بيروت - لبنان 2018/08/15 م الموافق 1439/12/02 هـ

الجريمة وإنعدام العقاب لحرب العراق

حجم الخط

برنستون- في الشهر الماضي أحيت صحيفة نيويورك تايمز الذكرى الخامسة عشر للحرب التي قادتها أمريكا على العراق بعمود مؤثر لسنان انطون وهو روائي عراقي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان " قبل خمس عشرة سنة، دمرت أمريكا بلادي " . لقد عارض انطون كلا من الدكتاتورية الوحشية لصدام حسين وغزو العراق الذي قادته امريكا سنة 2003 والذي أغرق البلاد في الفوضى واثار التوترات العرقية وأدى الى مقتل مئات الالاف من المدنيين علما أن الحرب أدت الى زعزعة الإستقرار في المنطقة مما ساهم في صعود تنظيم الدولة الاسلامية والذي في اوج قوته احتل اجزاء مهمه من الاراضي العراقية وقطع رؤوس خصومه ومارس التطهير العرقي ضد الاقلية اليزيدية بالاضافة الى نشر الإرهاب حول العالم.

إن مما لا شك فيه ان الحرب للاطاحة بصدام كانت خطأ مأساوي حيث يعتقد انطون انها كانت جريمة كذلك ولو كان هذا الكلام صحيحا فإن مرتكبي تلك الجريمة ما زالوا طلقاء . إن قلة من الامريكان سيأخذون على محمل الجد التأكيد بإن الرئيس جورج بوش الابن وغيره من اعضاء ادارته –بما في ذلك نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وجون بولتون والذي تم تعيينه مؤخرا من قبل الرئيس دونالد ترامب كمستشاره القادم للإمن القومي- هم مجرمو حرب كما أن قلة من البريطانيين سينظرون الى رئيس الوزراء توني بلير كمجرم حرب كذلك ومع ذلك فإن الحجة بإنهم ارتكبوا جريمة هي حجة قوية على نحو مفاجىء.

إن فكرة ان البدء بحرب عدوانية يعتبر جريمة تعود على اقل تقدير الى سنة 1919 عندما مهدت معاهدة فرساي لمحاكمة القيصر فيلهلم الثاني بسبب " الجريمة العظمى ضد الاخلاق الدولية" ولم يتم اقامة مثل تلك المحاكمات بعد الحرب العالمية الاولى ولكن بعد الحرب العالمية الثانية كان شن الحروب العدوانية احدى التهم الاربعة التي اعتمدت عليها المحكمة الدولية العسكريه خلال محاكمات نورمبرج من اجل ادانة 12 قائد نازي والحكم عليهم بالاعدام ومن بينهم مارشال الرايخ هيرمان جورنج ووزير الخارجية جواكيم فون ريبينتروب والمشير فيلهلم كايتيل.

بعد المحاكمات وضعت مفوضية القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة المبادى القانونية الأساسية في وثيقة اطلقت عليها اسم "مبادىء نورمبرج "حيث تنص تلك المبادىء على ان اي شخص يرتكب جريمة بموجب القانون الدولي هو مسؤول عنها ويتعرض للعقوبة بغض النظر عن قانونية سلوكهم طبقا للقانون المحلي للدوله التي مارسوا فيها ذلك الجرم. تنص الوثيقه على بضعة جرائم بموجب القانون الدولي بما في ذلك "التخطيط والاعداد والبدء وشن الحرب العدوانية أو حرب تنتهك المعاهدات أو الاتفاقيات أو التطمينات الدولية " و "المشاركة في خطة مشتركة أو مؤامره " للبدء بمثل هذه الحروب أو شنها .

