بيروت - لبنان 2021/01/15 م الموافق 1442/06/01 هـ

ترامب وأتباعه والآلهة

حجم الخط

من المؤكد أن كل من فوجئ بالعنف والفوضى في واشنطن العاصمة لم يكن منتبها طوال السنوات الأربع الأخيرة. كانت المشاهد البشعة حول مبنى الكونجرس الأميركي في السادس من يناير/كانون الثاني صادمة حقا: بلطجية بعيون وحشية يحملون أعلام النازيين الجدد ورايات ترمب ويشقون طريقهم محطمين كل ما في طريقهم إلى مجلسي النواب والشيوخ، بينما يعلو زئير الغوغاء هاتفين "الولايات المتحدة الأميركية" و"أوقفوا السرقة"، في حين التقط آخرون صورا ذاتية لحفظ لحظة مجدهم لكي يراها أحفادهم ذات يوم.

لكن المشهد الأكثر إثارة للاشمئزاز على الإطلاق كان لترمب ذاته وهو يحرض أتباعه المسعورين على السير إلى مبنى الكونجرس لإسقاط نتيجة الانتخابات ومحاربة الأعداء "الأشرار" الذين سرقوا منه انتصاره.

كان ذلك صادما، لكنه لم يكن مفاجئا. إذ كان بوسع أي شخص أن يستشعر هذا قادما منذ تلك اللحظة في عام 2016، خلال المناظرة الرئاسية الثانية، عندما سُـئِـل ترمب ما إذا كان ليقبل نتيجة الانتخابات المقبلة، فأجاب بأن هذا يتوقف على النتيجة. بعبارة أخرى، ما كان ليقبل أي شيء غير انتصاره. وأي نتيجة أخرى كان ليعتبرها غير مشروعة. كان من الواضح آنذاك أنه لن يلتزم بالقواعد الأساسية للديمقراطية الليبرالية.

لم يكن ذلك هو الدليل الوحيد: فالصحافة الحرة كانت في نظره شرذمة من "أعداء الشعب"، وكان ينبغي لخصمته السياسية هيلاري كلينتون أن "توضع في الحبس"، وكان المهاجرون مغتصبين وتجار مخدرات، وما إلى ذلك. كرئيس، تغاضى ترمب عن ــ بل وحتى شَـجَّـعَ ــ عنف المتطرفين الذين أعلنوا الحرب على السود واليهود ("لن يحل اليهود محلنا!"، كما هتفوا في شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا في عام 2017).

على الرغم من كل هذا، لم يبخل عليه قادة الحزب الجمهوري ــ بما في ذلك أولئك الذين تنصلوا من الرئيس في اللحظة الأخيرة ــ بالدعم، وإطراء غروره الهائل، والحماية من كل الجهود المبذولة لتهدئة سلوكه الشاذ الطائش، وربما غير القانوني. لم يفعلوا ذلك بدافع من حبهم لترمب، ولكن ما دام يعطيهم ما يريدون ــ إلغاء الضوابط التنظيمية، وخفض الضرائب لصالح أصحاب الثراء الفاحش، والتعيين السريع لقضاة من اليمين المتطرف ــ فليفعل ما يشاء.

قد يعترف بعض الجمهوريين بأن ترمب لم يكن "سياسيا تقليديا". هذا صحيح بكل تأكيد. فهو أشبه بزعيم طائفة، إنه محرض ومهيج يتمتع بقدر من الكاريزما والذي وعد أتباعه بالخلاص من عالم المدن العنيفة المنحلة الشرير، والنخب الليبرالية، والسود، والمثليين، والمهاجرين، وغير ذلك من الأجانب الغرباء الملوثين للجسد السياسي. لقد صوت كثيرون لصالح ترمب لأنهم آمنوا به كمسيح مخلص أكثر من إيمانهم به كسياسي.

السؤال الأكبر الآن هو ما إذا كانت طائفة المؤمنين هذه لتستمر بعد خروج القائد من السلطة. هل تتمكن الترامبية من البقاء لفترة طويلة بدون ترمب؟ إنه لا يزال يمتلك قِـسما كبيرا من الحزب الجمهوري. وسوف يحاول الحفاظ على نفوذه عبر وسائط التواصل الاجتماعي. حتى أنه قد يبني إمبراطوريته الإعلامية الصغيرة. ولكن هل يكون هذا كافيا؟ هل يدوم هذا؟

ربما تظل الترامبية باقية تحت قيادة زعيم مختلف. هذا ما يأمله سياسي مثل السناتور تِـد كروز من تكساس. ومن الواضح أن محاولته استرضاء قاعدة ترمب الانتخابية من خلال تخريب فوز الرئيس المنتخب جو بايدن كانت مسرحية لخوض الانتخابات الرئاسية في المستقبل. لكن كروز يفتقد إلى الكاريزما المبتذلة التي يتمتع بها ترمب. فهو شخص عالي التعليم من أتباع المذهب الكلبي، وهو مشغل سياسي لا يعرف رحمة ولا شفقة، لكنه ليس شخصا يمكنه بسهولة إلهام الجماهير.

