بيروت - لبنان 2018/12/15 م الموافق 1440/04/07 هـ

فجور جونسون وترمب

حجم الخط

لندنــ في مؤتمر صحافي عُقِد في عام 2013، قال البابا فرانسيس، الـمُنَصَّب حديثا آنذاك: عندما يتعلق الأمر بالتوجه الجنسي، بما في ذلك الأفعال الجنسية المثلية السابقة، "فمن أكون أنا لكي أحكم؟" تُرى هل ينبغي لنا أن نتبنى نهجا يتجنب إصدار الأحكام في التعامل مع السلوك الشخصي لزعمائنا السياسيين في الماضي؟

يكتسب هذا السؤال أهمية شديدة اليوم في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وصل بالفعل إلى قمة السلطة السياسية في بلاده، ووزير خارجية المملكة المتحدة السابق بوريس جونسون، الذي يطمح إلى مواصلة تسلق المراتب، لا يشتركان في النزعة القومية الفجة فحسب، بل يشتركان أيضا في عجزهما الواضح عن السيطرة على شهوتهما الجنسية.

الواقع أن علاقات ترمب خارج نطاق الزواج معلومة للجميع، على الرغم من التسويات الضخمة التي كان المقصود منها إسكات شريكاته في الجنس، مثل مؤدية الأفلام الإباحية وراقصة التعري المعروفة باسم ستورمي دانيلز. ورغم أن ترمب ليس على الإطلاق أول رئيس أميركي له سجل طويل من الخيانة الزوجية، فإنه يتميز بفظاظة وغِلظة تعليقاته حول النساء، بما في ذلك التعليق الشائن " أمسك بهن من فروجهن "، الذي كُشِف عنه أثناء الحملة الانتخابية.

أما عن جونسون، فقد أوردت التقارير أن زوجته طردته بسبب علاقة غرامية. ورغم أن هذه لم تكن أولى علاقاته الغرامية ــ ولم تكن حتى أول مرة تطرده فيها زوجته ــ فإن التساؤلات الآن تدور حول ما إذا كان هذا ليضر بطموحاته السياسية، التي يعتقد كثيرون أنها كانت الدافع الرئيسي وراء القرار الذي اتخذه بالعمل كقائد لحملة مناصرة انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

ولكن هل من اللائق أن نحكم على القادة السياسيين استنادا إلى حياتهم الجنسية، كما اعتاد كثيرون؟ الإجابة في اعتقادي هي كلا.

بطبيعة الحال، لابد أن تساعدنا تصرفات مثل التحرش الجنسي أو الاعتداء الجنسي في تقييمنا لأي زعيم. ولكن في حين واجه ترمب مثل هذه الاتهامات، فلم تكن هذه هي الحال مع جونسون. ونحن في النهاية لا نختار الناس لشغل مناصب سياسية لأننا نريدهم أن يعملوا كمنفذين طبيعيين لتعريفاتنا ورؤانا الذاتية، والمتنوعة، والمتغيرة للفضيلة والأخلاق. فالشخص غير المخلص لزوجته (أو غير المخلصة لزوجها) قد يكون قائدا بارعا، تماما كما قد يكون الزوج الوفي (أو الزوجة الوفية) قائدا رديئا بائسا.

ومع ذلك، هناك الكثير من المشاكل الأخرى التي تعيب زعامة كل من ترمب وجونسون، الذي استقال من منصبه كوزير للخارجية في يوليو/تموز بسبب معارضته للتنازلات التي قررت حكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي أنها على استعداد لتقديمها في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ورغم أن جونسون يتمتع ببعض المهارات الخطابية ــ التي استخدمها بقوة متزايدة لحشد الدعم لصالح الخروج البريطاني "الصعب" ــ فإن إجماع الآراء يذهب إلى أنه كان دبلوماسيا بائسا، وكان يفضل دائما النكتة الرخيصة على الموجز الجاد. وأثناء فترة توليه منصب وزير الخارجية، كان جونسون سببا شبه دائم لإحراج المملكة المتحدة، فكانت حماقاته وسقطاته تتوالى الواحدة بعد الأخرى إلى الحد الذي جعل أصدقاء بريطانيا في الخارج في حالة من الذهول.

ومنذ ترك منصبه، لم يحسن جونسون من نفسه. ففي الشهر الفائت فقط، أصدر تصريحا ينضح برهاب الإسلام مفاده أن النساء المسلمات اللاتي يرتدين النقاب يشبهن "لصوص البنوك" و"صناديق البريد".

