بيروت - لبنان 2018/12/15 م الموافق 1440/04/07 هـ

على الهند قبول مساعدات الكوارث

حجم الخط

نيودلهي ــ تعرضت ولاية كيرَلا الواقعة جنوبي الهند لأسوأ فيضانات شهدتها خلال قرن تقريبا. ومع انحسار مياه الفيضان، نشأ جدال غريب بشأن ما إذا كان ينبغي للهند قبول مساعدات خارجية لدعم عملية إعادة الإعمار من عدمه.

في ذروة الفيضانات، خصصت الحكومة الهندية أموالا من الصندوق الوطني لمعالجة الكوارث بغرض الإغاثة العاجلة. لكن العامة هم من تحركوا بالفعل وتحملوا عبء المساعدة بتقديم سيل متدفق من المساهمات لصالح صندوق إغاثة ضحايا الكوارث التابع لحكومة كيرلا، حتى بلغ حجم هذه المساهمات أكثر من ضعف الأموال التي قدمتها الجهات التابعة للدولة حتى الآن.

ولو نظرنا في حقيقة الأمر، لوجدنا أن مجموع المساعدات الإضافية التي قدمتها الحكومة ــ وهو 90 مليون دولار (مع وعود بمبلغ إضافي غير محدد) ــ يمثل أقل من نصف ما طلبته حكومة الولاية للإغاثة العاجلة. بل إنه لا يصلح لأن يكون بداية لتغطية تكاليف عملية إعادة الإعمار طويلة الأجل، التي تزيد بأكثر من خمسين ضعفا عن هذا الرقم، بحسب التقديرات.

وقد خلفت فيضانات كيرلا ، التي شردت مليون شخص، 39 جسرا منهارا، ونحو 6000 ميل من الطرق المهدمة، وخسائر زراعية جسيمة، وأكثر من 50 ألف منزل ما بين متضرر و مدمَّر. وسيكون إعادة بناء كل هذه البنية التحتية، التي استغرق إنشاؤها أول مرة عقودا كاملة، مهمة شاقة وجبارة.

رغم كل ذلك، رفضت حكومة الهند، بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه بهاراتيا جاناتا، قبول المساعدة من الخارج. وقد بدا هذا الموقف جليا لأول مرة في الوقت الذي كانت تتكشف فيه أبعاد الأزمة، عندما عرضت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي يقيم بها نحو مليونين من أبناء ولاية كيرلا، مساعدات يبلغ مجموعها 100 مليون دولار أميركي، وفقا لبعض التقارير.

فقد شكر مودي الشيخ م حمد بن راشد آل مكتوم ، نائب رئيس الإمارات ورئيس وزرائها، عبر تويتر. ثم قامت حكومته ــ من خلال الناطق باسم حزب بهاراتيا جاناتا وليس من خلال مسؤولي الحكومة ــ بإخبار وسائل الإعلام بأنها لن تقبل منحة الإمارات.

كما غرد سفير تايلند في الهند في 21 أغسطس/آب الماضي قائلا "أُبلغت للأسف بشكل غير رسمي بأن حكومة الهند لا تقبل التبرعات الخارجية المقدمة لإغاثة ضحايا فيضان ولاية كيرلا". لذا يُرجح أن يُرفض عرضا قطر والمالديف بمساعدات قدرها خمسة ملايين دولار و50 ألف دولار على التوالي. كذلك صدرت تعليمات للبعثات الهندية في الخارج برفض أي عروض للمساعدة.

و يصر قادة حزب بهاراتيا جاناتا على أن هذا الموقف نابع من قرار عام 2004 الذي اتخذته حكومة التحالف التقدمي المتحد الحاكمة آنذاك، بزعامة رئيس الوزراء مانموهان سينغ، بعدم قبول أي مساعدات خارجية في أعقاب تسونامي المحيط الهندي. لكن الأضرار التي خلفها ذلك الإعصار تقل كثيرا عن الأضرار التي أحدثتها فيضانات كيرلا، كما كانت الموارد القومية قادرة على تغطية التكاليف المقدرة لإعادة البناء بشكل كامل.

فضلا عن ذلك، فإن أي سابقة أسس لها ذلك القرار منسوخة ب الخطة الوطنية لإدارة الأزمات ، التي أصدرتها حكومة مودي نفسه عام 2016، إذ تنص الفقرة الثانية من البند التاسع من الخطة على منع الحكومة من إصدار أية نداءات لطلب مساعدات أجنبية في أعقاب أية كارثة، مع جواز قبول مثل هذه المساعدات إذا عرضتها حكومة دولة أخرى من تلقاء نفسها، "كبادرة لحسن النية تضامنا مع ضحايا الكارثة". ويعني هذا أن الحكومة مسموح لها بشكل كامل قبول مساعدة الإمارات.

