بيروت - لبنان 2018/11/17 م الموافق 1440/03/09 هـ

فصل الشتاء قادم إلى المملكة المتحدة

حجم الخط

برنستون- بدأ مشروع انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي يفشل بوتيرة سريعة. إذ فشل "مخطط تشيكرز" الذي بنت عليه رئيسة الوزراء تيريزا مي الاستراتيجيات التي اعتمدتها في مفاوضاتها منذ البداية. إذ لم يرفضه الاتحاد الأوروبي و حزب العمال المعارض فقط، بل رفضه أيضا ما يكفي من أعضاء البرلمان لضمان عدم حصوله على تصويت البرلمان.

وبناء على هذا، أصبح الخيار الوحيد هو التأجيل والأمل في حدوث تغيير مفاجئ (وهو ما يعرف أيضا باستراتيجية ركل العلبة على الطريق). وبالرغم من أن الطريق المسدود الحالي قد يعني ببساطة أن استراتيجية مي كان بها خلل ما، فإنه يدل أيضا على أن المنطق الضمني لبريكسيت ليس متماسكا.

ويعتمد مخطط تشيكز على مجموعة من تسويات ليست بالهينة، فقد تحافظ المملكة المتحدة على علاقتها الجمركية مع الاتحاد الأوروبي، لكنها لن تكون في اتحاد الجمارك التابع له. وبدل ذلك، ستفرض كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي "مجموعة من القوانين"، وسيكون بإمكان المملكة المتحدة عدم الامتثال لقوانين التجارة للاتحاد الأوروبي أثناء عقد اتفاقيات مع طرف ثالث.

ورغم أن برنامج الاتحاد الجمركي المراوغ كان مقبولا من كلا الطرفين، فمسألة الحدود الايرلندية ستطفو على السطح. وبالتحديد، إما أن يكون هناك خط فاصل بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا (التي ستبقى في المملكة المتحدة)، أو بين إيرلندا الشمالية وبريطانيا. وسيهدد السيناريو الأول مسلسل السلام الايرلندي، بينما قد يدمر السيناريو الثاني المملكة المتحدة.

ومشروع بريكسيت مبني على الاعتقاد بأن السيادة القومية هي الركيزة المنطقية الوحيدة للنظام العالمي. وهذا الاعتقاد في نظر الأكاديميين يندرج ضمن فلسفة "الواقعية"، التي يقصد بها أن الدول تدفعها مصالح حددتها وصرحت بها بوضوح. وتتعارض هذه المصالح مع بعضها البعض بشكل دائم على المستوى العالمي. ويمكن أن نجد تجسيدا شعبيا غير أكاديمي لهذا المذهب في مسلسل تعرضه إذاعة إتش بي أو ،"لعبة العروش"، الذي يجمع بين مبادئ شكسبير والفانتازيا.

وبالنسبة للعديد من المراقبين، أصبحت سلسلة "GOT" العدسة التي يفهمون من خلالها الواقع المعاصر. فخلال الاجتماع السنوي الذي عقده صندوق النقد الدولي في بالي هذا العام، عرض الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو نفس موضوع هذا المسلسل عندما حذر قائلا: " فصل الشتاء قادم". وبما أن "المجالس الكبرى" للولايات المتحدة الأمريكية والصين تتنافس على "العرش الحديدي"، أصبحت تتزايد احتمالات حدوث أزمة عالمية لا تستثني أحدا.

ومن خلال رسمها لعالم يسوده الغش والتحالفات المنكسرة، تُجسد سلسلة GOT (غوت) زمننا الحاضر الذي يسوده الشك الدولي. كما أنها سلسلة لابد على مؤيدي بريكسيت مشاهدتها. و اختار مايكل غوف، أحد قائدي حملة "إنسحبي"، تيريون لانيستر، الضحية والعقل المدبر، كشخصية مفضلة لديه.

