بيروت - لبنان 2018/10/19 م الموافق 1440/02/09 هـ

تحت مظلة "الحزام والطريق".. الصين تحتل العالم

حجم الخط

لقد انتقد رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد خلال زيارة قام بها مؤخرا للصين استخدام البلد المضيف لمشاريع البنية التحتية الكبرى –والقروض التي يصعب سدادها- من اجل فرض نفوذها على الدول الاصغر وبينما تحذيرات مهاتير في بيجين ضد " النسخة الجديدة من الإستعمار" تتميز بشجاعتها ، فإنها تعكس مقاومة على نطاق أوسع لتجارة الصين الانتهازية وممارساتها المتعلقة بالاستثمار والإقراض.

منذ سنة 2013 وتحت مظلة " مبادرة الحزام والطريق " الصينية ، عملت الصين على تمويل وتنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة في بلدان حول العالم من اجل المساعدة في جعل المصالح الصينية تتناغم مع مصالح تلك الدول واكتساب موطأ قدم سياسي لها في مواقع استراتيجية وتصدير فائضها الصناعي . إن الصين تبقىي عملية المناقصات لمشاريع مبادرة الحزام والطريق مغلقة وغامضة وهذا يمكنها من المبالغة في قيمتها بشكل كبير في الكثير من الاحيان مما يترك البلدان تعاني من اجل سداد ديونها.

عندما تقع البلدان في فخ الديون الصينية ،فإنها قد تجد نفسها مضطرة الى صفقات اسوأ من اجل تعويض دائنها بسبب عدم القدرة على السداد . إن من الجدير ذكره أنه في ديسمبر الماضي أجبرت سيرلانكا على نقل ملكية ميناء هامبانتوتا الاستراتيجي الذي بنته الصين الى الصين بموجب عقد تأجير لمدة 99 عاما على الطريقة الاستعمارية لإنه لم يعد بإمكان سيرلانكا الاستمرار في سداد ديونها.

إن تجربة سيرلانكا كانت بمثابة جرس انذار لدول اخرى لديها ديون ضخمة مستحقة لصالح الصين وبسبب خوف تلك البلدان من خسارة اصولها الاستراتيجية كذلك فهي تحاول الان الغاء او تقليص صفقاتها او اعادة التفاوض بشأنها . إن مهاتير والذي مهد الطريق في السابق للإستثمار الصيني في ماليزيا أنهى زيارته لبيجين بالغاء مشاريع صينية بقيمة 23 مليار دولار امريكي تقريبا.

إن بلدان متنوعه مثل بنغلاديش وهنغاريا وتنزانيا قامت ايضا بالغاء أو تقليص مشاريع مبادرة الحزام والطريق . لقد استخدمت ماينمار والتي كانت تأمل بالحصول على البنية التحتية التي تحتاج اليها بدون الوقوع في فخ الدين الصيني التهديد بالالغاء من اجل التفاوض على تخفيض تكلفة ميناء كياوكبيو المزمع انشاؤه وذلك من 7،3 مليار دولار امريكي الى 1،3 مليار دولار امريكي.

وحتى أوثق حلفاء الصين يشعرون بالقلق الان من مبادرة الحزام والطريق ففي الباكستان والتي عملت منذ فترة طويله مع الصين من اجل احتواء الهند وتعتبر أكبر دولة تتلقى تمويل مبادرة الحزام والطريق ، سعت الحكومة الجديده المدعومة من العسكر الى مراجعة أو اعادة التفاوض على مشروعات ردا على تفاقم ازمة الدين وفي كمبوديا وهي من كبار الدول المتلقية للقروض الصينية فإن المخاوف من ان تصبح فعليا مستعمرة صينية تتصاعد.

إن ردة الفعل السلبية تجاه الصين موجودة في أماكن أخرى كذلك فالإجتماع الاخير للمنتدى السنوي لجزر المحيط الهادىء كان الاكثر اثارة للجدل في تاريخه . لقد جعلت السياسات الصينية في المنطقة بالاضافة الى تصرفات رئيس الوفد الصيني في الفعالية نفسها رئيس نارو وهي اصغر جمهورية في العالم – 11 الف نسمة فقط – يدين الوجود الصيني "المتعجرف" في جنوب المحيط الهادىء واضاف ان الصين لا تستطيع " ان تملي علينا الأمور".