يتوقف مستقبل الترامبية أيضا على سؤال فلسفي طال الجدال حوله. ما هو المحرك الأكبر للتاريخ: القادة العظماء، أو الظروف الاجتماعية الاقتصادية؟ مثله كمثل هتلر، يُـنـظَـر إلى ترمب غالبا، وخاصة من قِـبـَـل أهل اليسار، على أنه عَـرَضُ من أعراض مرض اجتماعي وليس سببا له.

الرد على هذا الرأي سهل. لقد استغل ترمب بخبث ودهاء المشاكل وأسباب السخط والاستياء التي كانت قائمة قبل فترة طويله من دخوله عالم السياسة: الهوة المتزايدة الاتساع بين الأغنياء والفقراء، والخوف من المهاجرين، وبغض الإسلام، وتزايد هيمنة المدن الكبرى والتمويل على المناطق الريفية والصناعية السابقة التي جرى إفقارها، وكراهية الأقليات الـعِـرقية، وما إلى ذلك.

وقد استُـخـدِمَـت مثل هذه القضايا، بنجاح إلى حد ما، من قِـبَـل زعماء دهماء معاصرين أيضا. ولكن لتحقيق النجاح، يظل هؤلاء المشغلون السياسيون في احتياج إلى استعراض قدر معين من الجاذبية، وهي ميزة غالبا ما يقلل السياسيون التقليديون من شأنها، على نحو لا يخلو من مجازفة.

يلعب المظهر والسلوك دورا مهما في هذا السياق. فليس من قبيل المصادفة البحتة أن يهوى عدد غير قليل من القادة الشعبويين تصفيف شعرهم على هذا النحو الغريب ــ غرسات الشعر المطلية على رأس رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني، وغطاء الصلع البلاتيني المسحوب من الجانب على رأس ترمب، وفوضى الشعر الأشقر المحسوبة بعناية على رأس رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. إن الشعر، مثله كمثل شارب هتلر، يشكل جزءا من "علامتهم التجارية". وزعيم الدهماء بحكم المولد يعرف كيف يبرز صورته.

كان ترمب أبرع من أغلب زملائه في صناعة زعماء الدهماء، بوصفه منتجا للعمل الاستعراضي. ولم يكن نجاحه الأكبر في عالم العقارات؛ بل كان في حقيقة الأمر رجل أعمال فاشل تماما، يتخبط من فشل إلى آخر. ما صنع ترمب كان استعراض تلفزيوني. هذا هو ما عزز علامته التجارية، التي استخدمها بقدر هائل حقا من الموهبة في الترويج للذات. ولا يقترب حتى منه في هذه الموهبة كروز، أو جوش هاولي، أو توم كوتون، أو ماركو روبيو ــ وجميعهم أعضاء جمهوريون في مجلس الشيوخ ويطمحون إلى السير على خطى ترمب.

بطبيعة الحال، لن يختفي الغضب، والسخط والاستياء، والمشاكل الاقتصادية التي استغلها ترمب. خاصة وقد نجح في جعل العلل الاجتماعية والسياسية التي تقض مضاجع أميركا أشد سوءا. سوف تظل الأعراض باقية، ولكن ربما في غياب العبقري الحاقد الخبيث القادر على تأجيجها.

سوف يخسر أتباع ترمب مسيحهم. وبدون قبضة ترمب الغريبة بقدر ما هي فَـعّـالة على الحزب، ربما يواجه الجمهوريون فترة من الاقتتال الداخلي الشرس، والذي من المحتمل أن يمزق حزبهم. إذا كان الأمر كذلك، فهم يستحقون ذلك بسخاء.

ترجمة: إبراهيم محمد علي

المصدر: project syndicate


أخبار ذات صلة

السعودية: النصر يواصل صحوته ويحقق فوزه الثالث توالياً
اتصال هاتفي بين نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ونائبة الرئيس [...]
وول ستريت جورنال: ترامب يسعى لتحفيز التعاون العربي ـ الإسرائيلي [...]