بيروت - لبنان 2020/05/25 م الموافق 1441/10/02 هـ

«هجوم إلكتروني» محتمل على العالم.. هل القيادة العالمية جاهزة؟

حجم الخط

تسارعت وتيرة انتشار فيروس كوفيد 19 بكل مهول في العالم، الشيء الذي أدى إلى قلب جميع الحسابات. كما أن هذه الأزمة اختبار سريع للأجهزة النظامية. في حين أنه من السابق لأوانه إصدار الحكم النهائي، من الواضح بالفعل أن الولايات المتحدة - وليس فقط قيادتها الحالية - ستحتاج إلى إصلاح شامل.

إن التعامل بجدية مع المخاطر النظامية يُعد بمثابة اختبار لنظام الحكامة. يُدرك أولئك الذين يجتازون هذا الاختبار أنه يتعين عليهم إغلاق مدينة أو دولة بأكملها رغم تسجيل حالات إصابة قليلة فقط جراء انتشار فيروس شديد العدوى. اتخذت سارة كودي، مسؤولة الصحة العامة في مقاطعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا، ورئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن تدابير مُماثلة لمواجهة وباء كوفيد 19. لقد حققت إدارتهما الفعالة للمخاطر نجاحًا هائلاً.

في الواقع، يُساعد ذلك على تكوين قادة سياسيين يتمتعون بخلفية علمية، استنادًا إلى نجاح ألمانيا في إدارة الأزمة تحت قيادة المستشارة أنجيلا ميركل (فيزيائية مُدربة)، أو نجاح أيرلندا بزعامة رئيس الوزراء ليو فارادكار (طبيب). ومن المؤكد أن تنفيذ الحكومات التي تقودها النساء لحصة غير متناسبة من أكثر الاستراتيجيات فعالية ليس من قبيل الصدفة.

عرفت الولايات والمدن التي كانت أبطأ في الاستجابة، مثل مدينة نيويورك، ارتفاعًا كبيرًا في عدد الوفيات. على المستوى الوطني في الولايات المتحدة، يمكن أن تُعزى استجابة الرئيس دونالد ترامب الكارثية لوباء كوفيد 19 مباشرةً إلى عدم تقدير المخاطر، بدءًا من قرار إدارة ترامب عام 2018 بتفكيك فريق الاستجابة للأوبئة التابع لمجلس الأمن القومي. لقد أصبح من الواضح تمامًا الآن أن تقييمات المخاطر المُستندة إلى العلم والذكاء ضرورية للقيادة السياسية الفعالة. عادة ما يتبع ترامب غريزته "الداخلية".

لا شك أن الولايات المتحدة لا تحتكر القيادة غير المُؤهلة، وحتى القادة الأفراد الفعالون لا يمكنهم فعل الكثير. وبالمثل، تلعب الأنظمة دورًا مهمًا للغاية.

طالبت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة بواحدة من أكثر الاقتصادات ديناميكية في العالم، نظرًا لتركيزها على المرونة والكفاءة. ولكن كما أشار الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل جوزيف إي. ستيغليتز، في أوقات الأزمات، يُصبح الافتقار إلى "مُخففات الصدمات" التي تنطوي عليها الديناميكية على الطريقة الأمريكية واضحا للغاية، ناهيك عن اتساع فجوة عدم المساواة.

بعد انتهاء وباء كوفيد 19، ستحتاج الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأخرى إلى تعزيز أجهزتها الدفاعية ضد مجموعة واسعة من المخاطر التي لم يتم تقديرها حتى الآن. تتمثل الخطوة الأولى في تعزيز قدرات الاستجابة للأوبئة الوطنية والمتعددة الأطراف، ليس أقلها زيادة الاستثمار في المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية، والوكالات والمؤسسات الأخرى ذات الصلة.

لكن الأوبئة القاتلة لا تُمثل سوى واحدة من بين العديد من التهديدات المُحتملة التي تلوح في الأفق. تشمل "التهديدات الكُبرى" المحتملة الأخرى: هجوم إلكتروني شامل؛ عاصفة شمسية على نطاق حدث كارينغتون 1859 (الذي قضى على البنية التحتية للاتصالات الأرضية)؛ زلزال مهول، على سبيل المثال، في طوكيو أو شمال غرب المحيط الهادئ للولايات المتحدة؛ أو أي عدد من الكوارث الناجمة عن تغير المناخ.

