بيروت - لبنان 2020/04/08 م الموافق 1441/08/14 هـ

الفقرة المفقودة في صفقة ترامب: المياه لمن؟

مزارع فلسطيني يعتني بأرضه في مدينة الناصرية في الضفة الغربية (أ ف ب)
حجم الخط

بالإضافة إلى العديد من الإشكاليات التي طرحتها "صفقة القرن"، إلا أن أحد أخطائها الصارخة يتمثّل في افتقارها إلى أي اهتمام جدّي بكيفية تقسيم موارد المياه الثمينة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وهو سؤال لطالما أُثير الجدل حوله في كل المحاولات لحلّ الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي.

ولعلّ أحد الأسباب التي دفعت القيادة الفلسطينية إلى رفض اقتراح ترامب، بشكل غير مباشر، هو أنه تضمّن مطالبة الفلسطينيين بالتنازل عن الضفة الغربية الغنية بالمياه وغور الأردن بأكمله لإسرائيل.

"أُصبت بالذهول لدى إطلاعي على مضمون خطة ترامب، بسبب خلّوها من أي سياق تاريخي للصراع، إذ ليس هناك أي اعتراف بالاتفاقيات السابقة التي تناولت مسألة المياه، كما لم تتضمّن أي اعتراف بالخطوات التي وُضعت للسماح بتقاسم المياه، أو حتى الاعتراف بحقّ الوصول إلى المياه"، تقول الخبيرة في سياسات المياه والنزاعات في جامعة "ديوك" الأميركية اريكا وينثال في حديث لصحيفة "فورين بوليسي" الأميركية.

صراع تاريخي على المياه

لعقود من الزمن، مثّل حقّ الوصول إلى المياه ركنًا أساسيًا في الصراع الفلسطيني-الأسرائيلي، وفي العديد من التوترات الإقليمية. إذ تحتوي المناطق القاحلة، التي منحتها خطة ترامب للفلسطينيين في مقابل التنازل عن أجزاء أخرى من الضفة الغربية لاسرائيل، على كميات محدودة من المياه التي يتزايد الطلب عليها في مجال الزراعة، كما يجري تقاسم المياه إلى حد كبير ضمن الحدود الداخلية لدولة فلسطين بما في ذلك مياه نهر الأردن والآبار الجوفية في الضفة الغربية وقرب قطاع غزة.

تُساعد هذه المعلومات الجيولوجية والجغرافية في فهم سبب النزاعات المائية في المنطقة منذ قرون وحتى منذ آلاف السنين، ومنها ما ذُكر في الانجيل عن صراع اسحق مع الفلسطينين لبناء بئرين من المياه في أراضيهم. وفي وقت سابق، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل أرييل شارون أن الصراع على المياه هو الذي أشعل حرب الأيام الستة في العام 1967.

آثار كارثية

منذ العام 1967، تحوّلت المياه إلى "مصدر قلق" في الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي، خصوصًا أن اسرائيل اعتبرت أن السيطرة على الوصول إلى المياه هو "حجر الزاوية" لنهجها في التعامل مع الفلسطينيين. يُعاني فلسطينيو الضفة الغربية من وصول محدود إلى المياه خصوصًا بالنسبة للمُزارعين الذين يُعانون أصلًا من آثار كارثية نتيجة اعتمادهم على مياه الأمطار لريّ محاصيلهم في حقول تضيق مساحتها يومًا بعد يوم، وتنخفض فيها قيمة محاصيلهم مقارنة مع "جيرانهم" الاسرائيليين الذين يتمتّعون بحقول خصبة غنية بالمياه. وفي قطاع غزة، الوضع أصعب بكثير إذ أن أكثر من 90 في المئة من المياه غير صالحة للاستهلاك البشري، ناهيك عن تسرّب مياه البحر إلى طبقة المياه الجوفية الوحيدة في القطاع.

