بيروت - لبنان 2020/11/30 م الموافق 1442/04/14 هـ

امنحوا فرصة للوسطية

حجم الخط

لقد أصبح المثقفون التقدميون في أوروبا يحتقرون "الوسطية" السياسية. ويجادل النقاد بأن التركيز المضلَّل على الوسط، يحول دون صياغة البدائل السياسية، مما يؤدي إلى صعود الأحزاب المتطرفة من اليسار واليمين. ومن هذا المنظور، فإن النتائج الطبيعية للمركزية هي الشعبوية، والاستقطاب، وفي نهاية المطاف تنامي انعدام الثقة في المبادئ الديمقراطية.

ولا يخلو هذا التحليل من الجدارة. إذ تتطلب الديمقراطية محادثات صريحة ومثيرة للجدل حول أفضل طريقة للمضي قدمًا. إن إغلاق الباب أمام البدائل السياسية عن طريق الاعتماد الأعمى للوضع الراهن سيؤدي إلى كارثة. و كتب عالم الاجتماع البولندي المَولِد والراحل، زيغمونت بومان:"إن النقاش لا ينتهي أبدًا". " فذلك ليس ممكنا، حتى لا تفقد الديمقراطية ديمقراطيتها".

ولكن هذا لا يعني أن أحزاب يسار الوسط السياسية يجب أن تدير ظهرها للبراغماتية والاعتدال. ففي الواقع، تشير الأدلة من بعض النقاط الساخنة الانتخابية الحالية في العالم إلى أنه ينبغي عليها فعل عكس ذلك. فعلى الرغم من الاستقطاب السياسي المتزايد في العديد من البلدان، يبدو أن أعدادًا كبيرة من الناخبين مرتاحون لمواقف الوسط أكثر مما يُفترض في غالب الأحيان.

ومن ثم، تواجه الأحزاب السياسية اليسارية الحريصة على صقل صورتها الأيديولوجية معضلة. إذ في حين يطالب نشطاء الأحزاب في كثير من الأحيان بمزيد من الوضوح الأيديولوجي، يزداد تفضيل الناخبين للبراغماتية على النقاء. لذلك، فإن أكثر نهج يدعو للتفاؤل بالنسبة للقادة التقدميين هو على الأرجح الجمع بين رؤية أيديولوجية طويلة المدى وواقع التغيير التدريجي.

لنأخذ على سبيل المثال جو بايدن، المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي الأمريكي. فعلى الرغم أنه من الواضح أن أجندته تقدمية أكثر من أجندة زملائه الذين ترشحوا مؤخرًا من الحزب الديمقراطي، إلا أنها تبدو أكثر وسطية بصورة ملحوظة مقارنة مع أجندة اثنين من منافسيه الرئيسيين في ترشيح الحزب الديمقراطي، السناتور بيرني ساندرز، وإليزابيث وارين.

وتستحق منصة بايدن الاهتمام ليس فقط لما تؤيده ولكن أيضًا لما لا تدعمه. إذ فيما يتعلق بالهجرة ، يدعو نائب الرئيس السابق إلى الكرم الإنساني، لكنه لم يطالب بإلغاء تجريم المعابر الحدودية غير الشرعية. وفيما يتعلق بتغير المناخ ، بينما يناصر الإسكان المحايد للكربون ويدعو إلى أن يكون قطاع الطاقة في الولايات المتحدة خاليًا من الكربون بحلول عام 2035، فقد ابتعد عن الاعتماد الكلي للصفقة الخضراء الجديدة التي يفضلها الجناح اليساري لحزبه. كذلك، فإن بايدن يبتعد عن الدعوات لحظر التكسير الهيدروليكي، وإلغاء تمويل الشرطة، وتقديم رعاية صحية شاملة تعتمد على دافع واحد.

وتشترك في مركزية بايدن زميلته في الترشح، السناتور كامالا هاريس عن ولاية كاليفورنيا، التي واجهت انتقادات من داخل حزبها بسبب ضعف أوراق اعتمادها التقدمية المزعومة. ولكن تفوق بايدن على الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في استطلاعات الرأي يشير إلى أن الديمقراطيين ربما وجدوا صيغة رابحة.

