بيروت - لبنان 2020/08/15 م الموافق 1441/12/25 هـ

الصين تقترب من المرتبة الأولى عالميًا والخريطة البشرية تبدلت

حجم الخط

ستتجاوز الصين الولايات المتحدة لجهة حجم الاقتصاد خلال 10 سنوات وربما 15 سنة. لكن إذا نظرنا إلى نهاية هذا القرن من الزمن، فستعود أميركا إلى الصدارة.

ويأتي التوقع الأول عبر عدد من الدراسات الاقتصادية، تشمل تقرير "بريكس" (BRICs) الشهير الذي أصدره "غولدمان ساكس" قبل 20 عاماً. ووفق بعض الحسابات، المستندة إلى أسعار لصرف العملات تستند بدورها إلى تعادل القوة الشرائية بدلاً من الأسعار الفعلية لصرف العملات في السوق، تفوقت الصين على الولايات المتحدة بالفعل الآن.

ولاقت هذه التوقعات دعاية واسعة، وساعدت بشكل مفهوم في إثارة شعور بعدم الأمان بالولايات المتحدة وشعور بالانتصار في الصين. ويمكن أن تُعزى، على الأقل، بعض التوترات التجارية الحالية بين البلدين إلى الصراع على التفوق الاقتصادي العالمي.

أما التوقع الثاني، القائل إن الاقتصاد الأميركي بعد فترة من الهيمنة الصينية سيندفع إلى الأمام ويتفوق على الصين، فلم ينل كثيراً من الرواج والدعاية. لكنه يبدو لي صحيحاً كالتوقع الأول تماماً، بل وأهم منه في الواقع.

ويستند التوقع الثاني إلى بعض الحسابات حول النمو والتقلص السكانيَّين، صدرت عن مجموعة بقيادة جامعة واشنطن في سياتل ونشرتها الأسبوع الماضي الدورية الطبية "ذا لانست". وتكون التوقعات السكانية مثيرة للاهتمام لأنها تقترح أن سكان العالم سيسجلون ذروة تبلغ 9.7 مليار شخص في عام 2064 وسيشهدون تراجعاً إلى 8.8 مليار شخص بحلول عام 2100. وتقل هذه التوقعات بكثير عن توقعات الأمم المتحدة، التي رجحت في العام الماضي ذروة في عدد السكان تصل إلى 11 مليار شخص في عام 2100. ولم تصدر بعد مراجعة عام 2020 لدراسة الأمم المتحدة.

ولا أظن أن النقاش حول أي من مجموعتي الحسابات هي الأصح على الأرجح سيكون نقاشاً مجدياً، على الرغم من أن تراجع عدد البشر سيفرض عبئاً أصغر على الكوكب. وللأمم المتحدة تجربة مهمة في إجراء هذه الإحصاءات، وكانت تقديراتها متوسطات إحصائية mid-point estimates دقيقة جداً خلال السنوات الـ30 الماضية تقريباً. لكن هذه الحسابات الجديدة تأخذ في الاعتبار انهيار معدل الخصوبة في الصين، وهو انهيار كبير، ويجب النظر فيه بشكل جدي.

ومن وجهة نظر بريطانية، ثمة نتيجة مثيرة للاهتمام: ستصبح المملكة المتحدة البلد الأكثر سكاناً في أوروبا، متجاوزة ألمانيا في طريقها إلى ذلك. ومن منظور هندي، تؤكد هذه الأرقام أن الهند ستتجاوز الصين لتصبح البلد الأكثر سكاناً في العالم وستبقى كذلك خلال المستقبل المنظور. ولو نظرنا في هذه الأرقام ونحن بأفريقيا، ستبرز قفزة نيجيريا لتصبح ثاني أكثر بلدان العالم سكاناً في العالم، متجاوزة الصين، بكتلة سكانية تبلغ 800 مليون شخص.

