بيروت - لبنان 2018/09/25 م الموافق 1440/01/15 هـ

تدمير الحزب الجمهوري

حجم الخط

مَر عام ونصف العام منذ انتُخِب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة، لذا فإن الوقت الآن مناسب لكي يتأمل الأميركيون بشكل هادئ وعميق في نظامهم السياسي المعطل.

من المؤكد أن الولايات المتحدة لم تشهد أي كوارث كبرى حتى الآن، حتى على الرغم من الأخطاء السياسية الهائلة التي تلوح دوما في الأفق. لكن البلاد كانت تعاني من موت بطيء نتيجة لآلاف الجراح، الأمر الذي يجعلها أكثر ضعفا وأشد فقرا كلما طال بقاء ترمب في منصبه.

يستحق الجمهوريون قسما كبيرا من اللوم عن هذه الحال، بعد أن اصطفوا خلف ترمب لأسباب لا يزال من الصعب فهمها. فقد انتُخِب ترمب بما يزيد على 60 مليون صوت ــ أقل بنحو ثلاثة ملايين صوت من منافسته هيلاري كلينتون. لكنه حصل على دعم شعبي من مجموعة واسعة من كبار الموظفين المنتمين إلى الحزب الجمهوري، ومستشاري السياسة، والناشطين، وجميعهم كانوا يعلمون أن فوز هيلاري كلينتون بالرئاسة كان ليفرض مخاطر أقل على البلاد.

لماذا فعلوا ذلك؟ الفرضية الأكثر إقناعا هي أنهم تجاهلوا ــ كما تجاهل مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي ورئيس التحرير التنفيذي لصحيفة نيويورك تايمز دين باكيه ــ استطلاعات الرأي التي لم تقلل من شأن المخاطر التي يفرضها فوز ترمب. فقد افترض التيار الغالب بين الجمهوريين أنهم لن يخسروا الكثير، وربما يمكنهم تحقيق بعض المكاسب، بمعارضة كلينتون، لأن هذا هو الدرس الذي استخلصوه من تجربتهم مع كل من ريتشارد نيكسون ورونالد ريجان.

من المفيد أن نتذكر أن نيكسون دعم في عام 1964 المرشح الجمهوري للرئاسة باري جولدوتر، في حين امتنع عن تأييده جمهوريون آخرون، مثل حاكم ولاية مشيجان آنذاك جورج رومني. ثم أصبح نيكسون مرشح الحزب للرئاسة في عام 1968، متغلبا على الجمهوريين الذين أقصوا القاعدة الناشطة في الحزب بمعارضة جولدوتر.

على نحو مماثل، استمر رونالد ريجان في مساندة نيكسون إلى النهاية، حتى عندما أصبحت إجراءات عزل نيكسون وشيكة، في حين خلص جمهوريون مثل عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تنيسي هاورد بيكر إلى أن نيكسون لابد أن يرحل. ثم أصبح ريجان مرشح الحزب للرئاسة في عام 1980، متغلبا على الجمهوريين الذين خرجوا عن خط القاعدة الناشطة في الحزب.

وفي عام 2016، رأي الجمهوريون الذين أيدوا ترمب في الأرجح أن تأييده وسيلة رخيصة لتعزيز مستقبلهم في الحزب. وما غاب عن حساباتهم هو أنه قد يصبح رئيسا بالفعل، وأنهم سيضطرون إلى النظر في المرآة كل صباح. والآن بعد أن أصبح عموم الناخبين الجمهوريين ينظرون إلى أنفسهم على نحو متزايد بوصفهم مؤيدين لترمب أكثر من كونهم جمهوريين، بات لزاما على قادة الحزب البارزين أن يقرروا ماذا يجب عليهم أن يفعلوا الآن.

وقد استقر بعضهم على الاختيار بالفعل. ففي نهاية ولايته سوف يتقاعد رئيس مجلس النواب بول ريان. وفي غياب الاحتمال غير المرجح بأنه قد يخوض الانتخابات الرئاسية في وقت ما في المستقبل، فإنه عمليا يتخلى عن واحد من أكثر المناصب قوة في الحكومة الأميركية، ويتخلى عن بلاده تاركا إياها تحت قيادة حاكم لصوصي غير متزن وغير مؤهل. وريان ليس وحده: ففي آخر إحصاء ، قرر 43 عضوا جمهوريا في مجلس النواب عدم السعي إلى إعادة انتخابهم في نوفمبر/تشرين الثاني.