فلماذا إذا يرفض حزب بهاراتيا جاناتا قبول العرض؟ بل إن الناطق باسم الحزب، بعد إعلانه قرار رفض العرض الإماراتي، لم يهدر أي وقت وأسرع باستحضار الكبرياء الوطنية قائلا: إن الهند، وهي الآن في عداد المانحين الصافين للمساعدات للدول الفقيرة، قادرة على مساعدة نفسها ومعالجة أزماتها.

وإذا كانت حكومة مودي ترى أن لديها أموالا كافية تفي باحتياجات كيرلا، فإنها مدينة لسكان ولاية كيرلا بتفسير سبب تخصيص مبلغ صغير كهذا. لكن ليس هناك ما يدعونا لأن نتوقع أمرا كهذا من حكومة مودي التي تعاني نقصا في الموارد المالية. فعندما ضربت العاصفة المدارية أوكي مناطق ساحلية من كيرلا في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لم تقدم الحكومة المركزية سوى 2% فقط من المساعدات التي طلبتها حكومة الإقليم.

والعجيب أن رفض المساعدات الخارجية ليس مبدأ أساسيا في سياسة حزب بهاراتيا جاناتا. فبعد الزلزال الذي ضرب مدينة بوج التابعة لولاية جوجارات ــ التي كان مودي نفسه رئيسا لوزرائها آنذاك ــ قبلت الحكومة المركزية التي كان يقودها حزب بهاراتيا جاناتا مساعدات دولية. وتجاوز مجموع التبرعات التي جمعتها أجهزة الأمم المتحدة المختلفة ــ مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ومنظمة العمل الدولية، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية ــ مبلغ 42 مليون دولار. كما تم التعهد حينها بمبلغ 1.7 مليار دولار خلال مؤتمر لإعادة الإعمار، وبالفعل أُعيد بناء بوج.

قد يتساءل المرء ما إذا كان ينبغي لعضو بالأمم المتحدة ذي وضع جيد أن يعتبر مساعدات المنظمات الدولية ضربا من المساعدات "الأجنبية". لكن حتى المساعدات من دول أخرى تعد سمة عادية للغاية من سمات العلاقات الدولية، خاصة في وقت الكوارث الكبرى، عندما تسود روح "الكل من أجل واحد، وواحد من أجل الكل".

لقد تطوعت الهند بتقديم المساعدة عندما أصيب جيرانها بكوارث مشابهة، مثلما حدث بعد زلازل في نيبال وباكستان وإيران، وفيضانات في بنجلاديش وميانمار. بل إن الولايات المتحدة قبلت مساعدات خارجية بعدما ضرب إعصار كاترينا مدينة نيو أورلينز وساحل الخليج في أغسطس/آب عام 2005، مع تقديم الهند خمسة ملايين دولار. فلماذا لا ينبغي للآخرين مد يد المساعدة بالمثل للهنود المنكوبين؟

لا شك أن الهند دولة أبيّة تفضل الاعتماد على مواردها الخاصة. لكن عندما تكون مواردنا بعيدة تماما عن حد الكفاف والوفاء باحتياجات شعبنا ــ الذي يعاني في أعقاب كارثة مدمرة ــ فإن رفض المساعدة ممن يستطيعون ويبغون تقديمها سلوك ينطوي على جلافة وغلظة وعدم مسؤولية. وليس بوسع أي سياسة للكبرياء الوطنية أن تبرر القسوة تجاه مواطنينا المنكوبين.

إنني أرفض مطلقا السفر للخارج وطرق الأبواب بغية التسول، لكن عندما يطرق بابك جار صديق ويعرض عليك كوبا من السكر تحتاجه لإكمال وصفة، فلا ترده. لا عار في قبول المساعدات من الأصدقاء الذين لن نتوانى عن مساعدتهم حال تبادل الأدوار وانعكاس الأوضاع. لذا يجب على حكومة حزب بهاراتيا جاناتا أن تقر بهذه الحقيقة وأن تعدل سياستها الخاصة بمساعدات الكوارث من أجل شعب كيرلا.

المصدر: PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

الشعبوية وليدة السياسة وليس الاقتصاد
الأخبار الكاذبة ولعبة "القط والفأر"
"السترات الصفراء" أمام مسؤولية تاريخية بطرد "السترات البنية"