بيروت - لبنان 2020/09/20 م الموافق 1442/02/02 هـ

ترامب عدو الأمة

حجم الخط

كان عمدة في تكساس ذات مرة متخلفاً بشكل كبير في حملة إعادة انتخابه عن منافسه؛ فاجتمع بأصدقائه لمناقشة كيفية استعادة موقع الصدارة. وبعد دراسة الخيارات المتاحة كافة، خرج هو نفسه باقتراح حول كيفية إلحاق الضرر بخصمه، متسائلاً "لماذا لا نقول إنه يرتكب أفعالاً وحشية مع الخنازير؟". وهنا هز أصدقاؤه رؤوسهم معترضين، وأوضحوا أن الجميع سيعرف أن هذا الاتهام لا أساس له من الصحة. فما كان من العمدة إلا أن رد قائلاً "أدرك ذلك، لكن دعونا نسمعه وهو ينكر صحتها".

روى لي هذه الحكاية الأميركية القديمة الخرافية والدي، كلود كوبيرن، الذي عمل صحافياً في الولايات المتحدة أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، غير أن الرسالة الساخرة التي انطوت عليها لا تزال صحيحة حتى يومنا هذا، وهي في صميم التكتيك الذي أتاح لدونالد ترمب الفوز بالبيت الأبيض قبل نحو أربعة أعوام، والذي يذكي أيضاً انتعاشه وبدء أسهمه بالصعود حسب استطلاعات الرأي، ما يجعل إعادة انتخابه رئيساً في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) ممكنة للغاية.

وكما تظهر حكاية عمدة تكساس، فإن الخدع الموجودة في جعبة ترمب ليست جديدة، بيد أنه حدث هذا المخزون، وهو على علم بكيفية استخدامه. هكذا يقول الرئيس شيئاً فظيعاً غالباً ما يكون غير صحيح، مثل الادعاء أن رجل المؤسسة الكئيب جو بايدن هو في الحقيقة اشتراكي راديكالي له صلات وثيقة مع مثيري الشغب واللصوص، وهذه تهمة تشد الانتباه وتستطيع بالتأكيد الهيمنة على أجندة الأخبار، وإجبار بايدن على التراجع سياسياً، وهو يبعدها (التهمة) عن نفسه. هكذا استدرج بايدن إلى ميدان سياسي مفضل لدى ترمب، حيث التركيز منصب على المخاوف والكراهية العرقية بدلاً من تعامله المنسي على نحو كارثي مع جائحة فيروس كورونا.

يستعمل السياسيون، مثل ترمب، وأيضاً زعماء الجيل الحالي من القوميين الشعبويين مثل فيكتور أوربان في هنغاريا، ورجب طيب أردوغان في تركيا، ونارندرا مودي في الهند، تكتيكات مشابهة. وبشكل مماثل، اتهم بوريس جونسون هذا الأسبوع في مجلس العموم كير ستارمر زعيم حزب العمال، بأنه مؤيد لمنظمة "الجيش الجمهوري الإيرلندي"، ما حمل الأخير على التشديد بصورة غاضبة نفيه القاطع بأنه تعاطف يوماً على الإطلاق مع تلك المنظمة. وكما هي الحال دائماً، الكذب أسهل من التصدي له، وخصوصاً أن تفنيد التهمة الكاذبة يشتمل بالضرورة على إعادة سرد تفاصيلها.

