بيروت - لبنان 2020/08/15 م الموافق 1441/12/25 هـ

لا سيدي الرئيس، الصحافيون ليسوا أعداء الشعب

حجم الخط

بعد 75 عاماً من الهيمنة على العالم، باتت أميركا في انحدار حاد. فقد سلّط "كوفيد-19" الضوء على أوجه قصور زعيم يتصرف كما لو أنه خرج من صفحات مدونات المؤرخ تاسيتوس عن حياة الأباطرة الرومان. وتُصنّفه مجموعات المؤرخين بانتظام على أنه أسوأ رئيس أميركي منذ وارن هاردينغ. وبمقارنته [ذلك الزعيم]، يتّخذ حتى جورج دبليو بوش هيئة رئاسيّة.

أصبح من الصعب تذكُّر كيف كانت الولايات المتحدة ذات مرة متفوقة للغاية. ولقد زرت أميركا للمرة الأولى في صيف 1963 كشاب منبهر للغاية يبلغ من العمر 18 عاماً. كان كينيدي لا يزال رئيساً، وبالمقارنة مع ما وجدته في أسفاري من مدينة نيويورك إلى جنوب كاليفورنيا، بدت بريطانيا كأنها أطلال سخيفة من الماضي. آنذاك، دأب سياسيونا كبار السّن على التجمّع ببدلاتهم الصباحية وقبعاتهم الرسمية، فيما نظامنا الطبقي يخنق أمة بأكملها. في المقابل، بدت أميركا متقدمة علينا بلا نهاية، وغنية وحيوية على نحو يتجاوز أحلامنا.

ولقد أشار مقال في مجلة صادفتها في ذلك العام أنه "عندما نرى شيئاً شاباً ومغامراً ومثيراً، نقول إنه أميركي". وأخبرني الجميع، من الطلاب إلى المسنين ممن تخطوا الثمانين، يقولون لي "إننا دولة شابة". وفي جبل "راشمور" حيث ألقى دونالد ترمب خطابه المقلق والانتقامي قبل أيام، ذكر أحد القساوسة من ولاية واشنطن "أننا المدينة المُشادة على رأس التل، يا بني". [إشارة إلى كونها مدينة فاضلة]. لم تكن أميركا مجرد الدولة الأكثر ثراءً والأقوى من كل الدول على وجه الأرض، بل كانت متفوقة أخلاقياً أيضاً.

وبالطبع، كان ثمة جانب أكثر قتامة. فقد حصلتُ على توصيلة دامت عشرة أيام من "نيوجيرسي" إلى "ساوث داكوتا"، من سائق شاحنة يضرب أشخاصاً من أجل نقابة الشاحنات، وقد أسْعَدَهُ أن يخبرني عن ذلك بتفاصيل مروعة. وفي شيكاغو ضللت الطريق إلى "نورث لونديل" فقُبِضَ عليّ "من أجل سلامتي". وقد أمضى رجال الشرطة البيض الذين اعتقلوني الساعتين التاليتين في إخباري عن كيفية تعاملهم مع السود المتغطرسين، من دون أن يلفظوا كلمة "السود". أما في مدينة نيويورك، فقد شاهدتُ تظاهرة، أو أعمال شغب عرقية وفق ما وصفتها صحف اليوم التالي، ورأيت كيف تعاملت الشرطة مع المتظاهرين السود بوحشية. فقد تعرض رجل للضرب وهو ملقى على الأرض، ورُكِلَ وسُحِبَ وهو فاقد للوعي بينما نزف الدم من رأسه. لم تكن هناك إشارة لذلك في نيويورك تايمز في اليوم التالي.

في المقابل، آنذاك بدت مثل تلك الأشياء مجرد انحرافات. إذ مثّلت أميركا "ماغا لاند،" العصر الذهبي الذي وعد به ترمب وفشل في العودة إليه. قد يكون الأمر مزعجاً وينطوي على استخفاف ويفتقر تماماً إلى الوعي بالذات، لكنه دُعِم حينئذٍ بمبادئ أخلاقية حقيقية.

