بيروت - لبنان 2019/05/24 م الموافق 1440/09/19 هـ

المرحلة القادمة في أفغانستان

حجم الخط

 

نيودلهي ـ يمكن تقسيم التاريخ الجيوسياسي الحديث لأفغانستان إلى خمس مراحل. لكن البلد الآن يتجه نحو مرحلة انتقالية أخرى، ولا تزال السمات المميزة للمرحلة الجديدة غير واضحة.

خلال المرحلة الأولى، من عام 1974 إلى عام 1979، عملت باكستان على توفير الملاذ والتدريب للإسلاميين الذين يمكن تحريضهم ضد حكومة محمد داود خان. ومن عام 1979 إلى عام 1989، قامت باكستان والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بتمويل وتدريب وتجهيز المجاهدين الذين قاتلوا ضد القوات السوفيتية. في الفترة ما بين 1989 و 1996، كانت أفغانستان تمر بمرحلة انتقالية عندما تولى أمراء الحرب الإقليميون السلطة، وحاولوا دخول كابول، وأطاحوا بالرئيس محمد نجيب الله. من عام 1996 حتى عام 2001، شهدت حكومة طالبان بداية فترة من الوحشية والعزلة الدبلوماسية - باستثناء دعم باكستان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

بدأت المرحلة الخامسة في عام 2001، بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول. منذ ذلك الحين، دخلت الولايات المتحدة في حرب مع دعم حكومة أفغانية صغيرة ضد حركة طالبان المدعومة من باكستان. تطرح المرحلة السادسة سؤالين: هل خسرت الولايات المتحدة الحرب في أفغانستان، وإذا كان الأمر كذلك، فما سبب هذه الخسارة؟

الجواب على السؤال الأول هو نعم ولا. فقد فشلت الولايات المتحدة في القضاء على طالبان في أفغانستان واستبعدت تماما احتمال أن تصبح البلاد مرة أخرى ملاذا للإرهابيين. إن محادثات السلام الجارية مع طالبان والتراجع الوشيك للوجود العسكري الأمريكي في البلاد هما اعتراف واضح بذلك. إن الشعب الأمريكي منهك من الحرب والرئيس دونالد ترامب حريص على إعلان نهاية أطول نزاع دولي في تاريخ الولايات المتحدة قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2020.

في هذه الأثناء، حققت الولايات المتحدة العديد من أهدافها الأساسية الأولية. لقد تم إخراج طالبان من كابول، ورغم محادثات السلام الجارية، تظل عودتها موضع شك. قُتل أسامة بن لادن في باكستان المجاورة، وتُوفي زعيم طالبان الملا عمر في مخبئه، وتم اغتيال خلفه الملا أختر منصور من قبل غارة أمريكية بدون طيار في باكستان في عام 2016. وتوجد هناك دولة شبه فاعلة - بما في ذلك حكومة وطنية وعسكرية. ولا تزال باكستان تحت الضغط لإصلاح أفعالها.

وبشكل عام، بالنسبة للولايات المتحدة، لم تسر الأمور وفقًا للخطة، وذلك لأربعة أسباب رئيسية. أولا، لقد ارتكبت أخطاء سياسية فادحة، ناتجة إلى حد كبير عن الجهل والغطرسة، على الرغم من أنها غالبا ما تظهر بعد فوات الأوان. بعد عام 2001، فرضت الولايات المتحدة على أفغانستان حكومة على الطراز الرئاسي مع ضوابط وتوازنات غير كافية. بعد عام 2003، أصبح صناع السياسة مشتتين بسبب الصراع الأكثر حدة في العراق، حيث قاموا بسحب الموارد من أفغانستان. علاوة على ذلك، لم يهتموا بما يكفي في السنوات الأولى ببناء قوات الأمن الوطنية الأفغانية (ANSF). بالإضافة إلى ذلك، كانت جهود التحول الديمقراطي في الغالب من الأعلى إلى الأسفل بدلاً من العكس، وكان من المقرر إجراء الانتخابات في كثير من الأحيان قبل إنشاء المؤسسات السياسية المناسبة. SHAPE  \* MERGEFORMAT

كانت الأخطاء الأخرى ذات طبيعة عسكرية. بعد عام 2008، كان مخططو الحرب الأمريكيون واثقين من نجاح نهج مكافحة التمرد. لكن "الحركة" التي قللت من العنف في العراق قد باءت بالفشل في أفغانستان لعدة أسباب.

