بيروت - لبنان 2020/10/27 م الموافق 1442/03/10 هـ

مسارات أربعة للعلاقات الأميركية الصينية

حجم الخط

لن نجد علاقة دبلوماسية ثنائية أكثر أهمية من تلك بين الولايات المتحدة والصين، والتي تؤثر ليس على البلدين وحسب بل وعلى البشرية جمعاء. والآن، يتوقف مستقبل هذه العلاقة على من سيقود كل من البلدين في السنوات القادمة.

في الولايات المتحدة، لا يفصلنا عن الانتخابات الرئاسية التالية سوى شهرين، وإذا لم تتعقد الأمور ، فسوف يؤدي اليمين في العشرين من يناير/كانون الثاني 2021 إما الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترمب أو منافسه الديمقراطي جو بايدن. ولكن في حالة الصين، يفترض الجميع تقريبا أن الرئيس شي جين بينج سيحتفظ بزمام الأمور إلى أجل غير مسمى. ولكن في حين يبدو التغيير في القيادة الصينية العليا أمرا بعيد الاحتمال، فإنه ليس في حكم المستحيل . وعلى هذا، ينبغي لنا أن نفكر حقا في أربعة سيناريوهات محتملة منفصلة في العلاقات الصينية الأميركية.

أولا، لنفترض أن بايدن فاز وأن الصين لا تزال تحت قيادة شي جين بينج للأمد البعيد. في تعليق نشرته مجلة فورين آفيرز في وقت سابق من هذا العام، وَعَـد بايدن بأن تكون أولويته الرئيسية في السياسة الخارجية كرئيس استعادة قيادة أميركا العالمية وتحالفاتها الديمقراطية. وهو يريد الاستثمار في البنية الأساسية، والتعليم، والبحث والتطوير. في ظل إدارة بايدن، يستطيع المرء أن يتوقع أقل قدر من الدراما والخطاب التحريضي تجاه الصين.

لكن الإجراءات الصارمة ضد السياسات الصناعية والخارجية الصينية ستظل بلا شك مطروحة على الطاولة. وبمجرد استعادة التزام أميركا بالدفاع عن النظام العالمي الليبرالي، سيكبح قادة الصين محاولاتهم لانتزاع القيادة العالمية. وإذا تحققت أجندة بايدن، فسوف تكون الولايات المتحدة أكثر أمانا، وبالتالي أقل ارتيابا وتشككا إزاء صعود الصين.

في السيناريو الثاني، يحقق ترمب انتصارا مفاجئا آخر، مع ما يصاحب ذلك من تداعيات عميقة على العلاقات الأميركية الصينية. في حين اعتُـبِـر انتصار ترمب المربك وغير المتوقع في عام 2016 على نطاق واسع على أنه ضربة حظ، فلابد أن يُـعَـد انتصاره لمرة ثانية إقرارا لنزعته القومية الدهمائية وكراهيته للأجانب. في بلد منقسم بشدة وغير آمن، قد تصبح معارضة الصين القضية الوحيدة التي يمكن أن يتبناها الأعضاء على جانبي الانقسام الحزبي. ومع وجود ترمب في المنصب لثماني سنوات، فإن الضرر الذي سيلحق بمكانة أميركا العالمية سيكون طويل الأمد، إن لم يكن دائما.

صحيح أن المراقب المتفائل ربما يزعم أن ترمب، بعد إعادة انتخابه، سيتجه إلى تخفيف مواقفه والتركيز على عقد الصفقات مع الصين بدلا من إذكاء نيران العداوة. ولكن إذا كانت السنوات الأربعة الأخيرة أظهرت أي شيء فهو أن ترمب يلعب فقط لاسترضاء قاعدته ، التي تستجيب للنداءات العاطفية، وليس التحليل العقلاني والتداول. والفوز بولاية ثانية من شأنه أن يزيد من جرأة إدارة ترمب في تقريع الصين إلى أقصى الحدود.

هذا السيناريو مروع من منظور الصين، لكنه سيكون بمثابة هدية للرئيس الصيني شي جين بينج سياسيا. فكلما ازدادت الولايات المتحدة انغماسا في ذم وتشويه سمعة الصين، كلما احتشد المزيد من المواطنين الصينيين ــ حتى أولئك الذين يبدون الاستياء إزاء سيطرة شي الديكتاتورية ــ خلفه. وكل من يجرؤ على انتقاد شي جين بينج داخل الحزب الشيوعي الصين، سيتهم بمساعدة معتدين أجانب ، وبالتالي يعني هذا إسكاته فعليا.