أيا كان مصير الحزب الجمهوري، فإن الشعب الأميركي قادر على تخفيف بعض الأضرار الناجمة عن سياسات ترمب الداخلية على المستوى المحلي . وهذا على وجه التحديد ما كانت تحاول ولاية كاليفورنيا وغيرها من الولايات الديمقراطية ("الزرقاء") القيام به ــ وبقدر عظيم من النجاح حتى الآن.

ولكن في كنتاكي، وألاباما، وميسيسبي، ونبراسكا، وغيرها من الولايات الحمراء، تظل قاعدة الناخبين الجمهوريين سهلة الانخداع. أقبل المزارعون في أيوا وغيرها من ولايات المنطقة المركزية في قلب البلاد بكثافة على إعطاء أصواتهم لترمب في عام 2016، فقط لكي يتبين لهم أنه يعتبرهم خسائر مقبولة في الحرب التجارية التي يريد شنها ضد الصين، وربما المكسيك أيضا. ولابد أن يشعر المرء بالأسف على هؤلاء الناخبين، ولكن ليس على الساسة الجمهوريين الذين استمروا في خداعهم بدعم ترمب.

ما العمل إذن؟ بادئ ذي بدء، يتعين علينا أن نعمل على تثقيف الناخبين وتسليط الضوء بشكل مستمر على السياسات التي تتعارض مع مصالحهم. والتطبيع ليس خيارا واردا. ولابد أن تكون الإشارة إلى غباء سياسات ترمب وميلها إلى التدمير، وتقديم الحجة على ضرورة عكسها على الفور، ممارسة يومية.

إلى جانب هذا، ينبغي للأميركيين أن يحاولوا إقناع نائب الرئيس مايك بنس بأن الوقت حان للاحتجاج بالمادة 4 من التعديل الخامس والعشرين، والتي تنص على إقالة الرئيس الذي يعتبر غير لائق للخدمة بواسطة أغلبية أعضاء حكومته.

من الأهمية بمكان أيضا ممارسة الضغوط العامة على روبرت ولاشلان مردوخ، الرئيسين المشاركين لشركة فوكس القرن الحادي والعشرين، التي تملك فوكس نيوز . الواقع أن العديد من قرارات ترمب السياسية وتعليقاته على تويتر تتبع كل ما يتلفظ به معلقوه المفضلون في فوكس نيوز في أي يوم. ولكن في الأمد البعيد يميل الحكام اللصوص إلى افتراس أصحاب الثروة النافذين. وإذا كان آل مردوخ حريصين على بقاء ثرواتهم في الأمد البعيد، فإن أفضل تحركاتهم ربما يكون حمل شبكاتهم على إبلاغ الرئيس بالتالي: "لقد حاوت مجدا، لكنك منهك وغير سعيد بوضوح في وظيفتك، لماذا إذن لا تستقيل وتذهب للعب الجولف، حفاظا على صحتك؟".

أخيرا، يجب أن يفهم الجمهوريون أن هذه لحظة "بيت ويلسون" لحزبهم. بيت ويلسون حاكم جمهوري سابق لولاية كاليفورنيا والذي سَلَّم حزبه في تسعينيات القرن العشرين لوضع الأقلية الدائمة في الولاية عن طريق إهانة اللاتينيين بوصفهم خطرا على الأمة. واليوم، قررت الجالية اللاتينية الكبيرة في كاليفورنيا ــ والتي تضم العديد من المتدينين المخلصين المحافظين اجتماعيا ــ مقاطعة الجمهوريين. (وهي أيضا حال العديد من كبار السن من ذوي البشرة البيضاء في كاليفورنيا، فحتى هم لا زال لديهم ما يسمى حُمرة الخجل).

يستطيع ترمب أن يفعل للحزب الجمهوري على المستوى الوطني ما فعله ويلسون للحزب في كاليفورنيا. ويتعين على قادة الحزب ــ الذين يواجهون بالفعل خسارة محتملة لمجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ، في نوفمبر/تشرين الثاني ــ أن يسارعوا إلى التحرك قبل أن يفوت الأوان.

المصدر: PS، موقع "اللواء"


أخبار ذات صلة

انفجار التطرف السياسي في العالم
بعد مطاردة 3 أشهر... القبض على رجل هدد ترامب
أمريكا تتعاطف مع الشعب الإيراني... وتعلق على هجوم الأهواز