بيروت - لبنان 2019/01/18 م الموافق 1440/05/12 هـ

بوتن ومشكلة الصحافة شبه الحرة

حجم الخط

موسكو — في مؤتمره الصحافي السنوي الذي أذيع على نطاق واسع الشهر المنصرم، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن واثقا، ومتنازلا، لكنه لم يتحمس إلا عندما انتقد أوكرانيا بسبب مناوشات في البحر الأسود أو عندما ندد بشكاوى الغرب "المتحاملة" حول سلوك روسيا. وفي تأكيده على أن انسحاب أميركا من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى التي أبرمت عام 1987 يفرض على روسيا أن تطور أسلحة جديدة، قال ساخرا: "ولا ينبغي لهم أن يولولوا وينتحبوا في وقت لاحق مدعين أننا نحاول كسب مزايا معينة".

كانت شخصية بوتن أقرب إلى مزيج يتألف من السفير السوفييتي في الفيلم الهزلي "دكتور سترينجلوف" الذي وعد بإغلاق "فجوة يوم القيامة" مع الغرب، و"الجد صقيع" الذي يحل مشاكل الناس على نحو خارق بمعجزاته. وهي أدوار منقوصة بالنسبة لبوتن، الذي أمضى السنوات الثماني عشرة الأخيرة يؤدي كل الشخصيات من الأب الحنون لكل الأمة إلى جيمس بوند مقاتل الجودو. الأمر الأكثر أهمية هو أن هذه الأدوار أصبحت أقل قابلية للتصديق من أي وقت مضى.

بنى بوتن سلطته على الاتصال المباشر مع المجتمع الروسي. في وقت مبكر من رئاسته، كان يجتاز كل المناطق الزمنية الإحدى عشرة في روسيا، واعدا ــ ومحققا وعده غالبا ــ بزيادة نمو الدخل الحقيقي، وتحسين البنية الأساسية، والتجديد الوطني. الواقع أن المؤتمر الصحافي الأخير ــ الرابع عشر من نوعه ــ بدا أشبه كثيرا بواحد آخر من استعراضات بوتن العامة المتكررة غالبا: " الخط المباشر "، بث مباشر حيث يجيب على أسئلة "مكتوبة سلفا" يطرحها الروس.

وفي ما يحتمل أنه كان نصا مكتوبا أيضا، ضم المؤتمر الصحافي "صحافيين" يتقدمون لطرح أسئلة ــ ثم يتبين أنهم مواطنون روس عاديون خدعهم مسؤولون فاسدون. وقد تلقت إحدى هذه الشخصيات المظلومة في الاستجابة لشكواها تعهدا شخصيا من بوتن "بالنظر في المشكلة".

ولكن في وسط تراجع مستويات المعيشة وزيادة العداء العالمي، لم تعد وعود بوتن المذاعة على شاشات التلفزيون تخدع أحدا ــ وليس فقط بسبب تراجع مستويات الثقة في البث الإخباري التلفزيوني (من 79% إلى 49% خلال العقد الماضي). فالروس لديهم أيضا شكوكهم حول زعامة بوتن ذاتها، كما انعكس في الانحدار الحاد في معدلات تأييده، من أكثر من 76% إلى 66% في الأشهر الستة الأخيرة. ويقول 56% من الروس فقط إنهم سيصوتون له إذا أجريت انتخابات غدا.

بطبيعة الحال، هذه ليست بالأخبار الجديدة على الكرملين، الذي حاول تغيير تكتيكاته لإقناع الناخبين. فبدلا من الاعتماد على تعهدات بوتن الشخصية واستعراضاته المذاعة، ركزت السلطات بشكل متزايد على مؤشرات تكنوقراطية لتنمية روسيا، في حين لعبت على وتر التهديد الذي يفرضه الغرب.

تحذر وسائل الإعلام التي يسيطر عليها الكرملين من أن الولايات المتحدة تنسحب من اتفاقيات نووية مضى عليها عقود من الزمن حتى تتمكن من ضرب روسيا بالقنابل النووية. وإذا أضفنا إلى هذا بعض القصص عن أهوال الحرب العالمية الثانية، فسوف تبدو الشكاوى حول مستويات المعيشة، كما يأمل الكرملين، تافهة وهينة بالمقارنة.

