بيروت - لبنان 2019/01/18 م الموافق 1440/05/12 هـ

سور المساواة العظيم في الهند

حجم الخط

لقد كان العام الماضي نقطة تحول بالنسبة للعلاقات بين الجنسين. لقد هزت حركة "انا" أركان المؤسسات حول العالم واجبرت رجال اقوياء على مواجهة الانتقادات العامة بسبب سلوكهم تجاه النساء ولكن وعلى الرغم من ردة الفعل من جانب الرجال فإن الحركة تستمر بدون اية اشارة على التراجع وفي الاول من يناير في ولاية كيرالا الهندية قامت حوالي خمسة ملايين امرأة بتشكيل سلسلة بشرية – أو "سور نسائي " يمتد لحوالي 400 ميل تقريبا على امتداد الولاية من اجل اظهار التزامهن بالمعركة من اجل المساواة بين الجنسين.

يجب عدم الاستهانة بالقوة الرمزية لسور النساء والذي ضم اكثر من ثلث عدد الاناث في ولاية كيرالا فوق سن السادسة- لقد زاد العدد عن العدد الذي توقعه المنظمون بحوالي المليوني شخص-. لقد حظيت تلك الفعالية بدعم حكومة الولاية ولكن الفضل بنجاحها يعود لمشاركة مجموعة متنوعة من المجموعات والمنظمات ناهيك عن النساء المشاركات بشكل فردي.

إن هولاء النسوة جئن من جميع شرائح المجتمع فلقد شاركت الطبيبات والمحاميات والمعلمات والطالبات والراهبات وعاملات المنازل والعاملات في الزراعة وعاملات المياومة وربات البيوت ولقد كان هناك الهندوسيات والمسلمات والمسيحيات كما كان هناك امهات مع اطفالهن الرضع وشابات بالاضافة الى عجائز بالكاد يستطعن الوقوف معتمدات على دعم الاخرين وفي مناطق عديدة كانت هناك ايضا سلاسل من حلفاء النسوة من الرجال في الجهة المقابلة من الطريق لاظهار الدعم .

لقد امتد سور النساء عبر البلدات والمدن والطرق السريعة والشوارع التي تخترق القرى وذلك من كاساراجود في الشمال الى ثيروفاناثابورام وهي عاصمة الولاية في الجنوب وفي بعض المناطق كان هناك العديد من النساء لدرجة تشكيل ثلاثة او اربعة طوابير . لقد وقفت جميع هولاء النسوة صفا واحدا وكتفا بكتف وتعهدن بالاتي: " سوف نتمسك بقيم النهضة ومساواة المرأة وسنقاوم محاولات جعل كيرالا مصحا للمجانين وسنحارب من اجل العلمانية ".

إن "قيم النهضة" التي اشارت اليها تلك النسوة تتعلق بالمصلحات الاجتماعيات الهنديات من اوائل القرن العشرين واللاتي التزمن بالعلمانية وانهاء التمييز على اساس الجنس وانهاء النظام الطبقي . ان " مصح المجانين " يشير الى كلمات راهب الصحوة الهندوسية فيفكانادا سنة 1892 والذي اطلق على كيرالا لقب " مستشفى المجانين " بسبب التمييز على اساس طبقي.

نظرا للمسألة التي أثارت موضوع سور النساء في المقام الاول ،فإن هذه الاشارة تعتبر اشارة مناسبة فالى جانب كون السور بمثابة ادانة للنظام الذكوري في كيرالا (والهند بشكل عام) فإن سور النساء هو عبارة عن توبيخ حاد لمعارضي القرار الاخير للمحكمة العليا الهندية للسماح للنساء بدخول معبد مقدس جدا للاله ايابا (فيشنو) والذي يقبع على تله في ساباريمالا.لقد كان في السابق يمنع دخول النساء للمعبد عندما يبدأن بالحيض وحتى انقطاعه وذلك من اجل المحافظة على تقليد قائم على اساس معتقد بالي بإن النساء الحائضات "غير نقيات" ولكن ابقاء النساء خارج معبد ساباريمالا لا يعتبر تقليديا في واقع الامر فالنساء من جميع الاعمار كن يدخلن المعبد بانتظام حتى سنة 1991 وذلك عندما منعن من الدخول بأمر من المحكمة.

طبقا للمحكمة العليا فإن هذا المنع القائم على التمييز الواضح على اساس الجنس يعتبر انتهاكا للمبادىء الاساسية للدستور الهندي وهو يشبه الى حد كبير نظام المنبوذين الكريه والذي يمنع بموجبه الناس من الطبقات الدنيا من دخول المعابد بالاضافة الى منع هولاء من شرب المياه من نفس مصدر المياه الذي يشرب منه الناس الذين ينتمون للطبقات العليا.

لكن قرار المحكمة العليا قد أشعل احتجاجات واسعة النظاق علما ان كلا من الحزبين الرئيسيين في الهند –حزب بهارتيا جانتا والذي يتحكم بالحكومة وحزب المؤتمر – قد استغلا ردة الفعل تلك بشكل يدعو للسخرية حيث تتهم تلك الاحزاب بانها وراء العنف والعدائية من قبل المحرضين الذين يطالبون حكومة كيرالا بعدم تطبيق حكم المحكمة.

وحتى ان شاشي ثارور وهو برلماني ليبرالي من حزب المؤتمر عن ولاية كيرالا اعلن ان قيام امرأتين بممارسة حقهما بدخول الضريح في صباح اليوم التالي لسور المراة يعتبر " عملا غير ضروريا واستفزازيا" وبالنسبة لكاهن المعبد فلقد اغلق الموقع لفترة قصيرة بعد زيارة المرأتين وذلك من اجل القيام "بطقوس التطهير".

بالطبع فإن انعدام المساواة بين الجنسين منتشر في طول الهند وعرضها والهند تحتل مواقع متدنية فيما يتعلق بمعظم مقاييس تمكين المرأة بما في ذلك مشاركة العمالة الرسمية وامتلاك الاصول والتغذية كما ينتشر العنف ضد المرأة وفي كيرالا وعلى الرغم من المعدلات المرتفعة لمعرفة القراءة والكتابة بين النساء ومؤشرات التنمية البشرية القوية فإن هناك مشاركة نسائية محدودة نسبيا فيما يتعلق بالعمل بإجر .

وعلى الرغم من ذلك فإن كراهية النساء البغيضة والحادة ردا على قرار المحكمة العليا تظهر جليا ولهذا السبب فإن إظهار الوحده والالتزام بالمساواة مثل سور النساء لا تعتبر مشجعة فحسب، بل أيضا حيوية جدا لمستقبل الهند.

بعد سنة مليئة بالتحدي فإن سور النساء يعتبر رمزا قويا للإمكانيات والقدرات فإرادة النساء كما عكست هذه الفعالية تقود الكفاح من اجل تحريرهن وبالتالي تحرير كامل المجتمع.

المصدر: PS، موقع "اللواء"


أخبار ذات صلة

القائد الذي يحتاج إليه البنك الدولي
لماذا الهجرة تختلف عن التجارة؟
ترامب وهجرة الأدمغة