بيروت - لبنان 2019/08/23 م الموافق 1440/12/21 هـ

بوتن المخلص ونهاية العالم

حجم الخط

أتلانتا ــ في نهاية العام المنصرم، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن أن روسيا أكملت الاختبار النهائي لصاروخ جديد "لا يُقهَر" أسرع من الصوت وقادر على حمل رؤوس نووية واسمه "أفانجارد"، ووصف الصاروخ بأنه " أفضل هدية لبلاده في السنة الجديدة ". ويبدو أن بوتن يرفع الرهان على خطابه المتكرر على نحو متزايد حول الهلاك ونهاية العالَم. فهل ينبغي للعالَم أن يستعد لمواجهة صراع نووي؟

في العام الفائت، تحدث بوتن عن "نهاية العالم النووية" أكثر من أي قائد غربي على مدار السنوات العشر الأخيرة، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى التكهن بأنه ربما يهدد منظمة حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. لكن بوتن ألقى باللوم عن خطر الوصول إلى نتيجة كارثية على عاتق الغرب، واصفا استخدام روسيا الافتراضي للأسلحة النووية بأنه ثأري أو انتقامي.

في مارس/آذار الماضي، على سبيل المثال، استشهد بوتن خلال خطابه الرئاسي أمام الجمعية الفيدرالية بأولئك "الذين حاولوا خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة تسريع وتيرة سباق التسلح والسعي إلى الحصول على ميزة أحادية ضد روسيا"، وفرضوا قيودا وعقوبات "غير قانونية" تستهدف "تقييد" تطور روسيا، بما في ذلك تطور مؤسستها العسكرية. وأعلن بوتن أنهم جميعا ينبغي لهم أن "يكفوا عن أرجحة القارب الذي يحملنا جميعا والذي يسمى الأرض".

ثم جاء التهديد: فبعد أن عرض ستة مقاطع فيديو لأسلحة نووية جديدة، شدد بوتن على أن أي هجوم نووي ضد روسيا أو حلفائها سيؤدي إلى "انتقام فوري، مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب". وبعد بضعة أيام، أعاد التأكيد على موقفه، مشيرا ضمنا إلى أن الحرب النووية ــ "كارثة للعالم كله" ــ ستكون ردا على أي هجوم كبير ضد روسيا: "بوصفي مواطنا روسيا ورئيسا للدولة الروسية، يتعين عليّ أن أسأل نفسي: ما الذي قد يجعلنا راغبين في عالَم بدون روسيا؟"

أثناء انعقاد نادي فالداي للحوار في أكتوبر/تشرين الأول الفائت، أصبح خطاب بوتن أكثر درامية وإثارة : "ستكون روسيا الضحية، وعلى المعتدي أن يعلم أن الثأر قادم حتما". وأضاف: "رغم أن الحرب النووية ستكون كارثة عالمية، فإن الروس على الأقل سيذهبون إلى السماء كشهداء، في حين يلقى المعتدون حتفهم ويهلكون، دون أن تسنح لهم أي فرصة لتوبة أو ندم".

ويتردد صدى خطاب بوتن الرهيب بين أنصاره ومؤيديه. على سبيل المثال، أعلن ألكسندر بروكانوف، الكاتب القومي المتطرف الذي شبه بوتن بالمسيح، أنه: "في ظل احتمال الحرب النووية الذي يبدو أنه يشغل أذهان حكام العالَم، أعاد العديد من المشاركين في نادي فالداي للحوار قراءة سِفر رؤيا يوحنا، السِفر الأخير من العهد الجديد، عند عودتهم إلى ديارهم".

طُرِح سِفر رؤيا يوحنا من قبل في روسيا، وقد استشهدت شخصيات نافذة برؤيا نهاية العالَم بوتيرة متزايدة على مدار العقود الأخيرة. والواقع أن رئيس الكنيسة الأرثوذكسية، البطريرك كيريل، تنبأ بيوم حساب على غرار سفر رؤيا يوحنا. وفي عام 2017 أعلن : "لا بد أن يكون المرء أعمى إذا لم ير اقتراب اللحظات الرهيبة في التاريخ التي تحدث عنها الرسول والمبشر يوحنا البطمسي في سِفر الرؤيا". وفي زمن أقرب إلى الوقت الحاضر، كرر التأكيد على اعتقاده بأن يوم القيامة قريب .