يعتبر مدير مركز إدارة المياه العابرة للحدود في معهد "أرافا" للدراسات البيئية في إسرائيل كلايف ليبشين في حديث للصحيفة أن قضية المياه "تُعتبر واحدة من القضايا الأساسية في النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي، وإن لم تكن بأهمية موضوع تقسيم القدس أو مسألة اللاجئين، لكنها دائمًا واحدة من القضايا الأساسية".

كوشنر يتجاهل تاريخ المنطقة

ولذلك، فإنه من المستغرب أن لا تتضمّن خطة ترامب، التي هندسها صهره جاريد كوشنر، أي نقاش حقيقي حول كيفية تقاسم الموارد المائية بين إسرائيل والفلسطينيين. ومع ذلك، عند الأخذ بالاعتبار أن كوشنر رفض عمدا مناقشة أي سياق تاريخي في المنطقة أثناء العمل على الخطة، نجد أن مسألة تجاهل الوصول إلى المياه ليست مفاجئة. كانت قضية المياه هي الركن الثالث من الركائز الرئيسية السبعة في اتفاق السلام لعام 1994 بين إسرائيل والأردن، وجزءًا أساسيًا من اتفاقيات أوسلو في العام 1995، التي اقترب فيها الجانبان بشكل كبيرمن وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق كاد أن يشهد في نهاية المطاف إقامة دولة فلسطين. لكن على عكس ما هو متوقّع، خصّص كوشنر للمياه فقرة واحدة في مخططه، بعد خطط بناء منتجع سياحي على البحر الميت، متجاهلًا بذلك عقودًا من المعارك المريرة حول حصص المياه، وسنوات عديدة من استخدام إسرائيل للمياه كأداة لتعزيز توسيع المستوطنات في الضفة الغربية في مقابل خنق المزارعين الفلسطينيين، نسفت خطة ترامب هذا الحقّ وحدّدته بالعبارة التالية: "سوف يعمل الطرفان معًا، بنيّة حسنة، لإدارة التفاصيل التي تتعلّق بالمياه ووسائل معالجة المياه الآسنة".

المياه... "البند الأخطر"

تبقى آثار الصفقات المتعلّقة بحقوق المياه التي نصّت عليها اتفاقيات أوسلو سارية المفعول حتى يومنا هذا. لكن المياه لا تزال قضية ساخنة بين الإسرائيليين والفلسطينيين لسببين رئيسيين:

السبب الأول: إن حقّ الفلسطينيين بالمياه التي أقرّتها اتفاقية أوسلو بقيت "حبرًا على ورق"، ولم يتمّ الوفاء بها في النهاية في الاتفاق النهائي المأمول لحلّ الصراع. وهذا ما منح اسرائيل السيطرة النهائية على حقّ الفلسطينيين في الوصول إلى المياه، سواء مياه غور الأردن أو من طبقة المياه الجوفية الجبلية الوفيرة. على سبيل المثال، يحتاج إنشاء الفلسطينيين لآبار جوفية جديدة أو أنظمة الري، أو منشآت لمعالجة المياه الآسنة، كلّها تتطلّب توقيعًا من الجانب الاسرائيلي الذي لا يمنح الفلسطينين هذا الحقّ، وبالتالي، تبقى البنية التحتية الفلسطينية المخصّصة للمياه "متخلّفة" مقارنة مع مثيلاتها في المستوطنات. ووفقًا لبعض التقديرات، يستخدم الاسرائيليون أكثر من 80 في المئة من المياه في الضفة الغربية.

السبب الثاني: ارتفعت حدة أزمة المياه في السنوات الـ25 الماضية منذ توقيع اتفاق اوسلو. ويلفت ليبشين إلى نمو الكثافة السكانية في فلسطين ومتطلّباتها من المياه، في حين أن المخصّصات الاسرائيلية من المياه المتّفق عليها في التسعينيات لم تتغيّر. ولهذا، فإن اقتراح إدارة ترامب، الذي يتحدث كثيرًا عن تعزيز الاقتصاد الفلسطيني من خلال الاستثمار الدولي وإنشاء مناطق تصنيع عالية التقنية، يزعج الكثير من الخبراء، إذ أنها لا تأخذ بالاعتبار المتطلّبات الأساسية التي يحتاجها الفلسطينيون في قطاع غزة للحصول على مياه للشرب أو للاستعمال، أو ما يحتاجه مزارعو الضفة الغربية لريّ محاصيلهم التي تُشكّل مصدر رزقهم. وإذا ما تمّ تنفيذ جزءًا ما من خطة ترامب، بما في ذلك ضمّ غور الأردن إلى اسرائيل، فإن هذا التفاوت في توزيع المياه بين الاسرائيليين والفلسطينيين سيتفاقم.

