بيروت - لبنان 2020/07/13 م الموافق 1441/11/22 هـ

بعد 1968.. صيف آخر عنيف في أمريكا

حجم الخط

هل يمكن أن تواجه الولايات المتحدة أزمة مُماثلة لأزمة صيف عام 1968؟ في تلك الحقبة كما اليوم، شهد العالم صُورًا تُعبر عن السخط الشعبي المُتصاعد في أمريكا، حيث تم إضرام النيران في معظم المدن الأفريقية الأمريكية الداخلية، وقامت شرطة مكافحة الشغب ورجال الحرس الوطني باستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، كما تعرض المُحتجون الشباب للاعتقال والضرب بوحشية من قبل رجال الشرطة. 

الاضطراب المدني هو ما كان يخشاه بعض الليبراليين الأمريكيين قبل ذلك. وعد المرشح الرئاسي الجمهوري ريتشارد نيكسون "الأغلبية الصامتة" و "غير الصارخين" و "غير المتظاهرين" بإعادة القانون والنظام بالقوة. تم عزل وحرمان معظم المناطق الحضرية المُدمَرة التي تُعد موطنًا للعديد من الأمريكيين الأفارقة من الأموال الفيدرالية، وقام سكان الضواحي البيض بشراء المزيد من الأسلحة النارية، وكانت قوات الشرطة مُسلحة كما لو كانت فرعًاً من الجيش.

على غرار الاحتجاجات القائمة، بدأت الأزمة في عام 1968 عقب استياء شعبي ضد قمع السود في الولايات المتحدة. بعد يوم من تصريح مارتن لوثر كينغ الابن "هذا مجتمع مريض"، قُتل رميًا بالرصاص على يد مجرم عنصري أبيض. لم تكن الاحتجاجات التي أعقبت ذلك مجرد تعبير عن الغضب جراء مقتل كينج، ولكن أيضًا بسبب الافتقار إلى الفرص الاقتصادية والتعليمية الناتج عن تاريخ عنصري طويل وعنيف في كثير من الأحيان.

على الرغم من تولي أمريكي من أصل أفريقي الرئاسة لفترتين متتاليتين، فإن الظروف اليوم ليست أفضل حالًا - وربما هي أسوأ. تم إحياء ذكرى وفاة كينج العنيفة هذا العام إثر وفاة جورج فلويد، الرجل الأسود الأعزل البالغ من العمر 46 عامًا في مينيابوليس الذي قُتل من قبل شرطي كان يركع ضاغطاً على عنقه لمدة تسع دقائق تقريبًا.

علاوة على ذلك، يُعد الأمريكيون من أصل أفريقي الأكثر تضررًا جراء انتشار وباء كوفيد 19، لأن العديد منهم يفتقرون إلى المدخرات المالية ويضطرون للعمل في المجالات الخطرة، مثل الممرضات و "العمال الأساسيين" الآخرين، غالبًا بدون رعاية صحية مناسبة. بمجرد تراجع الكساد العالمي، لن يتمكن العديد من الناس من تخفيف حدة تداعياته بأي حال من الأحوال.

ومع ذلك، هناك فوارق كبيرة بين الأزمة الحالية وأزمة صيف عام 1968، بصرف النظر عن حقيقة أن الموسيقى كانت أكثر إثارة للاهتمام في ذلك الوقت، وكانت هناك المزيد من الفرص لربط علاقات جنسية. تُعد النقطة الأخيرة منطقية إلى حد ما. إن إخضاع الناس للحجر الصحي في عزلة نسبية لعدة أشهر يزيد من الشعور بالإحباط والكبت عند العديد من الشباب، الذين يسعدهم التعبير عن استياءهم في الشوارع.

لم تكن الاحتجاجات في عام 1968 تدور حول عدم المساواة العرقية فحسب، بل أيضًا حول حرب فيتنام. كانت القضيتان مرتبطتين ارتباطًا وثيقًا. كان الرئيس ليندون جونسون، المسؤول عن تصعيد تلك الحرب المُتهورة والوحشية، ديمقراطيًا، وهو نفس الشخص الذي أقر قوانين حقوق مدنية حسنت بالفعل حياة الأمريكيين من أصل أفريقي، وبذلك أثار كراهية العديد من الناخبين الجنوبيين، الذين غيروا ولاءهم للحزب الجمهوري، وساعدوا في توجيهه نحو اليمين المتطرف.

لم يكن "الصارخون" و"المتظاهرون" الذين هاجمهم نيكسون من السود فقط، بل كانوا من الشباب البيض الذين قاوموا إجبارهم على القتال في حرب اعتبروها غير أخلاقية. تم اغتيال روبرت كينيدي المرشح الذي وعد بإنهاء الحرب وقام بزيارة الأحياء اليهودية المُحترقة لتهدئة مخاوف الأمريكيين الأفارقة بعد شهرين من مقتل كينج.