العنصر الحاسم هناك هو أن من سيأتي بيوم القيامة هو الرب ذاته. ولهذا السبب يعتقد كثيرون أن "اللحظات الرهيبة في التاريخ" لابد أن تكون موضع ترحيب. على سبيل المثال، وفقا لرئيس الأساقفة فيسفولود شابلين، الناطق باسم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية سابقا، فإن " الرب يجيز إبادة حشود حاشدة من البشر" من أجل "إرشاد المجتمع".

كما ألمح مسؤولون حكوميون، وصحافيون ومثقفون إلى نهاية العالَم. على سبيل المثال، زعم رئيس المحكمة الدستورية فاليري زوركين أن نهاية العالَم باتت وشيكة حقا وأن "سِر الفوضى بدأ يعمل بالفعل". كما ادعى دميتري كيسيليف، "صوت الكرملين"، أن روسيا قادرة على تحويل الولايات المتحدة إلى "رماد مشع".

برغم أن شد انتباه الغرب ربما يرضي بوتن، فإن خطاب نهاية العالَم في روسيا يرتبط ارتباطا وثيقا بتصوير بوتن على أنه مسيح من نوع ما (المخلص المنتظر)، والحق أن بروكانوف ليس الشخصية العامة الوحيدة السعيدة بتعزيز هذا التصور.

في روايته الصادرة في عام 2007 بعنوان "نهاية عالَم فلاديمير"، يطلق الصحافي التلفزيوني فلاديمير سولوفيوف على بوتن وصف "القيصر والنبي"، الذي تتلخص مهمته في إعداد روسيا ليوم الحساب. ويدمر فلاديمير الرسول، الذي يروي الأحداث من منظوره في الرواية، الآلاف من "أهل المعاصي"، بما في ذلك كل سكان مدينة كراسنويارسك، بإحراقهم أحياء. ومن اللافت للنظر أن فلاديمير الرسول ينبئنا بأن "أهل المعاصي" الذين لم يتح لهم الوقت للتوبة "هلكوا فحسب". ويرى سولوفيوف أن "الاستعداد ليوم الحساب الأخير المشرق الذي طال انتظاره" يستلزم أن تقيم روسيا "نظاما ملكيا وراثيا معاديا للديمقراطية"، حيث بوتن هو القيصر.

تتماشى هذه الرؤية مع المؤمنين الأرثوذكس الآخرين من عامة الشعب. ويعتقد أتباع إحدى الطوائف أن بوتن تجسيد جديد للمبشر المسيحي المبكر بولس الرسول. و تؤمن مؤسِّسة هذه الطائفة، التي تدعو نفسها الأم فوتينا، بأن "الرب أرسل بوتن لروسيا للتحضير لمجيء يسوع المسيح"، لأن "روحه روح قيصر".

ويذهب ألكسندر دوجين، زعيم حركة أوراسيا الذي يُقال إنه كبير المنظرين الأيديولوجيين في الكرملين، إلى وصف بوتن بأنه "الكاظم"، الزعيم الأرثوذكسي الذي يحول دون قيام "مملكة المسيح الدجال"، التي يصفها بأنها مزيج من مجتمع "العولمة الغربية، وما بعد الليبرالية، وما بعد الصناعة". ومع ذلك، فبدلا من الرغبة في تجنب نهاية العالَم، يريد دوجين من الحركة الأوراسية أن تساعد في جلبها . وعلى حد تعبير أحد المشاركين في برنامج إذاعي حواري روسي مؤخرا فإن "العالَم المعاصر، مثله كمثل عالَم العصور الوسطى، يتوق إلى نهاية العالَم، لأن العالَم بدون نهاية العالَم مضجر إلى حد لا يُطاق".

في الأشهر الأخيرة، انحدر مستوى تأييد بوتن على الصعيد الشعبي بشكل حاد، مع انخفاض معدل قبوله من أكثر من 76% إلى 66% في النصف الثاني من العام المنصرم. وفي الوقت ذاته، اكتسب نوع من فِكر القرون الوسطى الجديد، الذي يركز على استعادة الملكية الاستبدادية وسيطرة الكنيسة الأرثوذكسية، قدرا كبيرا من الانتشار والبروز في روسيا. وربما يعكس خطاب النار والكبريت الذي يعشقه بوتن في حقيقة الأمر عقلية هؤلاء الأصوليين، الذين يرون في الأسلحة النووية "حلا عمليا" لمشاكل العالَم.

المصدر: PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

وزير الخارجية التركي: بحثت مع باسيل في كيفية تنمية ودعم [...]
وزير الخارجية التركي بعد لقائه باسيل: استقرار ونمو لبنان مهم [...]
باسيل: نشدد على الحفاظ على التعددية في هذا المشرق وهذا [...]