لقد لعبت الولايات المتحده الأمريكية والمملكة المتحدة أدوارا قيادية في محاكمات نورمبرج ولو فشلتا في تطبيق المعايير نفسها على قادتهما ، فهل يعني ذلك ان هناك بعض النفاق؟

إن غزو العراق كان عملا عدوانيا ضد بلد لم يكن يهاجم أو يهدد بمهاجمة بلد آخر فالغزو كان عبارة عن انتهاك لميثاق الامم المتحدة حيث يتضمن البيان بإن على "جميع الاعضاء الامتناع اثناء ممارستهم لعلاقاتهم الدولية عن التهديد او استخدام القوة ضد سلامة اراضي اي دولة أو استقلالها السياسي أو بأي طريقة اخرى لا تتوافق مع أغراض الامم المتحدة". لقد سعى بوش وبلير للحصول على تفويض مجلس الامن الدولي للهجوم حيث أدعيا ان العراق كانت تنتهك اتفاقها المتعلق بنزع السلاح ولكن فرنسا والصين وغيرها من اعضاء مجلس الامن رفضت ذلك وجادلت بإن مفتشي الاسلحة الذين كانوا متواجدين في العراق آنذاك يجب السماح لهم بالاستمرار في عملهم من اجل تحديد ما اذا كان صدام يمتلك اسلحة الدمار الشامل ولكن مهما يكن من أمر مضى بوش وبلير قدما بالهجوم .

ان بولتون والذي كان في ذلك الوقت وكيل الوزارة للحد من التسلح والامن الدولي كان جزءا من "الخطة المشتركة لشن حرب عدوانية". لقد أساء بولتون لمحللي الاستخبارات الذين لم يتفقوا مع الطرح الذي ارادت ادارة بوش منهم ان يدعموه. لقد علق جون برادوس وهو زميل في ارشيف الامن القومي لجامعة جورج واشنطن بإن " المحللين الذين كانوا يعملون على الاستخبارات المتعلقه بالعراق لا يمكن توجيه اللوم لهم عندما وصلوا الى استنتاج مفاده بإن حياتهم المهنية يمكن أن تكون في خطر لو قاموا بتوفير اجوبة تختلف عن تلك التي ارادت ادارة بوش سماعها". لقد قامت ادارة بوش بإستحضار ادلة خاطئة ومضللة وابرزها مستندات مزوره تظهر بإن العراق قد سعى لشراء اليورانيوم من النيجر وذلك من اجل تبرير قرارها المتخذ سابقا لغزو العراق الغني بالنفط .

لقد قام بلير بتبرير الغزو قائلا بأنه كان ضروريا من اجل منع صدام من ارتكاب جرائم ضد الانسانية وفي مذكراته الاخيرة رفض جاريث ايفانز وزير الخارجية الاسترالي السابق والمؤلف الرئيسي لعقيدة "مسؤولية الحماية" والتي تعتبر اساس التفكير الدولي فيما يتعلق بتبرير حرب ما على اساس التدخل الانساني، ما ادعاه بلير . يقر جاريث بإن صدام قد ارتكب فظائع في الثمانينات واوائل التسعينات كانت يمكن ان تبرر التدخل ولكن بحلول سنة 2000 لم يكن سلوكه يعتبر "اكثر سوءا من عشرات من الاشخاص الذين اعتادوا على انتهاك حقوق الانسان حول العالم ".

إن من غير المرجح ان يحاكم بوش أو اي عضو من ادارته على جريمة شن حرب عدوانية علما ان المكان الواضح لمثل تلك المحاكمة هو المحكمة الجنائية الدولية وعلى الرغم من ان الرئيس بيل كلينتون وقع الاتفاقية التي تؤسس المحكمة الجنائية الدولية قامت ادارة بوش بسحب التوقيع وما تزال الولايات المتحدة الامريكية دوله غير عضو في الاتفاقية.

لكن هذا لا يعني انه لا فائدة من مناقشة الطبيعة الجنائية المزعومة للهجوم على العراق. لقد بدأت التوترات العالمية بالتصاعد منذ ان تولى ترامب مهام منصبه علما أن تعيين بولتون سيزيد من تلك التوترات وذلك نظرا لارائه المتشددة جدا فيما يتعلق بإيران وكوريا الشمالية. لقد حان الوقت لنذكر انفسنا بإن شن حرب عدوانية هو عادة ما يكون خطأ ولكن دائما هو جريمة وحتى لو لم تتم معاقبة من ارتكبها .

المصدر:PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

التنازل عن الزعامة الاقتصادية والسياسية العالمية
المساواة للجميع؟
الصحراء السياسية الجرداء تقود الطبيعة إلى التطرف والهلاك