بيروت - لبنان 2018/06/19 م الموافق 1439/10/04 هـ

هل ينبغي لأهل الاقتصاد أن يصدروا أحكاما أخلاقية؟

حجم الخط

بودابست ــ حضرت مؤخرا ندوة حول رسالة دكتوراه في اقتصاديات العمل في جامعة أوروبا الوسطى في بودابست. وفي الندوة تناولنا ما إذا كان مخطط الحكومة المجرية الذي يركز على البطالة الطويلة الأجل ناجحا بالقدر الكافي، كما طرحنا مجموعة من المشاكل الفنية على المرشح لنيل درجة الدكتوراه.

لكني خرجت من التجربة منزعجا، وتساءلت ما إذا كان المحترفون من أهل الاقتصاد (وخاصة في الغرب) في احتياج إلى إعادة تقييم السياق الأخلاقي والسياسي الذي يديرون فيه أعمالهم. ألا ينبغي لخبراء الاقتصاد أن يسألوا أنفسهم ما إذا كان من المبرر أخلاقيا تقديم المشورة، ولو حتى الفنية فقط، لحكومات انتهازية أو فاسدة أو غير ديمقراطية.

من المؤكد أن الحد من البطالة الطويلة الأجل من شأنه أن يخفف من الشرور الاجتماعية، وربما يضمن الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد العامة. ومع ذلك فإن تحسين الأداء الاقتصادي من الممكن أن يدعم حكومة سيئة. وهذه هي على وجه التحديد المعضلة التي تواجه خبراء الاقتصاد في مجموعة من البلدان، من الصين وروسيا وتركيا إلى المجر وبولندا. ولا يوجد سبب يجعلنا نعتقد أن خبراء الاقتصاد في "القلب الديمقراطي" (أوروبا الغربية وأميركا الشمالية) لن يواجهوا معضلة مماثلة في المستقبل.

على مر الزمن، عَرَض خبراء الاقتصاد ثلاثة مبررات أخلاقية أو سياسية مختلفة لعملهم الفني. يفترض المبرر الأول والأكثر بساطة أن "القوى المهيمنة" (المتلقين النهائيين لعملهم) تمثل "حكاما مستبدين خيرين" في القالب الذي وصفه جون ماينارد كينز (برغم أن كينز لم يعتبر البيروقراطيين البريطانيون في زمنه حكاما طغاة).

في سبعينيات القرن العشرين تحدى هذا الدفاع خبراء الاقتصاد من المنتمين إلى الطرف الآخر من الطيف السياسي الغربي، والذين أشاروا إلى أن البيروقراطيين يمثلون إحدى جماعات الضغط التابعة للموردين، مثلهم كمثل أي جماعة ضغط أخرى. وعلى هذا سيكون لديهم دوما مصلحة في توسيع أهميتهم الفردية والجمعية، بصرف النظر عما إذا كان هذا قد يعمل على تعظيم الفوائد الاجتماعية. ودفع هذا الافتراض خبراء الاقتصاد إلى "التشكيك في التدخل" وجعلهم يفضلون الحلول القائمة على السوق لأي مشكلة عندما لا تكون الحاجة إلى التنظيم واضحة.

وبين هذين الموقفين، كان أغلب خبراء الاقتصاد راضين عن ممارسة مهنتهم على افترض مفاده أنه على الرغم من مدى اهتمام البيروقراطيين بذواتهم، فإنهم خاضعون للإشراف من قِبَل ساسة ديمقراطيين تتلخص مصلحتهم الشخصية في إعادة انتخابهم عن طريق الإبقاء على الناخبين راضين. وما دامت الحلول الفنية التي يتوصل إليها أهل الاقتصاد للمشاكل السياسية تقدم إلى مسؤولين يتمتعون بشرعية ديمقراطية، فلا يوجد سبب لأي تخوف سياسي أو أخلاقي، وفقا لهذا الرأي.

الواقع أن حتى خبراء الاقتصاد في الدكتاتوريات الشيوعية ربما يعرضون أفضل مشوراتهم الفنية بضمير نظيف نسبيا، لأنهم مقتنعون بأن تقديم المزيد من النتائج التي تتسنى بوساطة السوق من شأنه أن يضخ الكفاءة في شرايين الاقتصادات المخططة وأن يزيد من مجال الحرية الفردية. وكان هذا صادقا حتى في الاتحاد السوفييتي، على الأقل بعد وصول نيكيتا خروشوف إلى السلطة في خمسينيات القرن العشرين.