ومن الميزات التي تصب في مصلحة ترمب أن خصومه يستخفون بمهاراته السياسية لأنهم يحتقرون فظاظته، وجهله وكذبه. غير أن قدرته على التلاعب بالمعلومات يجب أن تكون أكبر من تلك التي يتمتع بها زعماء مثل أوربان وأردوغان ومودي، وهي فعلاً كذلك، ذلك أنه يواجه وسائل إعلام أميركية تعاديه في معظمها، بينما عمد أولئك الزعماء إلى إطاحة أي وسيلة إخبارية محلية تنتقده. ويسيء منتقدوه معاملته على اعتبار أنه مقدم سابق لبرامج تلفزيون الواقع، وذلك من دون أن يدركوا أن تجربته الطويلة كمقدم تمكن بنجاح من رفع نسبة مشاهدة برامجه إلى مستويات أعلى، قد شحذت خبرته الإعلامية إلى درجة لا يمكنهم أن يبلغوها. وهو يعرف كيف يقول شيئاً ما بطريقة صادمة إلى حد يصعب معه على محرري الأخبار أن يتجاهلوا ما ذكره، بغض النظر عما إذا كان صادقاً أو كاذباً. ولقد تعلم منذ زمن طويل كيفية الظهور بمظهر العفوي والأصيل، وبشكل أكثر نجاحاً مما لو تم وفق ملاحظات مكتوبة سلفاً.

لقد أدرك ترمب تلقائياً المشكلة الكبرى المتعلقة بالمعلومات في عصر الإنترنت، لكن هذه ليست، كما يتخيلون في غالب الأحيان "حقائق زائفة" أساساً، بل هي بالأحرى الكم الضخم من الوقائع، وخليط المعلومات الهائل، المتوفر حالياً للجميع. يجب على السياسي الناجح أن يصرخ بصوت أعلى من أي وقت مضى لجذب الانتباه، وينبغي ألا يكون مملاً أبداً ويتذكر دائماً أن عدم الإثارة لا تصنع الأخبار أبداً. قد تبدو تغريدات ترمب جنونية، لكنها مؤثرة للغاية كعناوين أخبار تكاد تقفز في وجه القارئ من على صفحة الجريدة أو الموقع الإلكتروني أو شاشة التلفزيون. ولو قارنت أقوال ترمب مع ما سمعناه من بايدن، أو من هيلاري كلينتون قبل أربعة أعوام، لأدركت لماذا لا يستطيعان منافسته.

يميل الديمقراطيون إلى الاستخفاف بترمب كفاعل سياسي، كما يعمدون في الوقت نفسه إلى شيطنته وكأنه الشر نفسه بقضه وقضيه إلى درجة أن كراهيتهم للرجل تمنعهم من رؤية مواطن قوته وضعفه. وبالنظر إلى سجل إدارته المختلة وظيفياً والفاسدة وعديمة الكفاءة، من العجيب للغاية أن خصومه غالباً ما فشلوا في توجيه ضربة موجعة تدميه سياسياً بصورة فعلية. هل تذكرون فضيحة "روسيا غيت"، وعملية المساءلة، اللتين كان من المفترض أن تؤديا إلى إطاحته او إبقائه تحت خط الماء بحيث ينقلب به المركب، ويغرق يوم الانتخابات. مع ذلك، فشلت تلك الهجمة الجبارة فشلاً ذريعاً، ما يفسر لماذا لم تكد "روسيا" أو "المساءلة" تُذكر في المؤتمر الديمقراطي الذي شهد اختيار بايدن مرشحاً رسمياً للحزب في الانتخابات الرئاسية.

إن الإنشغال بالانقسامات بين جناحي اليسار واليمين في الحزب الديمقراطي، هو السبب لعدم فعالية هذا الحزب في معارضة ترمب. وهكذا، بدت المؤسسة الحزبية الديمقراطية مصممة على إلحاق هزيمة ببيرني ساندرز كمرشح رئاسي محتمل، أكثر منها حرصاً على إلحاق الهزيمة الانتخابية بترمب. وقد نجحوا في بلوغ هدفهم حين صار بايدن المرشح الحزبي الرسمي. غير أن انتصار النخبة التقليدية في الحزب الديمقراطي خلق نوعاً من نقاط الضعف التي لا تؤخذ غالباً بعين الاعتبار)داخل الحزب الديمقراطي). وينتمي بايدن ومؤيدوه في الحزب إلى ما يسمى "النخب المتبقية"، وهم قادة الهيئات السياسية، والعسكرية، والإعلامية القديمة التي حكمت أميركا معتدة بنفسها في النصف الثاني من القرن العشرين.

