بيروت - لبنان 2019/09/17 م الموافق 1441/01/17 هـ

المعركة من أجل بريطانيا

حجم الخط

بروكسل - تم اعتبار حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمثابة محاولة لاستعادة السيطرة من خلال استرجاع "سيادة" البرلمان البريطاني. لذلك من المفارقات أن أحد الخطوات الأولى التي اتخذها مؤيدو بريكست بعد توليهم السلطة هي إغلاق البرلمان ومنع النقاش حول انسحاب المملكة المتحدة القادم من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر / تشرين الأول.

يتجاهل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إرادة البرلمان، حيث تُعارض غالبية أعضاء البرلمان الأوروبي سيناريو "عدم الاتفاق"، كما يقوم الآن بتكتيكات للفوز بأصوات حزب بريكسيت المتشكك في أوروبا، حتى يتمكن من إنجاح عملية بريكست بأي ثمن. تحقيقا لهذه الغاية، فقد فرض حربا سياسية شاملة تهدد بتقويض الديمقراطية البرلمانية البريطانية على المدى الطويل.

تعود الأزمة السياسية العميقة في بريطانيا جزئياً إلى إخفاق البرلمان في التصديق على اتفاقية انسحاب الاتحاد الأوروبي التي تفاوضت عليها تيريزا ماي والاتحاد الأوروبي سابقا. إن عدم وجود دستور مقنن في الولايات المتحدة إلى جانب مستوى من الاستقطاب السياسي الذي ينافس الآن مستوى الولايات المتحدة، يجعل من الصعب التنبؤ بالنتائج المحتملة للوضع الحالي. لا يمكن لأي شخص معرفة كيف سينتهي هذا الأمر. تواجه بريطانيا حالة دائمة من عدم اليقين، وهذا بحد ذاته يزعزع استقرار أي بلد.

مع تصاعد الاضطراب السياسي واقتراب موعد المفاوضات، من السهل أن نغفل المراحل النهائية لهذا المسار. منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو / حزيران 2016، في حكم كل من ماي وجونسون، كان هناك غياب ملحوظ لنقاش جدي في المملكة المتحدة حول نتائج هذا القرار. لقد أظهر قادة البلاد ترددًا غير مُبرر في التعامل مع القرارات الجيوسياسية بعيدة المدى التي سيتطلبها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

من المؤكد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيجبرها على اتخاذ قرارات أكثر صعوبة مما يبدو لأي شخص. هل يرغب الشعب البريطاني في التخلي عن المعايير الأوروبية الخاصة بالأغذية والأدوية ورفاهية الحيوانات وعدد لا يحصى من القضايا التنظيمية لصالح نموذج تنظيمي أمريكي؟ لا أحد يعلم، ولم يكن هناك أي نقاش حقيقي حول تكاليف وفوائد القيام بذلك.

وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه ب "رجل التعريفات الجمركية"، وقام بفرض رسوم الاستيراد على بضائع حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء. هل البريطانيون، الذين طالما دافعوا عن التجارة الحرة، مستعدون لتأييد الحمائية الرائدة في العالم؟ من خلال التقرب من ترامب والسعي لإبرام صفقة تجارة سريعة مع الولايات المتحدة، تفترض حكومة جونسون ببساطة أن الشعب البريطاني يدعم التخلي عن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. تحتل بريطانيا مكانة بارزة داخل الاتحاد الأوروبي، ولديها الحق في إبداء رأيها حول القواعد الموضوعة. من خلال التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، سوف يتعين على البلاد دعم قرارات ترامب كيفما كانت.

يشير الاستطلاع الأخير إلى أن هذا ليس ما يريده الشعب البريطاني. عندما تم وضع سؤال عن من يفضلون أن يكون شريكًا تجاريًا مقربًا، اختار 50٪ منهم الاتحاد الأوروبي، و21٪ منهم فقط اختاروا الولايات المتحدة. بالنسبة للشباب البريطاني، كانت النتائج أكثر وضوحًا، حيث اختار 58٪ الاتحاد الأوروبي و 14٪ فقط للولايات المتحدة.

يدعي ترامب أنه يحب المملكة المتحدة و "بريطانيا ترامب" (لقبه غير النحوي لجونسون)، لكن هذا يمكن أن يتغير بسهولة. بعد كل شيء، يتغير رأيه حول القادة الأجانب والحلفاء بسرعة. بموجب عدم الاتفاق على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستجد بريطانيا نفسها فجأة معتمدة على لطف الرئيس الأمريكي الغريب، مع مواجهة تحديات هائلة لاتحاد اسكتلندا وأيرلندا الشمالية وويلز وإنجلترا.

لكن سيناريو عدم الاتفاق ليس حتميا. ينص الاتفاق الذي تم التفاوض بشأنه في أيار/مايو على وجود علاقة وثيقة في المستقبل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. هذا الاتفاق، الذي صوت جونسون نفسه لصالحه، لم تتم المصادقة عليه بعد.

في حين لا يزال هناك مجال لتحسين هذا الاتفاق لجعله أكثر إلزاما، إلا أنه يُوفر بالفعل أساسًا قويا لإبرام اتفاقية شراكة وثيقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في المستقبل. على وجه التحديد، ينص اتفاق الانسحاب على إنشاء لجنة مشتركة تضم ممثلين عن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لتكون أداة للتعاون في المستقبل. في ظل الأكاذيب والتضليل الذي اتسم به النقاش حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بالكاد تمت مناقشة الفرص التي ينطوي عليها هذا البند من اتفاقية الخروج.

مع الأسف، هذا ليس أمرا مفاجئًا. كان مشروع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي غير متماسك منذ البداية. لم تفقد المملكة المتحدة "السيطرة"، وفي عالم يهيمن عليه التنافس بين القوتين العظميين الصينية والأمريكية، فإن الطريقة الوحيدة لدى القوى الأوروبية المتوسطة لحماية سيادتها هي تشكيل جبهة موحدة.

لقد كانت ادعاءات جونسون حول خيارات البلاد سيئة بما فيه الكفاية؛ لكنه الآن يحاول منع النقاش الديمقراطي من أجل تحقيق هدف سياسي. لم يفت الأوان بعد لتوقف السياسيين البريطانيين، وكذلك جونسون، عن المناورات وشرح التحديات التي تواجه البلاد.

أخيرًا ، لا يمكن للمملكة المتحدة الدخول في نقاش حقيقي حول مكانها في العالم إلا من خلال قيادة صادقة ومسؤولة. مهما كانت نتيجة المفاوضات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو مجرد بداية لعملية أطول بكثير. المعركة من أجل روح بريطانيا قد بدأت للتو. ولكن السؤال هل سيتم خوضها بشكل منصف لا يزال موضع شك.

المصدر: Project Syndicate



أخبار ذات صلة

في 7 أيام فقط.. الأميبا آكلة الدماغ فتكت بليلي
خطوات سهلة لاستعادة رسائل "واتساب" المحذوفة!
4 عادات أساسية لتفادي ظهور الهالات السوداء عن عمر مبكر!