فاز نيكسون بالانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني ليس فقط لأنه نجح في تهدئة "الأغلبية الصامتة" المذعورة من خلال الوعد بإصلاح القانون والنظام، ولكن أيضًا لأن هيوبرت همفري، وهو ديمقراطي ينتمي إلى التيار السائد، رفض إدانة حرب فيتنام. أظهر جو بايدن، المرشح الديمقراطي المفترض لانتخابات الرئاسة الأمريكية هذا العام، أنه على الرغم من الأخطاء التي ارتكبها، فقد لا يصبح هيوبرت همفري آخر. إن تعاطفه مع المتظاهرين واضح للغاية. ذكر بايدن علانية العديد من حالات العنف الذي تستخدمه الشرطة الأمريكية ضد المواطنين السود غير المسلحين ووعد بإصلاح وتطبيق القانون.

في الأوقات العصيبة، يتمتع المنافس بميزة معينة. ومثلما كان جونسون مسؤولاً عن تصعيد حرب غير شعبية على نحو متزايد، سيتعين على الرئيس الحالي تحمل مسؤولية الاستجابة لمرض أمريكا اليوم. لا يمكن إلقاء اللوم على دونالد ترامب في انتشار جائحة كوفيد 19، ولكن يمكن مساءلته عن فشله في الاستجابة لمكافحة الوباء.

وبالمثل، ترامب غير مسؤول عن العنصرية المؤسسية التي أضرمت النار مُجددًا في شوارع أمريكا. لكنه قام عمداً بإشعال النيران عن طريق إهانة المهاجرين ذوي البشرة الداكنة ووصفهم كمجرمين وسمى المتعصبين البيض المسلحين بالمحترمين، وذلك من خلال نبذ المتظاهرين السود الغاضبين باعتبارهم "بلطجية ومجرمين"، وتشجيع الميليشيات وأفراد الحرس الوطني ورجال الشرطة على القيام بأسوأ ما لديهم، أو كما ذكر على حد تعبيره: "من فضلكم لا تكونوا لطيفًين جدا".

بينما أعربت بعض الجماعات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة عن رغبتها في حدوث "حرب عرقية" قادمة، فإن ترامب لا يفعل شيئًا لإخماد تعصبهم العنيف. على العكس، يبدو أنه يستمتع بذلك. تُعد عبارة "عندما تبدأ أعمال النهب، يبدأ إطلاق النار" التي كتبها ترامب على موقع تويتر مؤخرًا اقتباسًا مباشرًا من قائد شرطة ميامي (فلوريدا) الذي أمر قواته في عام 1967 بتوجيه أسلحتهم نحو المتظاهرين من "مناطق السود" في مدينته.

وهذا ما يسمى ب "تحريض القاعدة". ومن المؤكد أنه سيتم إثارة جزء كبير من قاعدة ترامب. سيكون السؤال المطروح في نوفمبر / تشرين الثاني هو ما الذي سيفعله الأشخاص الذين صوتوا لصالحه في عام 2016، لكنهم ليسوا متعصبين في دعمهم. ما الذي تفكر فيه الآن نساء الضواحي البيض وعمال الياقات الزرقاء في الغرب الأوسط والجنوبيين المُسنين (من بين الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا المُستجد)؟

من الواضح أن العديد من الأمريكيين يشعرون بالقلق الشديد من كلمات رئيسهم العنيفة والقاسية. ولكن هل سيقابل رفضهم القلق بشأن الاضطرابات الاجتماعية العنيفة؟ هل ستستمر التحيزات العنصرية القديمة، التي غالبًا ما تكون غير معلنة، أو معترف بها، في إجبارهم على الإدلاء بأصواتهم لصالح الأمن الزائف للرجال البيض المُتعصبين؟

سيعتمد الكثير على مدى حرارة هذا الصيف. إذا فكر الناس بعقلانية في انتخابات نوفمبر / تشرين الثاني، فمن الصعب التخيل أن عددًا كافيًا منهم سيصوت لإبقاء هذه الإدارة المُرعبة في السلطة لأربع سنوات أخرى. لكن الخوف هو أكبر عدو للمنطق.

المصدر: project syndicate 


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 13-7-2020
حشد بشري كبير، احتجاجاً على قطع الكهرباء، والأزمات المفتوحة، يخترق بشارة الخوري باتجاه الحمراء (تصوير: محمود يوسف)
بيروت منكوبة بالتقنين.. وفيتو أميركي على الكهرباء السورية!
ترامب يضع كمامة علناً للمرة الأولى (أ ف ب)
كورونا حول العالم: تزايد أعداد الإصابات