ولكن الآن، ولأول مرة منذ عقود عديدة، بات لزاما على خبراء الاقتصاد أن يضعوا في الاعتبار التداعيات الأخلاقية المترتبة على إعطاء النصيحة الجيدة لأناس أشرار. ولم يعد من الممكن استثناؤهم من المآزق الأخلاقية التي يجب أن يواجهها العديد من غيرهم من المحترفين ــ ويُعَد المهندسون الذين يصممون الصواريخ أو غير ذلك من أنظمة الأسلحة المثال الكلاسيكي هنا.

لعل المعضلة الأخلاقية الجديدة التي تواجه أهل الاقتصاد هي الأكثر قسوة ووضوحا داخل المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، حيث يكسب كبار الموظفين الاقتصاديين، الذين يفرضون قدرا كبيرا من النفوذ على السياسة العامة، معايشهم.

بعد سقوط الشيوعية على النمط السوفييتي، ألحقت المؤسسات المالية الدولية روسيا وغيرها من الجمهوريات السوفييتية السابقة (فضلا عن الصين) في عضويتها، على افتراض أن كلا منها كانت على الطريق نحو تبني الديمقراطية واقتصاد السوق القائم على القواعد. ولكن الآن مع تراجع الديمقراطية على نطاق واسع، يتعين على خبراء الاقتصاد أن يتساءلوا ما إذا كان المفيد للدول الاستبدادية مفيدا أيضا للإنسانية. وهذا التساؤل وثيق الصلة بالصين وروسيا، فكل منهما كبيرة بالقدر الكافي لكي تساعد في تحويل توازن القوى العالمية ضد الديمقراطية.

من المنطقي في هذه الحال أن يكون لزاما على الدول الديمقراطية أن تسعى إلى الحد من نفوذ الأنظمة الاستبدادية داخل المؤسسات المالية الدولية ــ إن لم يكن استبعادها تماما في الحالات القصوى. ولكن الأمر يستحق الاجتهاد في التمييز بين نوعين من المؤسسات الدولية في هذا السياق: الهيئات التي تضع القواعد التي تتلخص مهمتها في تسهيل التعايش بين الدول التي تتبنى إيديولوجيات أو مصالح وطنية متخاصمة؛ والمنظمات التي تخلق مجتمعا قويا من المصالح، بمعنى أن الفوائد الاقتصادية والسياسية لبعض الأعضاء "تتسرب وتنتشر" لتصبح ملموسة على نطاق أوسع.

وبين المؤسسات المالية الدولية، تُعَد منظمة التجارة العالمية مثالا على النوع الأول، كما هي حال الأمم المتحدة بين المؤسسات السياسية الدولية. من ناحية أخرى، يعتبر الاتحاد الأوروبي مثالا بارزا لمجتمع المصالح الحقيقي. ويقع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والعديد من هيئات الأمم المتحدة في مكان ما بين الاثنين.

من هذا التصنيف، يمكننا أن نستخلص مبادئ توجيهية لخبراء الاقتصاد يتبعونها عندما يقدمون المشورة للأنظمة الاستبدادية. ولابد أن تكون المشورة أو العلاقة التي تسمح للحكومات الاستبدادية بتجنب الصراع مع دول أخرى مقبولة من الناحية الأخلاقية في أغلب الحالات. فكما لاحظ ونستون تشرشل في مناسبة شهيرة، "تبادل الشتائم والسباب أفضل من الحرب". ومن الأمثلة الجيدة على هذا البحث الذي يقودنا إلى أفضل طريقة لتقاسم المياه العذبة النادرة بين دول الشرق الأوسط.

من ناحية أخرى، يتعين على أهل الاقتصاد أن يتوخوا الحذر الشديد عند تقديم النصيحة أو إدارة الأبحاث مع انعكاسات سياسية واضحة على الحكومات الاستبدادية. ولا ينبغي للاقتصاديين أن ينخرطوا في مساعدة الأنظمة الاستبدادية في الدفع بغايات شريرة على خلفية النمو الاقتصادي الأقوى أو الموارد المدخرة. وربما يعني هذا الامتناع عن إسداء النصيحة لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان حول كيفية الحد من البطالة الطويلة الأجل.

غني عن القول إن كل حالة ستكون فريدة، وسوف يضطر خبراء الاقتصاد إلى اتخاذ القرار بأنفسهم. وكما كانت الحال في الماضي، ربما يعتنق بعض أهل الاقتصاد الاستبداد. ولكن عندما نتحدث عن المهنة ككل، فلم يعد من الممكن أن نتجاهل العواقب الأخلاقية المترتبة على ترجمة التحليل الاقتصادي إلى ممارسة فعلية.

المصدر: PS، موقع "اللواء"



أخبار ذات صلة

النظام العالمي انقلب رأسا على عقب
من الخاسر في معركة بحر الصين الجنوبي؟
أردوغان يبيع عصير الليمون ومودي يدير كشك الشاي