بيروت - لبنان 2018/08/21 م الموافق 1439/12/08 هـ

بوتين قلب الطاولة في وجه ترامب والولايات المتحدة

حجم الخط

نيويورك – لقد اثبت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال القمة التي جرت مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب في هلسنكي في وقت سابق من هذا الشهر انه ما يزال سيد المهارات التجسسية والتي اتقنها في الثمانينات عندما كان ضابط استخبارات سوفياتي في المانيا الشرقية فترامب استسلم تحت نظرات بوتين الجامدة والتي تدرب عليها آبان عمله في جهاز الاستخبارات السوفياتي الكي جي بي.

بعد القمة، اعلن ترامب انه يثق في تطمينات بوتين بإن روسيا ليس لديها سبب يدعوها للتدخل في الانتخابات الرئاسية الامريكية لسنة 2016 . إن البيان والذي يناقض وكالات الاستخبارات الامريكية تعرض لادانة سريعة من العديدين ضمن المؤسسة الامنية الامريكية والحزب الديمقراطي الامريكي وحتى بعض الجمهوريين . بول ريان ، المتحدث الجمهوري بإسم مجلس النواب الامريكي قال" ان على ترامب ان يقدر بإن روسيا ليست حليفتنا "وحتى ان البعض ذهب لدرجة ان يصف تصرف ترامب "بالخيانه".

وكالعاده تراجع ترامب سريعا وادعى انه اساء التعبير بالنسبة " للنفي المضاعف" وقال ان الجمله التي كان يريد استخدامها هي " لم يكن هناك سبب الا تكون روسيا هي التي تدخلت في الانتخابات" ولكن في حركه يتميز بها ترامب قام بالتحوط من ذلك التصحيح عندما قال "يمكن ان يكون هناك اشخاص اخرين كذلك فهناك الكثير من الاشخاص هناك" والان يقول ترامب انه لو تدخلت روسيا مجددا فإن ذلك سيكون لدعم الديمقراطيين .

إن كل هذه التقلبات قد عززت من الاعتقاد بإن بوتين لديه شيء ضد ترامب وهو تصور يبدو ان الرئيس الروسي يرحب به ففي هلسنكي أكد بوتين انه اراد ان يفوز ترامب بالانتخابات –وهي بلا شك حركة محسوبة كان يعلم انها تؤكد الاتهامات بإن حملة ترامب الرئاسية تواطئت مع الكرملين ونطرا للاستفادة التي حققتها روسيا بفضل الفوضى التي اثارها ترامب حتى الان فلقد قرر بوتين ان يثير المتاعب بشكل اكبر .

بالطبع خلال التاريخ الطويل والمعقد للعلاقات الامريكية الروسية ،تدخل كل بلد في الشؤون الداخلية للبلد الاخر وخلال الحرب الباردة عمل السوفيات على رعاية الحزب الشيوعي في الولايات المتحدة الامريكية.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 ، شارك الامريكان بشكل مكثف في المرحلة الانتقالية حيث ساهموا في الرأسمالية الفوضوية لحقبة بوريس يلتسين وفي واقع الامر كان ضرر تلك الاصلاحات التي تم ادخالها بتشجيع من الغرب اكبر من فوائدها علما ان تلك الاصلاحات هي التي ساعدت على وصول بوتين للسلطه سنة 2000 . لقد اراد الروس زعيم لا يستمع كثيرا للنصائح الامريكيه .

والان يتدخل بوتين في السياسة الامريكية ،ليس فقط من خلال محاولة التأثير على الانتخابات ولكن ايضا من خلال نفوذه الكبير على ترامب نفسه . ان ترامب والذي جادل بعد القمة بوقت قصير بإن جهوده لتحسين العلاقات مع روسيا تخدم المصلحة الوطنية الامريكية قام بدعوة بوتين لزيارة البيت الابيض في المستقبل القريب ولقد رد بوتين بالمثل وقام بدعوة ترامب لزيارة الكرملين .