بداية، لم تكن الولايات المتحدة قادرة على اختيار الخصوم الرئيسيين، كما فعلت مع الميليشيات السنية في العراق في أعقاب "صحوة الأنبار". وعلاوة على ذلك، لم يكن لديها حل للملاذات عبر الحدود في باكستان، والتي يمكن لقوات طالبان أن تشن من خلالها هجمات مستمرة. بالإضافة إلى ذلك، أساءت الحكومة الأمريكية تقدير تحديات الحكم في أفغانستان، التي كانت لها جذور أعمق مما كانت عليه في العراق وجعلت التنمية وبناء الدولة أكثر صعوبة. علاوة على ذلك، عندما أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن زيادة عدد القوات في أفغانستان، قام بتقويض الجهود من خلال تحديد إطار زمني للانسحاب. كان ذلك خطأً لم يكن حتى لترامب أن يرتكبه.

كما فشلت الولايات المتحدة في التعلم من أخطاء الماضي. أدت المراجعات الأمريكية الشاملة للسياسة الأفغانية التي أسفرت عن توصيات غير مستساغة أو غير فعالة إلى مراجعات شاملة أدت بدورها إلى نتائج غير مستساغة أو غير فعالة على حد سواء. على وجه الخصوص، اعتقدت الإدارات الأمريكية والقادة العسكريون والدبلوماسيون المتعاقبون أن شراء التعاون التكتيكي الباكستاني من خلال التهديد والمساعدات والدعم العسكري يمكن أن يكون مستدامًا. إن عدم الرغبة في معالجة دعم باكستان للإرهاب بشكل مباشر كان مدفوعا بمخاوف الولايات المتحدة - الحقيقية أو المُضخمة - بشأن برنامج الأسلحة النووية لهذا البلد. ونتيجة لذلك، أقنع العديد من صناع السياسة الأمريكيين على مدى سنوات أنفسهم بأن مفتاح السلام في أفغانستان يكمن في الضغط على الهند لحل نزاع جامو وكشمير، وبالتالي تبديد المخاوف الناتجة عن انعدام الأمن في باكستان.

أخيراً، وقعت الولايات المتحدة ضحية لدعايتها الخاصة. يجب النظر في مفهوم أفغانستان باعتبارها "مقبرة الإمبراطوريات"، التي عكست جهد بريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر لتفسير إخفاقاتها في الحرب الأفغانية الأولى وظهور أفغانستان كمنطقة عازلة بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية. وقد تم نشرها فيما بعد من قبل الولايات المتحدة وباكستان وغيرها في الثمانينيات، وعززت دعم المجاهدين الأفغان المعادين للسوفييت. لكن الحقيقة هي أن أفغانستان (أو أجزاء منها) كانت في مراحل مختلفة جزءاً من إمبراطوريات كوشان، وهيلنستية، وفارسية، ومغولية، وسيخ، وكانت في قلب إمبراطوريتي غزنفر ودوراني.

ونظراً لموقعها في مفترق طرق آسيا، ستبقى أفغانستان مهمة بالنسبة لإيران وروسيا والصين وباكستان والهند. وطالما أن الجماعات الإرهابية يمكن أن تتدرب وتعمل دوليًا من أفغانستان وباكستان، فإن الولايات المتحدة وأوروبا سيكون لهما أيضًا اهتمام مستمر بمستقبل البلاد. عند تقييم ذلك المستقبل، سيكون من المهم التفكير في الماضي القريب، من أجل كسر دورة الدروس غير المُستفادة التي جلبت أفغانستان ومحاوريها إلى هذه النقطة.

المصدر: PS، موقع "اللواء".

hhg



أخبار ذات صلة

24-5-2019
جريدة اللواء 24-5-2019
من اعتصام طلاب وطالبات المدارس التي تعنى بشؤون المعوقين في النبطية
التدخُّل يُنهي نقاشات الموازنة في جُمعة الحسم اليوم؟