بيروت - لبنان 2020/04/04 م الموافق 1441/08/10 هـ

الرفيق ترمب

حجم الخط

نيويورك ــ في خطابه الأخير عن حالة الاتحاد، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائلا: "في غضون ثلاث سنوات فقط، حَـطَّمنا عقلية الاضمحلال الأميركي ورفضنا تحجيم مصير أميركا". هذا التصريح الذي لا يقوم على أي أساس ــ فهو دعاية أكثر من كونه واقعا ــ يذكرني بإعلان جوزيف ستالين في عام 1935 حيث قال: "لقد تحسنت الحياة أيها الرفاق؛ الحياة أصبحت أكثر إبهاجا".

عندما رَوَّج ستالين لما أسماه "التحسن الجذري في رفاهة العمال المادية" الذي جلبه النظام السوفييتي، كانت إحصاءات الإنتاج متراجعة؛ وكانت المجاعة تدمر السكان، وخاصة في أوكرانيا؛ وكانت حملة التطهير العظمى ــ حملة القمع السياسي الوحشية ــ تلوح في الأفق بالفعل. على نحو مماثل، بينما يشيد ترمب بإدارته لأنها تعمل على استعادة عظمة أميركا كما يَـفتَرِض هو، يسعى حلفاء الولايات المتحدة وأصدقاؤها جاهدين لتقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة، التي أصبحت تشكل تهديدا للاستقرار العالمي وتحولت إلى مادة للسخرية على المستوى الدولي.

بالمثل، كانت تصريحات ترمب حول الاقتصاد مضللة. صحيح أن نمو الناتج المحلي الإجمالي يظل قويا نسبيا، وأن أسعار الأسهم سجلت ارتفاعات غير مسبوقة. ولكن كما أشار جريتشن ويتمر حاكم ولاية ميتشيجن بعد خطاب حالة الاتحاد، فإن "الملايين من الناس يكافحون من أجل البقاء، أو لا يتبقى لديهم ما يكفي من المال في نهاية الشهر بعد دفع تكاليف الانتقال، أو سداد القروض الطلابية، أو تغطية تكاليف الأدوية الموصوفة". الواقع أن "طفرة العمال العاديين" أهملت حصة كبيرة من العمال العاديين.

لا أدّعي أن ترمب هو ستالين الجديد، ناهيك عن مساواة الولايات المتحدة اليوم بالاتحاد السوفييتي في ثلاثينيات القرن العشرين. لكنني أستطيع أن أتعرف على الدعاية عندما أسمعها، وكلمات ترمب من الصنف الأصلي من الدعاية. كما أعرف مدى فعالية الدعاية الجيدة عندما يتعلق الأمر بخلق مساحة للسلوك الدكتاتوري ــ وإلى أي مدى قد تكون حتى أقوى الديمقراطيات عُرضة للحكم الشمولي.

بطبيعة الحال، تنطوي الدعاية على ما هو أكثر من مجرد الكلمات. إذ يستخدم الحكام المستبدون أدوات أخرى لإضفاء هالة من العظمة على أنفسهم. والهندسة المعمارية إحدى هذه الأدوات. فمن الفراعنة المصريين إلى الأباطرة الرومان إلى الحكام المستبدين المعاصرين من أمثال كيم جونج أون في كوريا الشمالية، استخدم القادة المستبدون (أو أساءوا استخدام) الهندسة المعمارية في كثير من الأحيان للتلاعب بالمفاهيم العامة، من خلال خلق مساحات عامة فخمة تعكس تصورهم الرائع لأنفسهم.

كان فيلم أوليمبيا ، تحفة ليني ريفنستال السينمائية المثيرة للجدال في عام 1938، والذي استند إلى أحداث أولمبياد برلين الصيفية التي جرت في عام 1936، مصورا على نحو كان المقصود منه التأكيد على الأجواء الذكورية المهيمنة التي ينضح بها مدرج الألعاب ــ وبالتالي النظام النازي. وهناك أيضا التغيير الشامل الذي أدخله ألبرت سبير في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين على مظهر مدينة برلين، والذي نَـقَـل طموح النظام الشمولي إلى فن العمارة على النمط الكلاسيكي الجديد الذي اتسم بالمهابة والوحشية على نحو ثابت لا يتغير.

استنسخ ستالين نموذج هتلر الإمبراطوري في "كلاسيكيته" المعمارية بطريقته الخاصة: ارتفاعات عالية مع القباب، والأبراج وغير ذلك من الزخارف والزركشات التي كان المقصود منها أن ترمز إلى القوة. كما استلهم ستالين من مبنى بلدية مانهاتن في مدينة نيويورك، الذي عَـبَّر عن عظمة "إمباير ستيت" (لقب مدينة نيويورك) في العقد الأول من القرن العشرين.

الآن، تعمم إدارة ترمب مسودة أمر تنفيذي يحمل مسمى " لنجعل المباني الفيدرالية جميلة مرة أخرى "، والذي من شأنه أن يلزم المهندسين المعماريين بالهياكل "الكلاسيكية" المستلهمة من التقاليد اليونانية والرومانية. يؤكد هذا الأمر التنفيذي على القيمة الرمزية للمباني، ويعارض بوضوح " المبادئ التوجيهية للعمارة الفيدرالية " لعام 1962 ــ التي دعمها الرئيس جون ف. كينيدي ــ التي دعت إلى تصميم ينساب ويتدفق من المهنة المعمارية إلى الـحُـكم.

