بيروت - لبنان 2020/10/24 م الموافق 1442/03/07 هـ

التعددية ستنجو من الانقسام الكبير

حجم الخط

لقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس خلال الافتتاح الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة من ان الولايات المتحدة والصين قد تقسمان العالم الى تكتلات تجارية ومالية منفصلة وبقدرات متباعدة تتعلق بالانترنت والذكاء الصناعي وأضاف ان مثل هذا الانقسام العظيم بين أكبر اقتصادين بالعالم قد يصبح انقسام جيوإستراتيجي وعسكري.

ان التوترات الصينية- الامريكية الناشئة في المنظمات الدولية تدعو للقلق بحق فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي اتهمت منظمة الصحة العالمية في السابق بتملق الصين أعلنت عن نيتها ان تسحب الولايات المتحدة الأمريكية من تلك المنظمة كما تمتنع عن دفع التمويل للمنظمة مما يحرم منظمة الصحة العالمية من أكبر مساهم مالي فيها ولقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية كذلك بتعطيل نظام تسوية النزاعات الخاص بمنظمة التجارة الدولية وذلك من خلال استخدام الفيتو من اجل منع تعيين قضاة جدد في هيئتها الاستئنافية.

لكن لحسن الحظ فإن هناك ثلاثة أشكال للتعددية سوف تعمل على احتواء خطر الانقسام العظيم للقوى العظمى.

أولا، ان المنظمات التعددية تتغير ولا تنهار فالصين لا تسعى لتدمير المؤسسات الدولية والتي أسستها أمريكا وقادتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية بل على العكس من ذلك تسعى الصين لزيادة نفوذها ضمن تلك المنظمات لأسباب ليس اقلها نجاح الصين ضمن النظام الذي تمثله تلك المنظمات.

بعد أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من منظمة الصحة العالمية، تعهدت الصين بمنحها 2 مليار دولار امريكي خلال سنتين من اجل مساعدتها على التصدي لجائحة كوفيد-19 وبعد ان سعت الولايات المتحدة الأمريكية لمنع الهيئة الاستئنافية لمنظمة التجارة العالمية من العمل، وزّعت الصين اقتراحا اصلاحيا يهدف لتقوية المنظمة.

أما في الأمم المتحدة فإن الصين الآن هي ثاني أكبر مساهم في الموازنة العامة وميزانية حفظ السلام. يترأس المسؤولون الصينيون حاليا أربعة من الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة والتي يبلغ عددها 15 وكالة. ان الصين هي ثالث أقوى دولة عضو في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حيث لديها مقعدها الخاص في مجلس الإدارة التنفيذي كما يوجد مسؤول صيني في فريق الإدارة العليا.

وهكذا نحن نشاهد اثنتين من القوى العظمى تتنافسان على المناصب ضمن الوكالات التي تحدد وتراقب القواعد والأحكام العالمية وبينما تستخدم الصين القادم الجديد الجزرة من اجل الدفع قدما بموقفها، نجد ان الولايات المتحدة الامريكية (وليس لأول مرة) تستخدم العصا -تهديدات فك الارتباط ووقف التمويل- من اجل تحقيق ما تريد.

ان المفتاح بالنسبة للبلدان الأخرى سوف يكون جودة الأداء لدى قيادات تلك المنظمات الدولية كما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة عندما هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على تلك المؤسسات ففي تلك الحقبة على سبيل المثال تمكن الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد من التهرب من حالة الجمود الأمريكية -السوفياتية وذلك من خلال جهود حفظ السلام الدولية بإشراف الأمم المتحدة بينما استخدم رئيس البنك الدولي روبرت ماكنامارا سلطته وتفويضه لتوسيع عضوية البنك ونشاطاته.

ان التصدي للانقسام العظيم سيتطلب قادة لديهم الامكانية لتشجيع إقامة الائتلافات بين الدول بدون الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية وذلك من اجل التصدي لوجهة نظر عضو مهيمن وتحقيق أقصى قدر من الاستفادة من موارد وموظفي وسياسات منظماتهم علما انه بدون مثل هولاء القادة فإن من شبه المؤكد ان الفيتو المستخدم من القوى العظمى المتنافسة سوف يشل حركة المنظمات الدولية أو يهمشها. إن مثل تلك الاعتبارات سوف تكون حيوية في الاختيار القادم للمدير العام الجديد لمنظمة التجارة الدولية خلفا لروبرتو ازفيدو والذي تنحى عن منصبه قبل سنة من انتهاء فترة عمله الحالية.