أما نظراً من زاوية عالمية، فسيبرز الصراع الأميركي - الصيني. ويضيف الباحثون بعض التقديرات في شأن حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى الدول المختلفة، بهدف تقديم ترتيب عالمي لأحجام اقتصاداتها. وإذا أخذنا ذلك في الحسبان، ستتجاوز الصين بالفعل الولايات المتحدة في عام 2035، لكن أميركا ستعود إلى الصدارة في عام 2098.

والآن ثمة تحذير صحي: إن هذه التوقعات هي ثمرة نماذج اقتصادية. فما نحصل عليه يعتمد على الأرقام التي نأخذها في الاعتبار والافتراضات التي نضعها حول سلسلة من المتغيرات، بما في ذلك معدلات الخصوبة والوفيات والهجرة والإنتاجية ومشاركة العمالة وسن التقاعد وما إلى ذلك. وحتى لو أصبنا تقدير الكتل السكانية، وهذا مستحيل، لا نستطيع توقع معدلات الإنتاجية أو مشاركة العمالة. لكن الفكرة القائلة إن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة لكن الأخيرة لن تلبث أن تتفوق على الأولى تبدو لي محتملة جداً، بل وشبه حتمية.

في الواقع تقترح حسابات سريعة أن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة في وقت مبكر هو عام 2030 وأن أميركا ستعاود تجاوز الصين في ستينيات القرن الحادي والعشرين. لذلك لن يدوم تربع الصين في الموقع الأول سوى نحو 30 سنة، وليس 60 سنة كما تقترح أرقام جامعة واشنطن.

وثمة سببان وراء ذلك. الأول أن الهجرة إلى الولايات المتحدة ستكون على الأرجح أكبر من المتوقع. وستبقى أميركا الوجهة المفضلة لمعظم المهاجرين المحتملين، لا سيما منهم الأفضل تعليماً، بمن في ذلك كثر من البر الصيني والهند. وفي المقابل لن تكون الصين موقعاً جذاباً للمهاجرين، لذلك ستضطر إلى الاتكال على مجموعة المواهب التي تولّدها. ومجموعة المواهب هذه ضخمة، وستتمتع بتعليم حسن في شكل متزايد. وتجدر الإشارة إلى أن الشباب في شانغهاي يحققون نتائج عالية جداً في برنامج تقييم الطلاب الدوليين التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والخاص بالتحصيل المدرسي للطلاب. وجعل الصينيون سنغافورة، الدولة المدينة، تحقق نصيباً للفرد من الناتج المحلي الإجمالي قريباً من نظيره في الولايات المتحدة. لكن الحقيقة الصعبة لا تزال ماثلة. يختار الشباب الطامحون من أرجاء العالم كله أن يدرسوا في أميركا. ولا يختارون أن يدرسوا في البر الصيني.

والثاني أن حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من الأرجح أن تبقى في الولايات المتحدة أعلى منها في الصين. ويبدو أن الفجوة في هذه التوقعات تتمثل في أن الإنتاجية الأميركية للفرد ستكون أعلى بواقع الضعفين تقريباً مقارنة بنظيرتها الصينية، لكن فقط بواقع الضعفين. ومن المؤكد أن تكون الفجوة أوسع من ذلك، لا سيما في ضوء إمكانية الوصول التي تتمتع بها أميركا إلى رأس المال البشري العالمي.

وثمة تحذيرات في هذا المجال للولايات المتحدة. عليها أن تبقى مجتمعاً منفتحاً وجذاباً. وهذا يعني جبه المشكلات الاجتماعية والعرقية، إلى جانب المشكلات البيئية والتعليمية. لكن التوقعات البعيدة الأجل أكثر إيجابية، وهذا أمر يجب ذكره أيضاً.


المصدر: اندبندنت


أخبار ذات صلة

تقارب فرنسي أميركي إمارتي في شرق المتوسط
احصاءات غرفة التحكم للحوادث التي تم التحقيق فيها خلال ال [...]
من اللعب بجوهر الطائف إلى تعديله قبل التطبيق