وكانت وينثال قد كتبت سابقًا عن "خطة ابقاء السيطرة على حصص المياه في أيدي إسرائيل لتستخدمه لتعزيز أمنها وإضعاف المجتمعات الفلسطينية"، ورأت أن "هذه الخطة لا تزال تتجاهل أي شكل من أشكال الديبلوماسية الفعّالة، حيث تحتفظ بالمياه والبنية التحتية كرهينة للصراع ، بدلاً من إعطاء الأولوية للاحتياجات الإنسانية الأساسية للسكان الفلسطينيين". وأضافت أن المياه في نهاية المطاف "تُعدّ حاجة إنسانية أساسية وحقًا أساسيًا من حقوق الإنسان يجب ألا يستخدم كورقة ضغط في النزاع لحمل أحد الطرفين على الاستسلام".

تحلية البحر

والسؤال الأبرز هو: هل يمكن للتكنولوجيا أن تُنقذ الصراع القديم على الآبار والمياه وتُنهيه؟ في السنوات الأخيرة، خطت إسرائيل خطوات كبيرة في مجال تعزيز أمنها المائي بفضل الاستثمارات الكبيرة في محطات تحلية المياه، التي تُحوّل مياه البحر المتوسط ​​إلى مصدر آخر للمياه العذبة. تتحدّث خطة ترامب أيضًا عن استثمارات ضخمة وجديدة من قبل الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني في محطات تحلية المياه التي يُمكن أن تُوفّر إمدادات وفيرة من المياه، مع التركيز، على تجنّب الصراع بشأن موارد المياه الجوفية الثمينة وإزالة أحد العقبات الأساسية أمام أي اتفاق نهائي. ويُجادل ليشبين عكس ذلك، معتبرًا أن "مشاريع التحلية لن تمنع المياه من أن تكون مصدرًا للصراع". ويُضيف أنه على الرغم من أن "اسرائيل تتمتّع بأمن مائي نتيجة التقنيات الحديثة بما في ذلك منشآت تحلية المياه، إلا أنها لن تتخلّى أبدًا عن حقوقها في الموارد الطبيعية- التي ستكون دائمًا المصدر المُفضّل لديها للمياه وستستمر دائمًا بالاهتمام بها وإدارتها كمخزن مؤقت في حال نشوب أي أزمة".

المياه من أساسيات السيادة

ويقول ليشبين إنه من الصعب أن تتماشى رؤية خطة ترامب لدولة فلسطينية مزدهرة ومسالمة- حتى وإن كانت دولة تحت الوصاية الأمنية الإسرائيلية مع تواصل محدود مع العالم الخارجي- مع الدولة المستقبلية التي ستظلّ تعتمد كليًا على جارتها للحصول على المياه التي هي من حقّها". ويضيف: "المياه، كما السيطرة على الحدود والمجال الجوي التي تفتقر إليهما خطة ترامب أيضًا، من أساسيات السيادة.ويختم ليبشين: "إذا كان الهدف هو إقامة دولة مُستقرّة ومُستقلّة، فمن الضروري أن يكون لها السيطرة على مواردها الطبيعية".

عن مجلة " فورين بوليسي " الأميركية

ترجمة: نغم أسعد - اللواء



أخبار ذات صلة

غلاف الديوان
ديوان «قصائد عاشقة» لـ د. محمد حبلص: اتحاد الجسد والروح [...]
من أعماله
أعمال الفنان الإسباني «خوان ميرو» جماليات الفوضى المنظّمة
ملصق البرنامج
دول المغرب العربي تتحضّر لإطلاق برنامج هواة من تونس