ان السبب الثاني لاعتقادنا ان التعددية سوف تنجو هو انه مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي آبان الحرب الباردة فإن الصين وامريكا تستخدمان الترتيبات متعددة الأطراف لتعزيز العلاقات مع حلفائهما. ان كل قوة عظمى تستغل المؤسسات التي تهمين عليها مثل بنك التنمية للبلدان الأمريكية الذي يوجد مقره في واشنطن (والذي تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية فيه بنسبة 30% من القوة التصويتية والصين 0،004 %) والبنك الاسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي يوجد مقره في بيجين ( والذي تتمتع الصين فيه بنسبة 29% من القوة التصويتية والولايات المتحدة الأمريكية ليست عضوا فيه ).

ان بعض الواقعيين من التقليديين قد يجادلوا بإن مثل تلك السياسات القائمة على توازن القوى تضحي بالضرورة بسيادة الدول الصغيرة حيث تلوي القوى العظمى ذراع تلك الدول للانضمام لتحالفات من اجل التصدي للتهديد الوجودي الذي يشكله منافسهم ولكن تاريخ الحرب الباردة يظهر ان المؤسسات الرسمية ضمن تحالف كل طرف يمكن ان تعطي الدول الأصغر بعض النفوذ فيما يتعلق بالقواعد والأحكام وهذا يؤدي بدوره الى التخفيف من التنافس بين القوى العظمى.

على سبيل المثال، ان الهيمنة الامريكية التقليدية على صندوق النقد الدولي نتج عنها ممارسات وسياسات متعلقة بالإقراض تتوافق بشكل تام مع أولويات الولايات المتحدة المتعلقة بالأمن القومي ولكن تحديد الاجندة بشكل رسمي وغير رسمي وقوة اتخاذ القرار ضمن صندوق النقد الدولي في ثمانينات القرن الماضي اتاحت الفرصة للأوروبيين ودول أخرى للتأثير على القواعد والاحكام وبالمثل فإن التعددية ضمن تحالفات اليوم التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والصين يمكن ان تخفف من حدة التنافس الحالي بين القوى العظمى.

ان الشكل الثالث من اشكال التعددية التي تخفف من المخاطر والتي يشكلها التنافس الصيني-الأمريكي يذكّرنا بنظام المؤتمر الأوروبي في أوائل القرن التاسع عشر حيث سعت القوى العظمى في تلك الفترة لتسوية القضايا ذات الاهتمام المشترك من خلال المشاورات متعددة الأطراف. ان فعالية مثل هذا الترتيب يكمن في المصلحة المشتركة للمشاركين فيه في المحافظة على الوضع القائم.

أما اليوم فإن قادة أكبر اقتصادات العالم لديهم مصلحة مشتركة مشابهة في منع الجائحة أو ازمة مالية عالمية من تعطيل وارباك الوضع القائم الدولي وفي قمة قادة مجموعة العشرين في ابريل -هي بالأساس لجنة لادارة الازمات- تعهد هولاء القادة بشكل جماعي ان لا يستخدموا المؤسسات الدولية الرسمية للتصدي لازمة كوفيد-19 فحسب، بل أن يقوموا كذلك بالتنسيق فيما يتعلق ببعض من سياساتهم النقدية والمالية المتعلقة بالتعامل مع الجائحة والعمل على حل النزاعات التجارية. سوف يجتمع قادة مجموعة العشرين مجددا في نوفمبر من اجل النظر في اتخاذ خطوات محتملة أخرى.

على الرغم من ان الصين والولايات المتحدة الأمريكية هما منافسان استراتيجيان فإن كليهما يعتمدان على الأسواق والتمويل والابتكار على المستوى العالمي حيث يحتاجان الى استمالة بلدان ومناطق أخرى من اجل استدامة قوتهما ولهذا السبب فإن كليهما سوف يستخدمان التعددية الرسمية وغير الرسمية من اجل حماية النظام الذي ازدهروا فيه ومن اجل توطيد التحالفات التي ينوون استخدامها لرسم مسارهما المستقبلي.

المصدر: project syndicate


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 24-10-2020
الرئيس الحريري مجتمعاً بالنائب باسيل في ساحة النجمة (تصوير: طلال سلمان)
مظلة رئاسية تسرّع التأليف.. وإجماع على الإختصاصيين وإصلاحات المبادرة
علّوش يسأل عن موقف إيران: الحريري سيتعامل مع عون «الرئيس»