأميركية.

في حين يتفق جميع شركاء الرباعي من حيث المبدأ على الحاجة إلى الحرية والانفتاح في منطقة الهادي الهندي، فإن النزعة التوسعية الصينية هي التي حفزت التحركات الأخيرة للرباعي. الواقع أن الصين تجبر حتى قوى بعيدة مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا على النظر إلى منطقة الهادي الهندي القائمة على القواعد باعتبارها تشكل أهمية مركزية للسلم والأمن الدوليين.

على سبيل المثال، عينت فرنسا للتو سفيرا لمنطقة الهادي الهندي، بعد الكشف عن استراتيجية جديدة تؤكد على أهمية المنطقة في أي نظام عالمي متعدد الأطراف مستقر وقائم على القواعد. وقد سعت ألمانيا، التي تتولى حاليا رئاسة المجلس الأوروبي، إلى تطوير استراتيجية الاتحاد الأوروبي في التعامل مع منطقة الهادي الهندي. في مبادئها التوجيهية السياسية التي أصدرتها مؤخرا، تدعو إلى اتخاذ التدابير اللازمة لضمان سيادة القواعد، وليس نهج "القوة هي التي تصنع الحق"، في منطقة الهادي الهندي. وتشير هذه التطورات إلى أن أعضاء الرباعي سيعملون على نحو متزايد في السنوات المقبلة مع الشركاء الأوروبيين لتأسيس كوكبة استراتيجية من الديمقراطيات القادرة على توفير الاستقرار وتوازن القوى في منطقة الهادي الهندي.

بعد سباته لسنوات، أعيد الرباعي إلى الحياة في أواخر عام 2017، لكنه لم يكتسب الزخم حقا إلا في العام الماضي، عندما رُفِـعَـت مداولاته إلى مستوى وزراء الخارجية. وهذا الشهر، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو: "بمجرد إضفاء الطابع المؤسسي على ما نقوم به، يصبح بوسعنا أن نشرع في بناء إطار أمني حقيقي، نسيج قادر على التصدي للتحدي الذي يفرضه الحزب الشيوعي الصيني علينا جميعا".

لكن مستقبل الرباعي يتوقف على الهند، لأن القوى الثلاث الأخرى في المجموعة مقيدة بالفعل بتحالفات أمنية ثنائية وثلاثية بين بعضها بعضا. فتحتمي كل من أستراليا واليابان بالمظلة الأمنية (والنووية) الأميركية، في حين لا تشترك الهند في حدود برية طويلة مع الصين وحسب، بل يتعين عليها أيضا مواجهة العدوان الإقليمي الصين بمفردها، كما تفعل حاليا. وقد أدى استيلاء الصين على الأراضي خلسة في منطقة لاداخ الحدودية الواقعة أقصى شمال الهند في وقت سابق من هذا العام إلى مواجهة عسكرية كبرى، مما يزيد من مخاطر اندلاع المزيد من المعارك في مواقع محصورة أو حرب حدودية أخرى على غرار ما حدث في عام 1962.

هذا العدوان على وجه التحديد هو الذي غير المعادلة الاستراتيجية. فبسبب تصريح الرئيس الصيني شي جين بينج لجيش التحرير الشعبي بتنظيم توغلات في منطقة الهيمالايا ، اضطرت الهند ذاتها إلى اتخاذ مواقف أكثر تصادمية. والآن بات من المرجح أكثر من أي وقت مضى أن يحول التحالف الرباعي توجهاته من التشاور والتنسيق ليصبح تحالفا استراتيجيا بحكم الأمر الواقع يضطلع بدور مركزي في ترتيب أمني جديد متعدد الأطراف للمنطقة.

