بيروت - لبنان 2020/08/15 م الموافق 1441/12/25 هـ

محنة ليبيا بعد أفغانستان وسوريا واليمن.. فتش عن الغرب والأمم المتحدة

حجم الخط

تشبه محنة ليبيا الغنية بالنفط والمقسمة إلى قبائل، محنة العديد من البلدان الأخرى التي مزقتها الحرب في الشرق الأوسط الكبير، وهي أفغانستان وسوريا واليمن. وفي كل دولة، أدى مزيج من الصراع الداخلي، والتدخل الخارجي المضلل إلى صراع طويل الأمد.

وفي إشارة إلى الغزوات الأمريكية لأفغانستان (2001)، والعراق (2003)، قال وزير الدفاع السابق، روبرت غيتس، في مذكرته Duty (المهمة) لعام 2014، بأن الولايات المتحدة أدت أداءً حسنا في الإطاحة بنظام معين، ولكن لم يكن لديها أي فكرة عن نظام آخر يحل محله. وقال غيتس بأن السبب هو أن الولايات المتحدة أخفقت في النظر في التعقيدات الوطنية والإقليمية. وينطبق الشيء نفسه على التدخل العسكري بقيادة الناتو في ليبيا عام 2011.

إن مصادر الأزمة الليبية الحالية داخلية وخارجية. إذ تم إسقاط ديكتاتورية العقيد معمر القذافي في أكتوبر 2011، في انتفاضة شعبية خلال ما يسمى الربيع العربي. وسقط القذافي نتيجة لتدخل مسلح إنكليزي- فرنسي مدعوم من الولايات المتحدة؛ وكان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد أذن به على أساس "مسؤولية حماية" الشعب الليبي.

ولكن لا القوات المتمردة، ولا القوى المتدخلة تملك خططاً لتشكيل نظام سياسي ما بعد القذافي في بلد منقسم بعمق. ولم يكن لدى الفصائل الثورية أجندة موحدة لما بعد إنهاء حكم القذافي الإجرامي، في حين افتقر المتدخلون إلى استراتيجية لمساعدتها على بناء نظام جديد مستقر.

وتغلبت قوى التدخل على قوات القذافي بسرعة، لكنها أخفقت في التعامل مع النتائج المقصودة وغير المقصودة لذلك التدخل. وأعادت ارتكاب نفس الأخطاء التي ارتكبتها أمريكا في أفغانستان والعراق في وقت سابق، فقد قللت من شأن الطبيعة القبلية للمجتمع الليبي، والأهمية الجيوستراتيجية لموقع البلد في منطقة شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. وبدت القوى الأجنبية أكثر تركيزًا على حماية احتياطيات النفط المربحة في ليبيا منها على مساعدة شعب البلاد على استعادة الشعور بالوحدة الوطنية، وبناء نظام محلي شامل وتمثيلي.

ولأن ليبيا انزلقت نحو الفوضى بسرعة، حيث سيطرت الجماعات المسلحة من مختلف الفصائل على أجزاء مختلفة من البلاد، رأت القوى المتدخلة أنه من المناسب تقليص مشاركتها. وفوق كل شيء، أرادت تجنب الوقوع في المستنقع الذي واجهته الولايات المتحدة في العراق، وما زالت تواجهه في أفغانستان. وسمح هذا القرار للقوى الإقليمية والنائية أكثر، بالسعي وراء مصالحها الخاصة في ليبيا من خلال الدخول في النزاع لدعم مجموعات مختلفة.

ومنذ عام 2015، أصبح فصيلان متحاربان عالقين في صراع دموي متزايد على السلطة للسيطرة على البلاد: حكومة الوفاق الوطني التي تحظى باعتراف الأمم المتحدة، ومقرها في طرابلس، والجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء المتمرد خليفة حفتر ومقره طبرق. وقد تمكنا من الحفاظ على صراعهما إلى حد كبير بسبب الدعم الأجنبي، وبتكلفة بشرية واقتصادية عالية جدًا يتحملها الشعب الليبي. وقدمت تركيا وقطر وإيطاليا دعما قويا لحكومة الوفاق الوطني، في حين ساعدت مصر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وروسيا، وفرنسا، الجيش الوطني الليبي. وتأرجحت الولايات المتحدة بين الاثنين، على الرغم من أن الرئيس، دونالد ترامب، قد أبدى تفضيله لحفتر.

وفي تطور مقلق مؤخراً، حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تركيا والقوات المتحالفة معها من الاستيلاء على مدينة سرت الاستراتيجية، التي يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي حالياً (إلى جانب قطعة كبيرة من الأراضي الممتدة شرقاً حتى حدود ليبيا مع مصر). وعلى الرغم من أن تركيا ومصر لا تريدان على الأرجح مواجهة عسكرية مباشرة، خاصة بالنظر إلى مشاكلهما الداخلية الخطيرة، إلا أن وضعهما يمكن أن يؤدي إلى صدام يزعزع استقرار منطقة شمال إفريقيا، والبحر الأبيض المتوسط بصورة خطيرة.

إن عدم وجود إجماع وطني وإقليمي ودولي يعني أن محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف قد فشلت حتى الآن في تحقيق أي نتائج ملموسة، مع تعنت من جانب أو نسف للمفاوضات من الجانب الأخر. وأدى الجمود في ليبيا إلى عدم الاستقرار الهيكلي في البلاد، وانعدام الأمن على المدى الطويل، مع احتمال ضئيل للعودة في أي وقت قريب إلى درجة من الحياة الطبيعية، التي يمكن أن توفر الأمل لمعاناة الناس.

وسيتطلب إنقاذ الوضع قوى خارجية للانسحاب، والسماح للشعب الليبي بتحديد مستقبله. ولسوء الحظ، أصبحت موارد ليبيا النفطية وأهميتها الجيوسياسية، نقطة جذب للتدخل الخارجي ولعنة لمواطنيها.


المصدر: project syndicate 

(ترجمة: نعيمة أبروش)



أخبار ذات صلة

تقارب فرنسي أميركي إمارتي في شرق المتوسط
احصاءات غرفة التحكم للحوادث التي تم التحقيق فيها خلال ال [...]
من اللعب بجوهر الطائف إلى تعديله قبل التطبيق