عند التفكير في المخاطر، تُصبح الاحتمالات مُهمة بقدر التأثير المحتمل. مباشرة بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، صاغ نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ما يُعرف باسم "عقيدة الواحد بالمائة"، حيث جادل أنه "إذا كان هناك احتمال بنسبة 1٪ أن العلماء الباكستانيون يساعدون منظمة القاعدة" في بناء أو تطوير سلاح نووي، يجب التعامل معه على أنه أمر واقع لا محالة في كيفية ردنا عليه". على الرغم من أن تشيني كان يتجاهل الاحتمالات ويُشارك في غالب الأحيان في المسرح السياسي، إلا أن تصريحاته قريبة من الطريقة التي يجب أن تفكر بها الحكومات لمواجهة المخاطر المهولة.

في الولايات المتحدة، تلعب الحكومة بالفعل دور مُشابهًا لمواجهة بعض المخاطر: مثلا احتياطي البترول الاستراتيجي والمخزون الوطني الاستراتيجي للمعدات الطبية. لكن مجرد إنشاء مثل هذه المؤسسات ليس كافيًا، يجب أن تتم إدارتها بكفاءة، كما يُظهر الفشل في توفير الموارد الطبية اللازمة في الأزمة الحالية.

علاوة على ذلك، من واجب الحكومة مُطالبة القطاع الخاص بالحفاظ على احتياطي نقدي من أجل توفير المرونة ضد المخاطر النظامية. تخضع البنوك للحد الأدنى من متطلبات الاحتياطي لسبب وجيه. (ومع ذلك، هناك مجال لتحقيق التقدم. يتعين على صناع السياسات أخيرًا إتباع الدروس المُستفادة من انهيار إدارة رأس المال الطويل الأجل لعام 1998 ومنع البنوك من تحويل المخاطر التي تواجهها بعيدا عن ميزانياتها العمومية الخاصة نحو صناديق التحوط وغيرها).

يجب أن يذهب الإصلاح الحقيقي لإدارة المخاطر إلى أبعد من ذلك. بداية، تحتاج الولايات المتحدة والحكومات الأخرى في جميع أنحاء العالم إلى التوقف عن تعميم المخاطر دون التفكير في العواقب الاجتماعية. ينبغي ألا تكون هناك عمليات إنقاذ للشركات دون منحها حصة في الأسهم العامة؛ كما ينبغي إعفاء الدائنين من القطاع الخاص.

انتقد البعض وارن بافيت للتفاوض على شروط مواتية لاستثمار مليارات الدولارات في جولدمان ساكس وبنك أمريكا بعد انهيار عام 2008. يجب أن تكون الحكومة، التي تعمل نيابة عن الشعب، المُستثمر الأكثر تطورًا على الإطلاق.

أخيرًا، باعتبارها شركة تأمين ومُستثمرة الملاذ الأخير، فمن المناسب تمامًا أن تقود الحكومة عملية إعادة تنظيم مؤقتة وحاسمة للاقتصاد عندما تستدعي الظروف ذلك. سواء كان ذلك استجابة لوباء أو لأزمة أكبر وأبطأ مثل تغير المناخ، على الحكومة تقييم المخاطر في جميع المجالات، وضمان عمل الأنظمة المالية والطاقة والصحة وأنظمة النقل لصالح أولويات اجتماعية أوسع نطاقا.

على الرغم من أن وباء كوفيد 19 كان متوقعًا بشكل كبير، إلا أنه فاجأ الجميع، مما كشف عن افتقارنا للأدوات اللازمة لمواجهته. مع وجود كوارث متوقعة أخرى في المستقبل، لا يوجد عذر لتأجيل بناء القدرة على التكيف والصُّمود. إن منح المخاطر النظامية اهتمامًا كبيرًا حتمًا سيؤدي إلى تراجعها. المرونة تعني التكرار، والذي غالبًا ما يُنظر إليه على أنه عكس الكفاءة. قد يكون ذلك صحيحًا فقط في حال اعتمد المرء أفقًا زمنيًا محدودًا أو تجاهل التكاليف الخارجية بالكامل. لا ينبغي للحكومات القيام بذلك.

يتمثل الدرس المُستفاد من وباء كوفيد 19 في أن تأخير عملية وضع السياسات الحكيمة لا يؤدي فقط إلى ارتفاع التكاليف الهامشية في المستقبل، بل يضعنا أيضًا على مسار مختلف تمامًا يمكن أن ينتهي بسهولة كبيرة إلى كارثة.

المصدر: project syndicate

 


أخبار ذات صلة

جعجع: الصيغة اللبنانية لم تنته بعد
"كورونا".. فحوص قصر عدل زحلة بدأت
أول ظهور علني لبايدن منذ آذار