وتتكشف قصة مماثلة في نيوزيلندا، حيث فازت رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن فوزا مقنعا في الانتخابات العامة التي جرت في البلاد في تشرين الأول. وفي الدوائر التقدمية، يُشار إلى أرديرن على نطاق واسع على أنها رمز عالمي. وهي ثاني رئيسة وزراء في العصر الحديث تنجب أثناء وجودها في المنصب، وهي معروفة بتواصلها الصريح والصادق، و في الآونة الأخيرة نافست بجدية على جائزة نوبل للسلام لهذا العام.

ولكن، على عكس الصورة العالمية لأرديرن، نتج نجاح هذه الأخيرة على الصعيد المحلي من المرونة الوسطية وليس من الطموح التحويلي. ولأن أرديرن كانت على رأس تحالف من ثلاثة أحزاب في ولايتها الأولى، لم تتمكن من تنفيذ مقترحاتها السياسية الأكثر شمولاً- لاسيما، حل أزمة الإسكان في نيوزيلندا. ولكنها استفادت من إدارتها الفعالة لوباء كوفيد-19 واستجابتها الحنونة والحازمة لمذبحة كرايستشيرش في مارس/أذار 2019 التي قُتل فيها 51 من المصلين المسلمين.

وفي حملته الانتخابية الأخيرة، ركز حزب العمل بزعامة أرديرن على مقترحات الإصلاح المعتدلة التي جذبت الناخبين من الوسط. وشمل ذلك زيادات محدودة في الحد الأدنى للأجور وضرائب أعلى قليلاً للأثرياء، وهذا جزء من برنامج الانتعاش الاقتصادي المسؤول، فضلاً عن سياسات القانون والنظام مثل زيادة عدد ضباط الشرطة الذين يخدمون مجتمعاتهم، وليس الحد منهم.

وفي الوقت نفسه، يعمل حزب العمال البريطاني حاليًا على إعادة اكتشاف نفسه على أنه قوة سياسية أكثر وسطية بعد هزيمته الكارثية في الانتخابات العامة في ديسمبر/كانون الأول 2019، والتي أجبرت زعيم اليسار المتطرف آنذاك، جيريمي كوربين، على التنحي.

واستخدم خليفة كوربين، كير ستارمر، المؤتمر السنوي (الافتراضي) لحزب العمال في أيلول للإعلان عن انفصال شامل عن إرث كوربين. وتستلزم "القيادة الجديدة" لستارمر إعادة توجيه حزب العمل نحو القيم العائلية، مع التركيز على الأمن والحيطة الاقتصادية.

وفي الخطاب الذي ألقاه في المؤتمر، قال ستارمر للناخبين الساخطين، "نحن نحب هذا البلد مثلكم". ومن ثم، فإن تصحيح مساره تتضمن فكرة عن الوطنية اليسارية- لعنة لسلفه الدولي القوي، وانفصال واضح عن لغة حزب العمال السابقة.

إن الهدف المعلن لستارمر هو استعادة ثقة ناخبي الطبقة العاملة الذين تخلوا عن الحزب بقيادة كوربين. وحتى الآن، يبدو أن الخطة تعمل. فعلى الرغم من أنه من غير المقرر إجراء الانتخابات العامة المقبلة في المملكة المتحدة حتى عام 2024، إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة وضعت حزب العمال وحزب المحافظين الحاكم في كفتين متساويتين. 

إن الزخم الحالي الذي يتمتع به التقدميون السياسيون الذين يخاطبون بوعي الوسط السياسي يحمل دروسًا مهمة لنظرائهم المناضلين في أماكن أخرى.

وبطبيعة الحال، لا يجب أن يكون التقدميون راضين عن الوضع الراهن. ويظل تقديم البدائل السياسية والمسار نحو مستقبل أفضل أمرًا بالغ الأهمية- خاصة أثناء الجائحة. ولكن نظرا للإرهاق المتزايد للناخبين بسبب سنوات من الاستقطاب، فإنه سيكون من الأفضل أن تعيد الأحزاب التقدمية الجادة فيما يتعلق باكتساب السلطة والاحتفاظ بها، أن تعيد النظر في معارضتها للوسطية.

المصدر: project syndicate

ترجمة: نعيمة أبروش



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 30-11-2020
وداعاً للاقفال: عودة إلى كورنيش المنارة في اليوم الأخير للإقفال (تصوير: محمود يوسف)
تشكيلة الحريري في الواجهة: خرق الجمود أم مسار ملتبس؟
العدل أساس الملك