بيروت - لبنان 2020/11/30 م الموافق 1442/04/14 هـ

تحالفات أميركا بعد رحيل ترامب

حجم الخط

يُعد شعور حلفاء أمريكا بالارتباك بشأن وجهة السياسة الخارجية الأمريكية مُبررًا، نظرًا لتهور رئاسة دونالد ترامب المُنفرد. على مدى السنوات الثلاث الماضية، أثار ترامب فوضى استراتيجية، وقد جلبت سياسته الخارجية، إذا كان بوسعنا أن نُسميها كذلك، معنى جديدًا لعدم الترابط. سيكون الرئيس المنتخب جو بايدن أفضل بشكل افتراضي تقريبًا. لكن هل نجح ترامب في تغيير أمريكا لدرجة أن العالم لا يستطيع توقع أن تعود إلى ما كانت عليه في السابق؟

لم يكتف ترامب بإقامة علاقة ودية مع دكتاتور كوريا الشمالية المُسلح نوويًا وظل مفتونًا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين - الرجل الذي يشن حربًا سياسية على الغرب، بل قام أيضًا بالدفاع عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والإساءة إلى حلفاء أمريكا الأوروبيين، بدلاً من تقويض مكانتهم بشكل مباشر. في مؤتمر ميونيخ الأمني السنوي في عام 2020، أقر كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير بأن ترامب قد أضر بالتحالف عبر الأطلسي إلى حد كبير. كانت رسالتهما واضحة: إذا فاز ترامب بولاية ثانية، فإن الشراكة التاريخية التي شكلت لفترة طويلة "الغرب" الجيوسياسي لن تكون هي نفسها أبدًا. لا شك أن قادة العالم الحذرين كانوا يستعدون لاستمرار حالة عدم الاستقرار وعدم اليقين في حال أُعيد انتخاب ترامب.

لا شك أن فرنسا وألمانيا لديهما كل الأسباب للاختلاف مع الولايات المتحدة، سواء فيما يتعلق بالعلاقات التجارية، أو تواصل ماكرون مع الكرملين، أو نهج كلا البلدين الأقل مواجهة نسبيًا في التعامل مع الصين. لم يتردد ماكرون، الذي وصف حلف الناتو في تشرين الثاني الماضي بأنه في حالة "موت سريري"، في كشف المسؤول الرئيسي عن انهيار التحالف وحالة الفوضى الأوسع نطاقًا بين شركاء الولايات المتحدة وحلفائها.

لكن في باريس وبرلين، كما هو الحال في جميع أنحاء أوروبا، لم يكن رد الفعل تجاه ترامب بسبب سياساته القائمة على التنمر أو التكتيكات التجارية أو الانقسام. أدرك الأوروبيون أن حكومته كانت ترسم مسارًا يرفض العلاقة الأمنية عبر الأطلسي ودورها المركزي في المشاركة الأمريكية العالمية بشكل عام. سوف يتخلص بايدن من النزعة الانفرادية غير المقيدة بلا شك. ولكن حتى مع إتباع نهج جديد، فإن الضرر الذي أحدثه ترامب لن يتم إصلاحه بسهولة، ولن يُغير التصور السائد بين القادة الأوروبيين بأن القارة ستحتاج بشكل متزايد إلى تدبير أمورها بنفسها.

كان أسلوب ترامب في التعامل مع حلفاء الولايات المتحدة في آسيا بمثابة تحذير واضح للأوروبيين بضرورة الاستعداد لمزيد من التدهور في العلاقات الأمنية. على الرغم من التهديد النووي الذي تفرضه كوريا الشمالية وقوة الصين المُتنامية، سعى ترامب إلى تحويل التحالفات الأمريكية الأساسية مع كوريا الجنوبية واليابان إلى علاقات قائمة على الدفع أولاً بأول. لحسن الحظ، يُدرك بايدن ما يعجز ترامب عن فهمه: أن اتفاقيات الدفاع الأمريكية مع هذين البلدين قد عززت استقرار شرق آسيا لمدة 70 عامًا وقدمت فوائد ضخمة للولايات المتحدة. اعتبر ترامب العلاقات مع البلدين بمثابة "صفقات سيئة"، وسيحتاج بايدن إلى إقناع الأمريكيين بالابتعاد عن دبلوماسيته القائمة على المعاملات.