لكن بوتن قد لا يأخذ التحدي الذي يواجهه على محمل الجد بالقدر الكافي. فخلال فترة رئاسته الثالثة ــ هو الآن في فترته الرابعة ــ كان تركيزه على الدفاع عن حاشيته ضد اتهامات الفساد أو اللامبالاة أكبر من تركيزه على إسعاد المواطنين الروس العاديين. وعلى النمط السوفييتي الحقيقي، يظل تخوف بوتن من حدوث انقلاب في القصر أكبر من خوفه من اندلاع انتفاضة شعبية. وقد عزز انتصاره الساحق في الانتخابات الرئاسية العام الفائت هذا الميل، حيث توافق مع الافتراض الكلاسيكي للحاكم المستبد الذي طال أمد حكمه: فسوف يحبه الجمهور مهما حدث.

لكن المشكلة مع نظام شبه استبدادي كنظام بوتن، هو أن سلوكيات الناس لا تخضع بشكل كامل لسيطرة القائد. وفي روسيا اليوم، يمتد هذا إلى وسائط الإعلام، التي تقدم التقارير عن التحديات الاجتماعية، والغضب الذي تستثيره بوتيرة أكثر كثافة ــ وأكثر جرأة ــ مما قد يتوقع المراقبون من الخارج.

لم تطلب الدولة الروسية قَط أي قصص إيجابية ملفقة حول تغطية القضايا الاجتماعية. وعلى هذا فعندما يتعلق الأمر بمثل هذه القضايا، يأتي مستوى حرية التعبير مشابها للجلاسنوست (الانفتاح) في ثمانينيات القرن العشرين. وحتى عندما تتلمس المنافذ الإعلامية الخط الرسمي حول مواضيع تتعلق بأوكرانيا والغرب ــ ناهيك عن الاحتجاجات الشعبية التي يقودها زعيم المعارضة أليكسي نافالني ــ فإنها تبرز رغم ذلك إحباط الناس إزاء الرواتب، ومعاشات التقاعد، وقواعد الإسكان، والضرائب، بين قضايا أخرى.

على سبيل المثال، شقت عناوين رئيسية حول فقدان الروس الثقة في حكومتهم، على سبيل المثال، طريقها إلى صحف روسية مثل صحيفة MK، وصحيفة Kommersant، وشاشات شبكات تلفزيونية مثل NTV. وهذه ليست مؤامرة ضد بوتن؛ بل هي وسائل إعلام روسية تؤدي وظيفتها، إلى الحد الذي قد تتمكن صحافة شبه حرة من بلوغه.

لا شك أن صناعة الأخبار في روسيا هي عمل تجاري على أية حال ــ وتحتاج هذه الصناعة إلى عملاء لكي تتمكن من البقاء. وعلى هذا فمع تحول وسائل الأعلام بعيدا عن الدعاية المعادية للغرب والقصص التي تمجد الماضي ــ والتي تدرك، على النقيض من الكرملين، أنها لم تعد ما يريده القراء ــ فإنها لا تكتفي بتقديم التقارير عن القضايا الاجتماعية؛ بل إنها تقدم أيضا عناوين مثيرة تجتذب الجماهير من اختراعها. ولعل الحس الوطني نَفَدَ، لكن التهويل لا يزال متوفرا.

بهذا المعنى، تتذكر الصحافة الروسية القوة التحويلية الكامنة في الجلاسنوست. في ثمانينيات القرن العشرين، اتخذت تغطية المظالم الاجتماعية والتاريخية وتيرة مفرطة، مما أدى إلى حدوث شقاق بين المتشددين الذين زعموا أنهم يحمون الدولة (وهو ما يذكرنا بالكرملين الحالي) وأولئك الذين أرادوا التعجيل بالبريسترويكا (إعادة الهيكلة). وكان انقلاب المتشددين الفاشل في عام 1991 سببا في التعجيل بانهيار الاتحاد السوفييتي.

لقد فشل الاتحاد السوفييتي جزئيا بسبب الانفصال بين احتياجات المواطنين العاديين الأساسية وأجندة القوة العظمى التي تبنتها الدولة، التي جعلت أهل البلاد أكثر فقرا. ومن خلال ادعاء الدفاع عن الوطن الأم، وفي ذات الوقت تجاهل شعب هذا الوطن، يجازف بوتن الآن بارتكاب خطأ مماثل.

في تقرير نشرته مؤخرا، قالت صحيفة فيدوموستي ــ وهي ليست منفذا إعلاميا ليبراليا على الإطلاق ــ إن الروس اليوم لا يريدون "البقاء، بل التعبير عن الذات". إنهم يريدون "الحماية بموجب القانون، والاحترام، والسياسة الخارجية السلمية". ويبدو أن بوتن لم يطلع على هذا التقرير لأنه يعطي التعليمات للصحافة؛ لكنه لا يقرأ الصحف.

المصدر: PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

القائد الذي يحتاج إليه البنك الدولي
لماذا الهجرة تختلف عن التجارة؟
ترامب وهجرة الأدمغة