مع ذلك، لا يمكن استبعاد التغيير على مستوى القيادة العليا في الصين. ومع نجاح الصين في احتواء جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) في حين يتواصل تخبط الولايات المتحدة في مواجهتها، يبدو أن شي جين بينج فاز حقا. وبعد أن تخلص من حدود الولاية الدستورية، فربما يظل القائد الأعلى للصين مدى الحياة.

ولكن خلف واجهة الزعيم الذي لا يُـقـهَـر هذه، يجب أن يشعر شي جين بينج بانعدام الأمان، مثله في ذلك كمثل ترمب في أعقاب الجائحة. فعلى الرغم من اليقين بشأن تعرضهم للعقاب، أدلى بعض كبار أعضاء الحزب الشيوعي مؤخرا بتصريحات ضد شي، وفي ما يتصل بقضايا اقتصادية رئيسية، أصبحت مواقفه ومواقف رئيس وزراءه في تناقض صريح ، ولا يخلو هذا من شذوذ في السياسة الصينية. وفي السياسة الخارجية بشكل خاص، تسبب نهج شي المتزايد العدوانية في خلق المزيد من الأعداء للصين في وقت يتسم بضغوط محلية غير مسبوقة.

لتأمين الاستقرار السياسي اللازم للنمو الاقتصادي، بذل دنج شياو بينج، الزعيم البارز الذي أطلق "الإصلاح والانفتاح" في أواخر القرن العشرين، جهودا عظيمة لإرساء قواعد القيادة الجماعية والخلافة المؤسسية. ولكن لأن شي عمل على تفكيك هذه المعايير بشكل منهجي، فإن الحزب الشيوعي الصيني يواجه الآن موقفا حيث كل النتائج السياسية ممكنة: فقد يتمتع الرئيس شي بمنصبه مدى الحياة، أو يُـجـبَـر على تسليم السلطة في عام 2022، أو يُـسـقَـط في انقلاب مفاجئ. ولا ينبغي لنا أن نتصور أن غياب الانتخابات الدورية يجب أن يعني أن السياسة الصينية بطبيعتها أكثر استقرارا من السياسة الأميركية أو غيرها من الديمقراطيات.

لنفترض، على سبيل وضع السيناريوهات، أن زعيما صينيا جديدا قرر التفاوض مع بايدن أو ترمب. في عهد بايدن، يستطيع المرء أن يتوقع على الأقل انخراط أميركا في دبلوماسية مهنية. ولكن إذا تزامن الارتباك السياسي في الصين مع ولاية أخرى لترمب، فإن هذا يعني توقف كل الرهانات.

كما تقول مزحة قديمة، فإن التنبؤ مهمة صعبة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمستقبل. لا أحد يستطيع أن يجزم عن يقين بما قد يحدث في الأشهر والسنوات المقبلة، لأن النتائج المحتملة تتغير على نحو لا ينقطع بفعل تصرفات وصدمات حالية مثل الجائحة و الفيضانات غير المسبوقة . وحتى الخطط الموضوعة بأكبر قدر من العناية والدقة قد تُـحـبَـط بسبب تطورات غير متوقعة. ولكن ما يستطيع صناع القرار ــ وما ينبغي لهم ــ أن يفعلوا يتمثل في النظر في سيناريوهات مختلفة تستند إلى السمات والاتجاهات الحالية.

إن تعليق المرء كل آماله على نتيجة تبدو أكثر ترجيحا أو مرغوبة أكثر من غيرها يعني المجازفة بالخضوع لحالة خطيرة من الشعور بالرضا عن الذات. وعندما يتعلق الأمر بالقضايا الحاسمة في العلاقات الأميركية الصينية، يتمثل النهج الحكيم في النظر إلى المستقبل وتخيل كل الاحتمالات، حتى وإن بدت غير متصورة على الإطلاق الآن.


المصدر: project syndicate

الترجمة: إبراهيم محمد علي



أخبار ذات صلة

الخارجية الروسية: تأجيل كل زيارات سيرغي لافروف إلى أجل لاحق [...]
إغلاق محطات في مترو شارع الشانزيلزيه وسط باريس وسط انتشار [...]
وزير الصحة في حكومة تصريف الاعمال حمد حسن يدهم في [...]