عندما يتعلق الأمر بالتجارة فإن الحرب التجارية المتصاعدة مع الصين والتي شنها الرئيس الامريكي دونالد ترامب تهمين على العناوين الرئيسية للاخبار ولكن ترامب ليس هو الشخص الوحيد الذي ينتقد الصين . إن سياسات الصين والتي تمتد من دعم الصادرات والعوائق غير المرتبطة بالرسوم الجمركية والى قرصنة الملكية الفكرية وتطويع السوق المحلي لمصلحة الشركات الصنية تعني ان الصين تمثل وحسب كلمات جراهام اليسون من جامعة هارفارد " أكبر اقتصاد رئيسي من حيث الحمائية والانتهازية التجارية والاستغلال في العالم ".

إن الصين بسبب وضعها كأكبر مصدر للبضائع في العالم هي اكبر شريك تجاري للعديد من البلدان ولقد استخدمت بيجين نفوذها في هذا الخصوص من اجل استخدام التجارة لمعاقبة اولئك الذين يرفضون الخضوع لسياساتها بما في ذلك فرض حظر للاستيراد على بضائع محددة ووقف الصادرات الاستراتيجية ( مثل المعادن الارضية النادرة ) ووقف السياحة من الصين وتشجيع المستهلك المحلي على المقاطعة أو الاحتجاجات ضد الشركات الاجنبية .

في واقع الامر فإن الصين اصبحت قوية وغنية بسبب انتهاكها لقواعد التجارة العالمية ولكن الذي سيحصل الان ان افعالها سوف ترتد عليها حيث ان هناك اعداد متزايده من البلدان تفرض رسوم لمكافحة الاغراق او رسوم عقابية على البضائع الصينية وبينما تشعر البلدان بالقلق من محاولة الصين اخضاعها من خلال اغراءها للسقوط في فخ الدين فإن الامر لم يعد سهلا بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق.

والى جانب رسوم ترامب فلقد تقدم الاتحاد الأوروبي باحتجاج لدى منظمة التجارة العالمية على الممارسات الصينية من اجل نقل التقنية بالقوة وذلك من خلال فرض ذلك كشرط للوصول للاسواق . إن دعم الصادرات الصينية وغيرها من الممارسات التي تشوه التجاره ستواجه مقاومة عالمية اكبر وطبقا لقواعد منظمة التجارة العالمية فإن بإمكان البلدان فرض رسوم جمركية على البضائع المدعومة المستوردة والتي تضر الصناعات المحلية.

إن الرئيس الصيني تشي جينبينغ يجد نفسه الان لا يدافع عن مبادرة الحزام والطريق وهي اهم مبادرة له في مجال السياسة الخارجية فحسب بل ايضا مواجهة النقد المحلي مهما كان خافتا بسبب استعراض الصين لطموحاتها العالمية والذي أدى لردة الفعل السلبية العالمية والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية . لقد تخلى تشي عن واحدة من اهم تعليمات رجل الصين القوي السابق دينغ كيساوبينغ وهي " اخفي قوتك وانتظر حتى يأتي وقتك " وعوضا عن ذلك اختار تشي ان يتبنى وبدون خجل سياسة عدائية جعلت الكثيرين يتساءلون ما اذا كانت الصين تبرز كنوع جديد من القوى الامبريالية .

لقد منحت التجارة العالمية للصين فوائد كبيرة مما مكنها من أن تصبح ثاني اكبر اقتصاد بالعالم مع انتشال مئات الملايين من البشر من براثن الفقر . لا تستطيع الصين تحمل خسارة تلك الفوائد بسبب ردة الفعل السلبية على مستوى العالم من ممارستها التجارية والاستثمارية غير العادلة.

إن اعتماد الصين على الفائض التجاري واحتياطات النقد الاجنبي الضخمة من اجل تمويل التوسع في ايجاد موطأ قدم لها على مستوى العالم يجعلها اكثر ضعفا في مواجهة ردة الفعل السلبية الحالية وفي واقع الامر وحتى لو غيرت الصين من استراتيجيتها واصبحت تلتزم بالقواعد الدولية فإن فائضها التجاري واحتياطاتها من النقد الاجنبي ستتأثر وباختصار وبغض النظر عن الطريق التي ستختاره فإن شعور الصين بالافضلية ربما سينتهي قريبا .

المصدر: PS، موقع "اللواء"


أخبار ذات صلة

استمرار الحرب الأهلية الأمريكية
قنبلة صينية "سرية"... خطر يُهدد الإقتصاد العالمي
الإنتخابات على الأبواب.. هل تتبرأ أميركا من ترامب؟