ومن خلال استيائهم التام من ترمب وكل ما يفعله، يحلم هؤلاء بالعودة إلى أيام شبابهم، حين خاضت المؤسسات التي كانوا يقودونها الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي السابق. انظر إلى البهجة التي غلبت على بقايا تلك القوى التي كانت يوماً تمسك بزمام الأمور بلا منافس في أميركا (وحلفائها في الخارج)، وهي تهب إلى السلاح لشن حرب باردة جديدة في مواجهة التهديدات المفترضة من روسيا والصين وإيران.

اختفى معظم قادة الحزب الديمقراطي ونخبه في واشنطن في غمار الذكريات في سياق معارضة ترمب. كان من المفروض فضح ترمب وتجريده من سلطاته كوكيل لروسيا، انتخب بشكل غير مشروع بفضل جهود الكرملين السرية. هكذا جرى تضخيم قدرات روسيا بصورة مبالغ فيها على نحو سخيف، ما كان مفرحاً ومسلياً بالنسبة فلاديمير بوتين من دون شك. ولم تكن هيلاري كلينتون بحاجة إلى وكالة أجنبية كي تخسر الانتخابات أمام ترمب، كما يوضح كل ما قيل عن حملتها الانتخابية الكارثية.

إن خصوم ترمب في أميركا لا ينفردون بمشاعر الإحباط، ولا سيما أن الحكومات القومية الشعبوية في البرازيل وإسرائيل وهنغاريا والهند وتركيا والفليبين لا يبدو أنها ستخسر السلطة بعد أن أمسكت بمقاليد الأمور في البلاد.

ثمة سمة مشتركة لهذا الفشل تتمثل في أن الأنظمة "الترمبية" (على الرغم من أن العديد منها ظهرت قبل ترامب) تمكنت من احتكار الوطنية في وقت تبقى فيه الدولة القومية المحور الرئيس للولاء المجتمعي داخل البلدان. لقد تمكنوا من النجاح بالظهور بمظهر المنقذين الوطنيين للأمة، على الرغم من أنهم يلحقون ببلدانهم ضرراً لا يوصف، وذلك لأن خصومهم سمحوا لهم بذلك.

يرى اليساريون في القوى الإمبريالية السابقة، مثل بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، أن القومية الأصيلة التي نشأت محلياً ملطخة بوصمتي الاستعمار والعنصرية. وهم يتعاطفون على نحو أقوى مع حق تقرير المصير للمستعمرات السابقة والأعراق الخاضعة. وكما اكتشف جيريمي كوربين بشكل متوقع، فإن هذا النهج هو عبارة عن وصفة مؤكدة للهزيمة في الانتخابات. أما الليبراليون أبناء المراكز الحضرية المتعلمون، فينظرون إلى القومية على أنها نوع من التحيز البالي في عالم يتسم بالعولمة والترابط.

إن القومية، التي يمكن أن تكون جيدة أو سيئة، أشبه بالغراء الذي يشد التحالفات المصلحية المبعثرة التي تدعم أنظمة على غرار نظام ترامب، بعضها إلى بعض. وعلى المعارضة الفعالة، أن تعمل هي أيضاً على إقامة تحالف فضفاض من القوى المؤثرة والمتباينة، من خلال انتزاع البطاقة الوطنية من القوميين الشعبويين أشباه ترمب وتصويرهم على أنهم أعداء حقيقيون للأمة.

المصدر: "اندبندنت عربية"


أخبار ذات صلة

وهاب للـLBCI: خلفيات عدم تشكيل الحكومة هي أكبر مما يجري [...]
أ.ف.ب: إيران تدعو العالم لتوحيد صفوفه في مواجهة تحرّكات واشنطن [...]
عباس يلتقي السفير الفلسطيني لدى البحرين