علاوة على ذلك، لم يكن ترامب أول رئيس أمريكي يميل بشدة نحو الخطاب المُتعصب، وقد لا يكون إصلاح هذا الوضع أمرًا بسيطًا بالنسبة لبايدن. تُدرك كل من كوريا الجنوبية واليابان حقيقة أن مبدأ "أمريكا أولاً" لم يكن مجرد شعار. مع اتفاقيات دعم الدول المُضيفة التي تحدد تفاصيل الوجود الأمريكي في كل دولة لإعادة التفاوض هذا العام، هدد ترامب مرارًا وتكرارًا بسحب القوات الأمريكية من كلا البلدين ما لم يدفعوا المزيد مقابل ما أسماه بالحماية الأميركية. سيتعين على بايدن العمل بجد لاستعادة ثقة اليابانيين والكوريين بينما يسعى لتجديد هذه الاتفاقيات.

في الواقع، تتقاسم كوريا الجنوبية واليابان بالفعل تكاليف الدفاع المُتبادلة، وقد عملا على ضمان الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق آسيا لعقود. تدفع كوريا الجنوبية أكثر من 40٪ من تكاليف التشغيل للقوات الأمريكية المتمركزة هناك. كما غطت 92٪ من تكاليف انتقال القيادة الأمريكية إلى منشآت جديدة خارج سيول، والتي بلغت 10.7 مليار دولار، فضلاً عن شراء معدات عسكرية أميركية بمليارات الدولارات. من جانبها، تمنح اليابان ملياري دولار سنويًا لدعم 54.000 جُنديًا أميركيًا؛ وقد قامت بشراء 90٪ من أجهزتها العسكرية من الشركات الأمريكية، وقدمت 19.7 مليار دولار (77٪ من إجمالي التكاليف) لبناء ثلاث قواعد رئيسية.

منذ ما يقرب من عام، طالب المسؤولون في إدارة ترامب نظراءهم في كوريا الجنوبية بزيادة الدعم المالي الذي تقدمه بلادهم أربعة أضعاف، والذي يبلغ مليار دولار. أضف إلى ذلك التسريبات التي تُشير إلى عمليات سحب مُحتملة للقوات الأمريكية والإعلان في تموز عن خروج 12 ألف جندي أميركي من ألمانيا. من الواضح أن إدارة بايدن لن تكون بحاجة إلى ابتكار إستراتيجية جديدة للتفاوض فحسب، ولكن أيضًا إلى إعادة تأكيد الضمان الأمني الأميركي.

حتى في ظل تولي بايدن السلطة بشكل رسمي، فإن العلاقات السياسية المتوترة حاليًا بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة (التي انسحبت من المحادثات الأساسية السابقة) تعني أن المفاوضات لن تكون سهلة. في اليابان، بدأت المحادثات الرسمية الشهر الماضي، وتم منح الحكومة فرصة حتى آذار 2021 لتجديد اتفاقها. وقد أخبر مسؤولو الدفاع لدى ترامب نظراءهم اليابانيين أن يتوقعوا نفس المعاملة التي تتلقاها كوريا الجنوبية. من المؤكد أن بايدن سيغير هذا السيناريو أيضًا. لكن رئيس الوزراء الياباني الجديد يوشيهيدي سوجا لا يزال يتوقع على الأرجح مفاوضات صعبة، وإن كان ذلك من دون اعتماد مبدأ "القبول أو الرفض" الذي أثار تساؤلات حول استمرارية الضمانات الأمنية الأميركية.

إن العودة ببساطة لمعاملة الحلفاء كحلفاء ليست مهمة سهلة بالنسبة لبايدن. لم يُظهر ترامب أي قلق بشأن تداعيات قراراته السياسية في سيول وطوكيو، أو تأثيرها على المستقبل السياسي للرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن ورئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي. من أجل مصالح أمنية، حاول كلا الزعيمين تقبل "عبقرية ترامب المستقرة" على مدى السنوات الثلاث الماضية، دون أي تأثير سوى بعض الإحراج السياسي في بلديهما. لا شك أن انتخاب بايدن قد بعث على الارتياح في سيول وطوكيو.

لكن لسوء الحظ، سيظل إرث ترامب الخبيث حتى بعد رحيله. على الرغم من أن العديد من التحديات تستدعي اهتمام بايدن، بدءًا من الرعاية الصحية إلى تغير المناخ، فمن المؤكد أن السياسة الخارجية ستعالج الأولويات المحلية. بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة، سيبقى الصبر فضيلة. سوف يستغرق تصحيح أخطاء ترامب بعض الوقت. منذ عام 1990 على الأقل، أراد ترامب إعادة تشكيل اتفاقيات الدفاع الأمريكية وتغيير دورها جذريًا في العالم. قد يكون ترامب كاذباً مريضاً، لكنه أوفى بوعده في هذا الشأن.

المصدر: project syndicate




أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 30-11-2020
وداعاً للاقفال: عودة إلى كورنيش المنارة في اليوم الأخير للإقفال (تصوير: محمود يوسف)
تشكيلة الحريري في الواجهة: خرق الجمود أم مسار ملتبس؟
العدل أساس الملك