ربما لا ينبغي لهذا أن يفاجئنا. فقبل فترة طويلة من توليه منصبه كرئيس للولايات المتحدة، كان ترمب يستخدم الهندسة المعمارية للتأكيد على قوته وامتيازه. على سبيل المثال، يشترك البناء المبهرج المذهب الذي يميز بنايات ترمب العديدة في الكثير من النواحي مع أذواق الروكوكو الفخمة التي اعتنقها حكام مستبدون معاصرون من أمثال شي جين بينج في الصين، وفلاديمير بوتن في روسيا، ورجب طيب أردوغان في تركيا.

انخرط هؤلاء القادة أيضا في شكل كلاسيكي آخر من أشكال استعراض القوة الاستبدادية: الاستعراضات العسكرية التي تُـعَـد طريقة مجربة وحقيقية للشخصيات الاستبدادية التي تسعى إلى إبهار المؤيدين والمعارضين على حد سواء. في عام 2017، لم يستطع ترمب احتواء انفعاله إزاء الاستعراض العسكري بمناسبة يوم الباستيل في باريس ــ كان أقرب إلى حفل من كونه استعراضا للعضلات ــ بالقرب من قوس النصر (الذي تصادف أنه واحد من العناصر التي استلهم منها سبير تصوره لبرلين النازية). بعد ذلك بعامين، أقام ترمب استعراضه العسكري الذي كان باهظ التكلفة بدرجة مذهلة.

قد يكون من المغري صرف النظر عن مثل هذه الاستعراضات المسرحية باعتبارها مجرد وسيلة للإلهاء. لكنها تعمل بشكل مباشر على تمكين النزوع إلى سلوكيات خطيرة ومتهورة، بما في ذلك رفض جميع الضوابط المفروضة على السلطة التنفيذية ــ التي تشكل ضرورة أساسية لأي ديمقراطية فاعلة.

ما يثير القلق بشكل خاص عجز ترمب عن تقبل النقد. لقد حاكَم ستالين خصومه المتصورين باعتبارهم "أعداء الشعب"، وسجن أو قتل الآلاف بتهمة الخيانة أو عدم الولاء. بطبيعة الحال، قد لا يكون ترمب قادرا على الإفلات من العقاب إذا مارَس مثل هذا المستوى من القمع، لكنه استخدم ذات الخطاب، فوصف منتقديه في وسائل الإعلام بأنهم "أعداء الشعب".

علاوة على ذلك، فور تبرئته بواسطة مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون في محاكمة العزل الصورية التي لم يُـستَدع فيها أي شهود، سارع ترمب إلى إقالة أولئك الذين أدلوا بشهاداتهم في مجلس النواب حول جهوده لإجبار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على التحقيق في شأن منافس سياسي. كان ذلك مثالا أصيلا على نزعة الانتقام التي تعتمد عليها الأنظمة الاستبدادية.

عندما أقيل شاهد المحاكمة المقدم ألكسندر س. فيندمان، قام ضباط الأمن بمرافقة شقيقه التوأم المقدم يفجيني فيندمان، وهو محام في هيئة العاملين في مجلس الأمن القومي، إلى خارج البيت الأبيض إلى جانب أخيه. كان ذلك انتقاما حقيرا محضا. في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية (الاتحاد السوفييتي) في ثلاثينيات القرن العشرين، كان يفجيني ليحمل لقب "عضو في أسرة أحد أعداء الشعب" ويُـحـكَم عليه بقضاء خمس سنوات في أحد معسكرات العمل الإلزامي في سيبيريا.

هكذا يبدأ نشوء الأنظمة الاستبدادية. وفي حين تستعد الولايات المتحدة للانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني، تقع على عاتق كل مواطن المسؤولية عن الدراسة المتأنية المتعقلة لدوافع ترمب الاستبدادية، والتي لن تفضي إعادة انتخابه إلا إلى تقويتها. ليس من المأمون أن نفترض أن ترمب لن يتمادى أبعد مما ينبغي، أو أنه "متوسط المقدرة" ــ كما وصف ليون تروتسكي ستالين (وهو التقييم الذي وافق عليه العديد من البلاشفة) ــ إلى الحد الذي لا يستطيع معه تحويل بلده.

في عام 1922، كتب فلاديمير لينين، وهو ذاته من عتاة البلاشفة، أن "ستالين عمل على تركيز قدر هائل من السلطة بين يديه، ولن يكون قادرا على استخدام كل هذه القوة بمسؤولية"، وذلك بسبب سمات مثل الفظاظة والغِلظة، والتعصب، والتقلب. الواقع أن ترمب يحمل كل هذه السمات في أوضح تجلياتها. وكلما زاد من تركيز السلطة بين يديه، كلما ازداد أفق الديمقراطية الأميركية في الأمد البعيد إعتاما وغموضا. وإعادة انتخابه قد تعني الإظلام التام.

المصدر: Project Syndicate



أخبار ذات صلة

بثلاث لغات.. محمّد بن زايد يتضامن مع الصين في «حدادها»
باسيل: من حق اللبنانيين العودة إلى لبنان لكن يجب أن [...]
باسيل: البعض أراد ان تكون هذه الحكومة لفترة قصيرة لتذهب [...]