بيروت - لبنان 2019/04/22 م الموافق 1440/08/16 هـ

الثورة ضد الفضيلة

حجم الخط

نيويورك ــ يتلخص تفسير شائع لصعود زعماء الدهماء اليمينيين في مختلف أنحاء العالم في أن العديد من الناس يشعرون بأنهم "تُرِكوا خلف الركب" بفِعل العولمة، والتكنولوجيا، وتفكيك التصنيع، والمؤسسات القومية الشاملة، وما إلى ذلك. إنهم يشعرون بأن "النخب الليبرالية" تخلت عنهم، ولهذا يصوتون لصالح متطرفين يعدونهم "باستعادة" بلدهم و"جعلها عظيمة مرة أخرى".

وهي رواية معقولة في الأجزاء البائسة من ألمانيا الشرقية، أو مدن التعدين القديمة الكئيبة في شمال بريطانيا، أو حزام الصدأ في الغرب الأوسط الأميركي. لكنها لا تفسر الأعداد الضخمة من الناخبين الشعبويين الذين يتمتعون بالازدهار نسبيا. يتجاوز هؤلاء غالبا منتصف العمر، وغالبيتهم العظمى من ذوي البشرة البيضاء. وهم أيضا ربما يشعرون بأنهم تُرِكوا خلف الركب بفِعل تغيرات أربكتهم: صعود قوى غير غربية وبروز أقليات من ذوي البشرة غير البيضاء على نحو متزايد؛ ومن هنا جاءت كراهية الرئيس الأميركي باراك أوباما وتقبل الأساطير ــ التي نشرها ترمب وغيره ــ التي تزعم أن أوباما لم يولد في الولايات المتحدة.

وما يتعذر تفسيره بدرجة أكبر هو النجاح غير العادي الذي حققه الحزب اليميني المتطرف الجديد في هولندا. لم يكن لحزب المنتدى من أجل الديمقراطية وجود حتى قبل ثلاث سنوات، لكنه حصل على نحو 15% من الأصوات في انتخابات محلية عقدت مؤخرا، مما جعله واحدا من أكبر الفصائل في مجلس الشيوخ. وتشير استطلاعات الرأي إلى أنه قد يصبح قريبا الحزب الأكبر في هولندا.

مقارنة بأغلب الأماكن، وحتى في أوروبا الغربية، تُعَد هولندا دولة غنية بدرجة هائلة، وهي في الأغلب الأعم هادئة ومسالمة للغاية. ربما يشعر بعض الذين صوتوا لصالح حزب المنتدى من أجل الديمقراطية بأنهم تُرِكوا خلف الركب نسبيا، لكن كثيرين منهم يعيشون في رغد وارتياح مثل زعيم الحزب الحضري العالي التعليم تييري باوديت. فلا هو، ولا العديد من أعلى أتباعه صوتا وأكثرهم صخبا، ينتمون إلى المناطق الريفية الساخطة. وكثيرون منهم يشبهون ما يسميه الأميركيون "فتيان النوادي الاجتماعية"، وأعضاء الأخويات الطلابية الذين يحتفلون بامتيازات الثروة والمكانة.

لكن باوديت ينتمي إلى نوع من الساسة نراه غالبا في أوروبا أكثر من الولايات المتحدة: اليميني الغندور، الذي يرتدي ملابس مفرطة في الأناقة على نحو أشبه بتاجر سيارات قديم. وتميل طريقة تفكيره بشدة نحو منظرين إيديولوجيين ينتمون إلى أوائل القرن العشرين، والذين شعروا بالقلق إزاء تدهور الحضارة الغربية، والتي لا يمكن إنقاذها من منظورهم إلا عن طريق زعامة استبدادية. ومثله كمثل موسيليني، يؤمن باوديت "بالديمقراطية المباشرة" حيث يعبر الشعب عن رأيه في استفتاءات.

يرى باوديت أن المهاجرين، وخاصة المسلمين، يعملون على إضعاف نقاء السكان الأصليين وتقويض الثقافات الغربية بطرقهم الغريبة. وهو يعتقد أن الحضارة الأوروبية مهددة بنفس القدر من قِبَل "الماركسيين المستحدثين" الذين ينبغي تطهير المدارس والمؤسسات الوطنية منهم. ويرغب باوديت في الحفاظ على الهوية الوطنية عن طريق سحب هولندا من الاتحاد الأوروبي. ومثله كمثل ترمب، الذي يعرب عن إعجابه به، يعتقد باوديت أن تغير المناخ مجرد خدعة.