لكن حماسة ترامب (ورغبته في تحدي منتقديه) ليست بديلا عن انفتاح حقيقي على تعاون قائم على تبادل المنفعة مثل ذلك الذي حصل سنة 1959 عندما قام دوايت ايزنهاور بتوجيه الدعوه لنيكيتا خروتشوف بزيارة الولايات المتحده الامريكيه وفي سنة 1986 عندما التقى ميخائيل جورباتشوف ورونالد ريغان في ريكيافيك ولكن على النقيض من ذلك فإن تصرفات ترامب تتسم بالخنوع مما اثار غضب القاده الامريكان الاخرين وبالنسبة للعديد من اعضاء المؤسسة الامنية الامريكية فإن التأثير الظاهر لبوتين على ترامب بشكل تهديد وجودي للديمقراطية الامريكية وهو تهديد يشبه تهديد الاتحاد السوفياتي في ذورة الحرب البارده.

لكن تزايد الهستيريا المتعلقة بروسيا يعتبر تهديد جدي حيث انه يعطل السياسة الخارجية الامريكية ولدرجة ان ذلك قد يؤدي لمنح بوتين النفوذ العالمي الذي يسعى اليه وهو النفوذ الذي من اجله كان مستعدا للمقامرة بشكل كبير فلقد قام بغزو جورجيا سنة 2008 وضم شبه جزيرة القرم سنة 2014 وتدخل في الحرب الاهلية السورية لدعم حليفه بشار الاسد . ان التدخل الوقح في الانتخابات الامريكية لاضعاف هيلاري كلنتون والتي كانت من اشد المنتقدين للكرملين يتناسب مع هذا النمط .

دعونا نعترف ان بوتين قد قلب الطاولة في وجه ترامب والولايات المتحدة الامريكية وعلى الرغم ان بعض رهاناته قد نجحت اكثر من غيرها فإن النتيجه في المجمل هي ان روسيا اليوم هي لاعب جدي حيث يستمر بوتين في رفع الرهان وذلك بسبب قناعته انه يمكن ان يفعل اي شيء بدون اي حساب .

لكن في نهاية المطاف فإن رئاسة ترامب المنحرفة والبغيضة على نحو متزايد هي التي تشكل التهديد العالمي الاكبر لاسباب ليس اقلها انها تعطي بوتين فرص اكبر للانخراط في المغامرات وتفكيك القوه الامريكية. إن من الامثلة على ذلك هي حرب ترامب التجارية والتي تستهدف حتى اقرب حلفاء امريكا والتي جعلت اعداد متزايدة من الدول تتجه الى التقارب مع روسيا.

إن المانيا والتي وصفها ترامب بدون خجل على انها "اسيره للروس" قد ردت على افعال ترامب بما في ذلك معارضته لخط انابيب الغاز الطبيعي نورد ستريم 2 الذي يربط روسيا بالمانيا . لقد ذكرت المستشاره انجيلا ميركيل بهدوء " ان بامكاننا ان نبتنى سياسات مستقله خاصه بنا ونتخذ قرارات مستقله " وبطريقه مماثله وافقت الصين وهي الهدف الرئيسي للحرب التجارية لترامب على خطة روسية للانتقام من ما تم الاعلان عنه عن نشر لانظمة الدفاع الصاروخية الامريكية في اليابان وكوريا الجنوبية.

عندما تم سؤال السياسي السوفياتي المخضرم اندريه جروميكو عن سبب الاطاحة بنيكيتا خروتشوف من السلطه اجاب ضاحكا " ان خروتشوف كان مقامرا متهورا لدرجة اننا سنكون محظوظين لو تمكنا من الاحتفاظ بموسكو " . لقد كان جروميكو كوزير للخارجية هو الذي اضطر للتعامل مع مقامرة خروتشوف المندفعة والمتمثلة في ازمة الصواريخ الكوبية سنة 1962 على الرغم من انه في نهاية المطاف نجحت تلك المقامرة وذلك حين التزمت الولايات المتحدة الامريكية بعدم غزو كوبا.

واليوم فإن ساكن البيت الابيض المتهور هو الذي يشكل المشكلة الاكبر. لقد خسر عندما كان يقامر باموال الاخرين في نشاط الكازينوهات في الماضي والان فإن ترامب يقامر على اصول اكثر قيمه بكثير وحتى يحين الوقت لمغادرته للطاولة ،ستكون الولايات المتحده الامريكية محظوظة لو احتفظت بما تبقى من رصيدها العالمي.

المصدر: PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

العالَم أفضل مما نتصور.. البشرية أنجزت الكثير
كيف تتعلم أوروبا الكف عن القلق وحُب القوة؟
التنازل عن الزعامة الاقتصادية والسياسية العالمية