لن تكون هذه البنية الجديدة قريبة الشبه للنظام الذي ساد خلال حقبة الحرب الباردة في أميركا، والذي استند إلى إطار الراعي-العميل، حيث تمثل الولايات المتحدة "محور الدولاب" في حين يُـعَـد الحلفاء "أشعة الدولاب". لن ينجح مثل هذا الترتيب في أيامنا هذه، لسبب بسيط مفاده أن دولة كبيرة بحجم الهند من غير الممكن أن تصبح مجرد يابان أخرى بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

لهذا السبب تعمل الولايات المتحدة على مداهنة وتملق الهند لإقناعها بالدخول في "تحالف ناعم" غير مقيد بأي التزامات بموجب معاهدة رسمية. وسوف يتضح هذا الجهد بشكل كامل في السادس والعشرين والسابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، عندما يزور بومبيو ووزير الدفاع الأميركي مارك إسبر نيودلهي لإجراء مشاورات مشتركة مع نظيريهما الهنديين. وسوف ينتهي هذا الاجتماع في الأرجح بتوقيع الهند على آخر الاتفاقيات التأسيسية الأربع التي تبرمها الولايات المتحدة مع شركائها الدفاعيين الوثيقين الآخرين. وبموجب هذه الاتفاقات سيلتزم كل من البلدين بتوفير الوصول المتبادل إلى المرافق العسكرية، على النحو الذي يعمل على تأمين الاتصالات العسكرية، وتبادل البيانات الجغرافية المكانية المستمدة من أجهزة الاستشعار المحمولة جوا والأقمار الصناعية.

علاوة على ذلك، بعد أن أجرت العديد من التدريبات العسكرية الثنائية والثلاثية مع شركائها في التحالف الرباعي، من المرجح أن تدعو الهند أستراليا إلى المشاركة في مناورات "مالابار" الحربية البحرية هذا العام مع الولايات المتحدة واليابان. وهذا سيشكل أول تدريبات عسكرية رباعية على الإطلاق؛ أو على حد تعبير الصحيفة الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الصيني، "جلوبال تايمز": "سيشير ذلك إلى تشكل التحالف العسكري الرباعي رسميا".

كانت السياسة الخارجية الأميركية دوما أكثر فاعلية عندما تستفيد من التعاون مع دول أخرى لتعزيز الأهداف الاستراتيجية المشتركة. وعلى الرغم من تقويض تحالفات الولايات المتحدة على يد الرئيس دونالد ترمب، فقد قامت إدارته ببناء المجموعة الرباعية في هيئة تحالف واعد، وعملت على ترقية العلاقات الأمنية مع الشركاء الرئيسيين في منطقة الهادي الهندي، بما في ذلك تايوان، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وتايلاند، والهند.

الأمر الأكثر جوهرية هو أن توطيد التحالف الرباعي يُـعَـد دليلا أخر على أن سياسات نظام شي جين بينج العدوانية بدأت تسفر عن نتائج عكسية. بلغت صورة الهند الدولية مستويات متدنية جديدة هذا العام. ومع ذلك، رفضت مؤخرا وزارة الخارجية الصينية ــ التي تضاعف جهودها على مسار دبلوماسية "المحارب الذئب" ــ خطة بومبيو لتشكيل تحالف دولي ضد الصين باعتبارها "محض هراء". جاء في تصريح وزارة الخارجية الصينية: "لن يرى ذلك اليوم، ولن يرى خلفاؤه ذلك اليوم أيضا، لأن ذلك اليوم لن يأتي أبدا".

لكن ذلك اليوم قادم. ذات يوم كان التحالف الرباعي مجرد رمز لجهد دولي ناشئ لفرض أداة ضبط للقوة الصينية. وإذا أدت تهديدات شي المتزايدة تجاه تايوان إلى عمل عسكري، فسوف يصبح من المحتم إقامة تحالف دولي أكبر، والتحالف الرباعي في جوهره.


المصدر: project syndicate

ترجمة: مايسة كامل



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 5-12-2020
عناصر الحراك المدني امام مبنى الـESA في كليمنصو اعتراضاً على تواجد سلامة هناك (تصوير: محمود يوسف)
الحريري لن يتراجع.. والفريق الرئاسي مطالب بالتخلي عن الأساليب الملتوية!
أمير الكويت: الاتفاق الخليجي لمصلحة دول المنطقة