لماذا يلاقي مثل هذا الفِكر القبول بين عدد كبير من الناس في بلد مستقر ومزدهر؟ ولماذا يفترض الساسة الذين يشعرون بالقلق إزاء المهاجرين والانحدار الوطني بشكل شبه تلقائي أن تغير المناخ ليس مشكلة؟ الواقع أنني توصلت إلى إجابة محتملة، ليس في أمستردام، ولكن في لندن، حيث شاركت قبل بضعة أسابيع مع مئات الآلاف من مواطني المملكة المتحدة في مسيرة احتجاجية ضد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

كان الحشد متحضرا تماما، بل كان أنيقا أرستقراطيا، وكان ينضح بنفحة من الفضيلة. كان هناك افتراض غير معلن مفاده أن أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي ليسوا على خطأ فحسب، بل إنهم متعصبون وكارهون للأجانب. وقد يصدق هذا على العديد من أنصار الخروج، وخاصة بعض مشجعيهم الرسميين الأكثر صخبا. وكانت مشاعري بالكامل مع المتظاهرين. لكن افتراض الفضيلة بين أولئك الذين يعتبرون أنفسهم على نفس القدر من التقدم ربما يساعد في تفسير شعبية المحرضين اليمينيين، فضلا عن الصِلة بين المشاعر المعادية للمهاجرين وإنكار تغير المناخ.

اعتادت أحزاب يسار الوسط تمثيل المصالح الاقتصادية للطبقة العاملة الصناعية. لكن التركيز بدأ يتغير في العقود الأخيرة من القرن العشرين، عندما أصبح العِرق، والجنس، والبيئة من شواغل اليسار الأكثر أهمية. وكانت أهداف مثل مكافحة العنصرية، والمساواة في الحقوق لصالح النساء والأقليات الجنسية، فضلا عن صحة كوكب الأرض ــ وكلها أهداف جديرة بالاحترام ــ سببا في إضفاء حس الفضيلة القوي على السياسة التقدمية. فكنا نعرف ما هو الأفضل للناس، وأولئك الذين عارضونا كانوا إما أغبياء أو أشرارا.

ربما يكون من الصعب التسامح مع هذا الموقف، وخاصة عندما يكون مصحوبا بامتياز اجتماعي وتعليمي، وهذه هي الحال غالبا. كانت هولندا تتمتع بتقليد قديم يتمثل في تحكيم الفضيلة. ويمكنك أن ترى هذا في لوحات فرانس هالز التي تصور هولنديين بارزين من القرن السابع عشر يرتدون ملابس سوداء رصينة لكنها باهظة الثمن. كانت هذه الشخصيات، الملهمة غالبا بدوافع نبيلة، تتمسك باعتقاد راسخ مفاده أن فضائلهم البروتستانتية الفطرية أعطتهم الحق في الحكم.

وقد ظل شيء من هذا التقليد باقيا في هولندا لفترة طويلة. فكانت الأحزاب الليبرالية والديمقراطية الاجتماعية بشكل خاص تنبئ الناس بأن المواطنين الصالحين لابد أن يؤمنوا بالتكامل الأوروبي، وأن "يرحبوا بالعمال الضيوف" واللاجئين، وأن يأكلوا ويشربوا ما يفيد صحتهم، وأن يبذلوا قصارى جهدهم للتخفيف من الأضرار الناجمة عن الظروف المناخية المتغيرة.

جاءت ردة الفعل على هذا النوع من الأبوية المعقولة النابعة من حسن النوايا غالبا في هيئة شعبوية مشاكسة شرسة. وكمثل الطفل الذي يرفض تناول السبانخ، لمجرد أن والدته تزعم أنها مفيدة له، يريد أنصار ترمب، أو الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، أو باوديت إظهار احتقارهم للساسة من أنصار الفضيلة. ولهذا السبب، يعشق نايجل فاراج، المروج الرئيسي للخروج البريطاني، التقاط الصور له وهو يحمل كأسا مليئة بالجعة وسيجارة مشتعلة: إذا كانت النخبة الفاضلة تريد منا الإقلال من الشراب والإقلاع عن التدخين، فلنفعل العكس.

سرعان ما يتحول هذا التمرد الشخصي إلى تمرد سياسي. إذا كانوا "هم" يأمروننا بالبقاء في أوروبا، فلنخرج منها. وإذا طالبونا بقبول المهاجرين، فلنرفضهم. وإذا قالوا لنا إن تغير المناخ يشكل تهديدا خطيرا، فلننكره. ويبدو الأمر وكأن أي شيء أفضل من الاعتراف بأن الخبراء على حق. ويصدق هذا في بلد ترمب، كما يصدق بنفس القدر في هولندا الهادئة الثرية.

المصدر: PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

يسلبون المواطنين بقوة السلاح ويسهلون الدعارة.. وكان لهم الأمن بالمرصاد!
زلزال عنيف يضرب الفلبيين ويهز مباني العاصمة
قبيسي: نعيش فوضى اقتصادية