وحسب الأسلوب الواقعي لغوت، فالاتحاد الأوربي لامعنى له من الناحية المؤسساتية، لأنه مبني على فكرة أساسية مستحيلة: تجاوز القومية ومصالح الدولة. وأحد الدوافع وراء بريكسيت، هو الاعتقاد بأن أوروبا كانت تنهار بسبب ثقل الديون التي لا يمكن التخلص منها، والهجرة التي خرجت عن السيطرة. إذا فالمملكة المتحدة كانت فقط تحاول الهروب من منزل كان يحترق، قبل أن يسقط وهي بداخله.

والمشكل هو أن هذا التأويل يتجاهل الطرق التي تُمسك بها المؤسسات الأوروبية والسلطات المسيطرة، وأطر العمل القانونية معا هذا المنزل. ومن المؤكد أنه هناك دائما أشخاص في بعض الدول يكرهون بعض القوانين. فمواطنو شمال وجنوب أوروبا كانت لديهم آراء مختلفة بخصوص أزمة اليورو. بينما مواطنو أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية لديهم آراء مختلفة بشأن اللاجئين. لكن الانقسامات السياسية الرئيسة تتواجد داخل المجتمعات وليس بينها، وفي غالب الاحتمالات، خروج بريطانيا سيزيد من هذه الانقسامات.

وفي نهاية المطاف، تأتي الأنظمة الجديدة بانقسامات جديدة، كما هو الحال الآن في المملكة المتحدة. حيث مدينة لندن حائرة بين البنوك القلقة بشأن فقدان زبنائها الأوروبيين وأسواقها الأوروبية، والصناديق الوقائية التي تسعى للتحرر من القوانين الأوروبية. ويخشى بعض المزارعين من فقدان الدعم الذي يقدمه لهم الاتحاد الأوروبي، بينما يعتقد آخرون أن إطارا جديدا سيسمح لهم بممارسة زراعة أكثر استدامة. ويريد بعض مؤيدي البريكسيت المزيد من الإنفاق الاجتماعي، بينما يرغب آخرون أن تصبح بلدانهم جنة محررة من القوانين لِتنافس سنغافورة. كل واحد يريد عالما أفضل، لكن القليل فقط من سيوافق على كيف سيبدو مثل هذا العالم.

وفي أوروبا القارية أصبحت صعوبة- إذا لم نقل- استحالة وضع استراتيجيات قومية للخروج قابلة للاستمرار ظاهرة معروفة على نطاق واسع. فعندما اقترحت مارين لوبين من الجبهة الوطنية لليمين المتطرف، استفتاء بشأن اليورو خلال الحملة الرئاسية الفرنسية في بداية عام 2017، فقدت الدعم. ونفس الديناميكية تَحدُث اليوم في إيطاليا، حيث اضطر الحزبان الشعبيان اللذان يملكان زمام السلطة إلى التراجع عن التعليقات الشكوكية التي صرحا بها مُسبقا بشأن اليورو، ليُبَيِّنا أن موضوع "خروج إيطاليا" لن يعرض للمناقشة.

وكما يرى الشعبيون القاريون، فالانفصال يفرض مطالبا مستحيلة على الزعماء. ففي إطار العمل الواقعي، ينبغي على الحكومة أن تمثل مصالح البلد على أحسن وجه. لكن المصالح القومية في ديمقراطية تعددية معرضة للنقاش والاختلاف. والمرة الوحيدة التي كانت فيها الواقعية منطقية في تأويلها للعالم، كانت في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كانت الديمقراطية في أزمة، وفقط الاستبداديون من كان يستطيع تطبيق هذه النظرية.

وخلال حملة يونيو/حزيران 2017، تعهدت مي أنها ستقود حكومة "قوية ومستقرة". ولكن لأنها لا تستطيع أن تحكم كما يفعل الحاكم المستبد، لم تعد صفات" قوية ومستقرة" خيارا، والفضل يرجع إلى بريكسيت.

المصدر: PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

عالميا.. حرية التجمع والإحتجاج بخطر
ما العمل الآن في أميركا؟
صراع عسكري عالمي كبير على الأبواب