بعد فترة وجيزة، وَصَف جونسون موقف تيريزا ماي التفاوضي من الاتحاد الأوروبي بأنه يرقى إلى "وضع حزام انتحاري ناسف حول الدستور البريطاني" وتسليم أداة التفجير للاتحاد الأوروبي. وكان هذا التعليق عديم الذوق، إذا تأدبنا في وصفه، خاصة وأن 22 شخصا (بما في ذلك بعض الأطفال) قُتِلوا على يد مفجر انتحاري في حفل موسيقي في مانشستر العام الفائت.

من الواضح أن هذه التصريحات لا تليق بزعيم سياسي بريطاني، مثلها مثل الكثير من التعليقات (ناهيك عن التصرفات) المشحونة بالعنصرية والتحريض التي يلقيها ترمب. لكن إخفاقات هذين الزعيمين كانت أعمق كثيرا من كل هذا. ولكي نفهم هذه الإخفاقات، يجدر بنا أن ننظر إلى ثلاثة زعماء مرموقين توفوا هذا الصيف: الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان ، ووزير الخارجية البريطاني والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي السابق بيتر كارينجتون، وعضو مجلس الشيوخ الأميركي جون ماكين.

لأنني عملت مع أنان وكارينجتون، فأستطيع أن أشهد على سموهما وشرفهما والتزامهما بالحقيقية والصدق. ومن الواضح أن ماكين كان يتمتع بنفس الصفات، ناهيك عن مستوى من الشجاعة الشخصية يتجاوز كثيرا ما قد نتوقعه من أغلب الناس (وإن كان من الواجب أن نلاحظ أن كارينجتون كان أيضا بطل حرب). ومن المؤكد أن التوليفة التي يتمتع بها هؤلاء القادة من الشرف والالتزام بالحقيقة ــ وهما صفتان مرتبطتان فطريا ــ تغيب تماما في حالة ترمب أو جونسون.

لا أحد قد يقترح أن القادة السياسيين لابد أن يردوا على كل سؤال يُطرَح عليهم بإجابات صريحة تماما. فإن هذا أشبه بتوقع سلوكيات تتجاوز كثيرا كل ما هو طبيعي. والتعامل مع مآزق الحياة يتطلب في بعض الأحيان أن نقتصد في ذِكر الحقيقة، على سبيل الاستعارة من لغة مستشار حكومة المملكة المتحدة السابق روبرت أرمسترونج.

ولكن هناك فارق كبير بين بعض الاقتصاد، كما فعل حتى قادة شرفاء من أمثال ماكين وكارينجتون بكل تأكيد، وبين اعتياد الكذب، كما هي حال ترمب وجونسون. الواقع أن ترمب يصرح عادة بكل ما قد يصب في مصلحته في الأمد القريب، وإن كان في بعض الأحيان يبدو وكأنه لا يعرف حتى ما هي الحقيقة. وحتى محاميه الخاص وصفه بأنه كاذب.

ومع ذلك فإن كذب ترمب وافتقاره التام إلى الأمانة يمتد إلى جذور أعمق: ذلك أن برنامجه السياسي القومي يقوم بالكامل على فكرة كذوبة مفادها أن أميركا تحتاج إلى أن تُجعَل عظيمة مرة أخرى. غير أن أميركا كانت عظيمة قبل ترمب، ومن الواضح أن سلوكه ــ تجاهله الوقح للاتفاقيات الدولية، وإهانة الحلفاء، وملاحقة تدابير الحماية التجارية ــ لن يؤدي إلا إلى تقويض عظمة أميركا من خلال استنزاف المخزون الهائل لدى البلاد من القوة الناعمة، بين تصرفات أخرى. على نحو مماثل، كانت حملة الخروج البريطاني بقيادة جونسون قائمة بالكامل على الخداع، والحسابات الاقتصادية المختلة، والأماني الدالة على التعجرف والغطرسة.

إن أي ديمقراطية موفورة الصحة لابد أن تعتمد على التبادل الصادق للأفكار والآراء، على خلفية من الاحترام المتبادل للحقائق والصدق. والواقع أن الحجة الأخلاقية ضد ترمب أو جونسون ليست أنه لم يكن مخلصا لزوجته، بل إنه تسبب في إفساد الشروط الضامنة لصحة الديمقراطية من خلال الكذب بلا هوادة على الناس الذين يفترض أنه يمثلهم.

المصدر: PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

الشعبوية وليدة السياسة وليس الاقتصاد
الأخبار الكاذبة ولعبة "القط والفأر"
"السترات الصفراء" أمام مسؤولية تاريخية بطرد "السترات البنية"