وبصفتي شخص يطمح لأن يكون صحافياً، في تلك الآونة، تحدثت إلى مجموعة واسعة من الأشخاص في الصحف والتلفزيون الذين آمنوا جميعهم بالتفوق الأخلاقي لأميركا، حتى المشكّكين منهم. بعد بضع سنوات، أصبح صحافيون كوودوارد وبرنشتاين أبطالاً وطنيين لأنهم تمسكوا بالمبادئ الأميركية في مواجهة إجرام نيكسون. وقد اعتقد الناس أن ذلك ما وُجدت من أجله وسائل الإعلام.

وسُمح لي بمرافقة صحافيين من نيويورك في تظاهرة السود التي كنت شاهداً عليها. تصرفت الشرطة بلطف لا يخلو من قلق تجاه الصحافيين وتجاهي. لكن بالطبع، في تلك المرحلة لم يخبر الرؤساء الأميركيون أتباعهم بأن الصحافيين هم أعداء الشعب، على غرار ما فعل الرئيس ترمب. فقد ترسّخت هذه الرسالة، وسَمِعَتْها وتصرّفتْ على أساسها الشرطة الأميركية، التي يجري توظيف عناصرها غالباً من القواعد الصلبة الداعمة لترمب.

في الأسبوع الماضي، عندما ألقي القبض على أندرو بونكومب، كبير مراسلي صحيفة "اندبندنت" في الولايات المتحدة، بسبب تغطية تظاهرة حركة "حياة السود مهمة" في مدينة "سياتل"، تصرفت الشرطة معه بوحشية كما لو كان سجيناً في [معتقل] "غوانتانامو". وقد بدت مروعة، رواية بونكومب الهادئة، وغير العاطفية عن الوحشية المبتذلة التي عومل بها مع سجناء آخرين. ففي ظل أي رئيس أميركي سابق، كان من شأن انحطاط الشرطة الأميركية أن يثير قلقاً فورياً. لكن ليس في ظل ولاية دونالد ترمب.

منذ 2016، بلغ متوسط القتلى على أيدي الشرطة الأميركية ألف شخص سنوياً. وشكّل الذكور البيض 45 في المئة منهم، والسود 23 في المئة، وتلك نسبة غير متكافئة [مع نسبة السود إلى عدد السكان]، والذكور من أصل لاتيني 16 في المئة. وقد حمل 54 في المئة من القتلى أسلحة، وعانى 25 في المئة اضطرابات عقلية واضحة. وفي معظم المدن الأميركية الكبرى أصبحت الشرطة عبارة عن قوة شبه عسكرية، مسلحة ومدرعة مثل الجنود. في أوقات التوتر يعاملون مواطنيهم بالطريقة التي رأيت بها الجنود الأميركيين يتصرفون تجاه المشتبه فيهم في العراق وأفغانستان، أي بأقصى قدر من العنف المفتقر إلى التفكير. ومثلهم مثل الجنود الأميركيين، نادراً ما يخضعون للتأديب أو العقاب بسبب ذلك.

واليوم، تغلي أميركا بالحقد والكراهية. ولم يسبق أن انحدرت أي دولة كبرى أخرى حتى الآن بهذه السرعة. ففي عهد ريغان وكلينتون وأوباما، كانت لا تزال رائدة عالمياً، دولة يتطلع إليها الإنسان، ومحبوبة من قبل غير الأميركيين من أمثالي. والآن، انزلقت مدنها إلى العنف، بينما تأخذ الصين مكانها في العالم الخارجي. وكذلك يظهر استطلاع رأي تلو الآخر أن عدداً أقل بكثير من الأجانب أصبحوا يتطلعون إلى أميركا ترمب. وحتى لو هُزم في نوفمبر (تشرين ثاني)، هل من المحتمل حقاً أن يجد خليفته ترياقاً للسم الذي جرى التشجيع على ضخّه في عروق دم المجتمع الأميركي؟


المصدر: اندبندنت


أخبار ذات صلة

نصر الله يتهم جعجع بالتحريض على إسقاط الدولة ويقترح على [...]
جريدة اللواء 15-8-2020
البطريرك الراعي يتوسط السفيرة شيا والموفد الاميركي هيل في الديمان
«فيتو» أميركي على «حزب الله» بالحكومة .. و«المحور» يرفض الإملاءات [...]