بيروت - لبنان 2018/10/16 م الموافق 1440/02/06 هـ

التوأمة بين النخبة الفاسدة والقادة الشعبويين

حجم الخط

ستراسبورغ — لقد حقق القادة الشعبيون نجاحا منذ فترة طويلة من خلال تقديم أنفسهم بديلا "للنخبة الفاسدة" التي تغتني على حساب "الشعب". يدعي الشعبويون أنهم وحدهم القادرون على استعادة أخلاق الحكم. أو كما قال دونالد ترامب خلال حملة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام 2016، "أنا وحدي أستطيع إصلاح ذلك".

استفاد ترامب بشكل كامل من قواعد اللعبة الشعبوية، بدءا من وصف منافسته هيلاري ب "المُلتوية" إلى الوعد "بتجفيف المستنقع". وقد مضى الآن ما يقرب من عامين على انتخاب ترامب، لكن إدارته مليئة بالفضائح، وأضحى المستنقع أعمق من أي وقت مضى.

نادرا ما يفي الشعبويون بوعودهم بضمان حكومة نظيفة، وذلك لسبب بسيط: تتمثل أولويتهم الحقيقية في استغلال النظام لتحقيق مكاسبهم الخاصة. ويتجلى ذلك في وسط وشرق أوروبا، حيث يترأس أمثال ترامب في المنطقة مستنقعات الفساد الخاصة بهم.

وفي بولندا، يهاجم جاروسلاف كازينسكي، القائد الفعلي لحزب القانون والعدالة (PiS)، باستمرار النخب الفاسدة، بينما يقوض المؤسسات الديمقراطية ويزود الموظفين الأساسيين بالمناصب السياسية. كما تولت الحكومة إدارة وتوزيع الأموال من أجل المنظمات غير الحكومية، مما زاد من احتمال معاقبة المنظمات غير الحكومية المنتقدة للسياسات الرسمية من خلال التبرعات ذات الدوافع السياسية. فهذه المنظمات غير الحكومية التي ساعدت في كشف الفساد تواجه الآن خطر التعرض للفساد.

يتلاشى الفساد في المجتمعات حيث يتمكن الصحفيون ومجموعات المراقبة من العمل دون خوف أوقمع. لذلك يعمل الشعبويون اليمينيون على تقويض الصحافة الحرة والتقليل من شأنها. من جانبه، ينتقد ترامب الصحافة الجادة بحجة ترويج "أخبار مزيفة"، ويصف وسائل الإعلام الرائدة بأنها "أعداء الشعب". وفي ظل أمثال ترامب الأوروبيين، أصبحت الرقابة الصريحة والاستيلاء السياسي على الإذاعات العامة واقعا. منذ وصول حزب القانون والعدالة إلى السلطة، تم تخفيض النظام الإعلامي البولندي من "حر" إلى "حر جزئيًا" في الترتيب السنوي لمنظمة "فريدوم هاوس"، وذلك بسبب "عدم تسامح الحكومة بشأن الإعلام المستقل أو النقدي، والتدخل السياسي المفرط في شؤون وسائل الإعلام العامة، و القيود المفروضة على حرية التعبير فيما يتعلق بالتاريخ والهوية البولندية".

وفي هنغاريا، على سبيل المثال، في ظل حكومة رئيس الوزراء فيكتور أوربان، تجبر المنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلاً أجنبياً على إتباع قيود إبلاغ صعبة للغاية، باعتبارها تخضع ل"عملاء أجانب". يتوقع المرء وجود إجراءات مماثلة في روسيا تحت ولاية الرئيس فلاديمير بوتين.

علاوة على ذلك، في بولندا، تسبب المجتمع المدني الهنغاري الضعيف في خلق بيئة خصبة للفساد. وانخفض مؤشر الحكومة النظيفة في هنغاريا على مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية من 55 في عام 2012 إلى 45 في عام 2017، مما يجعلها أقل من دول مثل المملكة العربية السعودية وماليزيا.

أصبح أوربان، الذي كان يعتبر بطلا للديمقراطية، متورطا في فضائح فساد بسبب تلقيه لمساهمات عينية مختلفة من بعض رجال الأعمال الناجحين المريبين. واليوم، يسافر أعضاء حكومة أوربان بشكل روتيني على مثن طائرات خاصة لحضور مباريات كرة القدم ورحلات الصيد الشاملة في جميع أنحاء أوروبا، وقد تبين أنهم يرافقون النخبة في رحلات اليوخت الفاخرة. تميل عقود المشتريات العامة إلى أن تكون أعلى من سعر السوق بنسبة 25٪ في المتوسط.

للمرة الأولى منذ بدايته، صوّت البرلمان الأوروبي مؤخرًا لصالح فرض عقوبات ضد دولة عضو في الاتحاد الأوروبي بموجب المادة 7 من معاهدة لشبونة، بعد صدور تقرير مفصل عن حجم الليبرالية والفساد في هنغاريا. على الرغم من الحديث الشعبوي حول دولة محاصرة من قبل النخب الفاسدة، إلا أن الشعبويين هم الذين يقوضون سمعة دولهم. إن تعطشهم للسلطة والإثراء الشخصي، الناتج عن سلطوية متشددة، يفوق باستمرار رغبتهم في الإصلاحات الحقيقية من أجل الصالح العام. ومن الناحية العملية، يتمتع الشعبويون بسجل حافل بقضايا عدم المساواة والفساد والإجرام.

من غير المستغرب أن العديد من أعضاء البرلمان الأوروبي الذين ما زالوا يرفضون الموافقة على اتخاذ إجراء رسمي ضد حكومة أوربان، متورطون في فضائح خاصة بهم. على سبيل المثال، يزعم أن أوروبا الأمم والحرية، والمجموعة البرلمانية اليمينية المتطرفة التي تضم التجمع الوطني الفرنسي (الجبهة الوطنية سابقا)، وحزب الرابطة الإيطالية، وحزب الحرية في النمسا، والحزب الهولندي من أجل الحرية، قد تلقوا مبلغ 427.000 يورو (493.000 دولار) كتعويض عن المصروفات "المفرطة" و"غير القانونية" في عام 2016.

إذا أردنا وقف موجة الفساد في أوروبا، من الضروري أن تستجيب مؤسسات الاتحاد الأوروبي لانتهاكات القيم الأساسية للاتحاد، بدءاً بالمحاولات الرامية إلى خنق المنظمات غير الحكومية والصحافة الحرة.

من الناحية المثالية، يجب ترقية يوروبول (وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال تنفيذ القانون) بحيث تكون لها صلاحيات مماثلة لتلك الخاصة بمكتب التحقيقات الفدرالي في الولايات المتحدة. وهذا يعني أنه سيكون لديها السلطة لبدء التحقيقات في أي مكان في الاتحاد الأوروبي، ومطالبة وكالات تنفيذ القانون على المستوى الوطني بالتعاون مع جهودها.

وبدلاً من حماية الحكومات الشعبوية التي تسمح بالفساد وتستولي على أموال الاتحاد الأوروبي، ينبغي على الاتحاد الأوروبي استخدام الآليات المتاحة بموجب معاهداته لضمان محاسبة حكومات جميع الدول الأعضاء. إن الدفاع عن القيم الأوروبية لا يتطلب أقل من ذلك.

المصدر:PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

الدولار وإعادة تشكيل العالم
من أجل تدبير أفضل للعامِل العالمي
الصين واليابان وأميركا في عهد ترمب