بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 شباط 2021 12:04ص الصراع الدولي على لقاحات كورونا: حرب باردة صحية جديدة(5)

التدرّج بالإعتراف بنجاح روسيا والصين و«ديبلوماسية اللقاحات»‎

اعداد: د. طلال حمود * اعداد: د. طلال حمود *
حجم الخط
نُكمل هذه السلسلة من المقالات المُخصّصة للتداول في آخر اخبار الصراع الدولي الخفي  لكسب الحرب الدائرة عالمياً بين الدول الصناعية الكبرى حول تطوير وتسويق لقاحات مُضادّة لفيروس كورونا بالكلام عن عدّة نقاط اساسية تتمحور حول كيفية حصول تبدّل الرأي العام الغربي تجاه اللقاحات التي طوّرتها كل من روسيا والصين من موقع المُشكك بكل شيء،  الى المُطالب بدراسة الملفّات العلمية الدقيقة لهذه اللقاحات من اجل التمعّن بها وتدقيق نتائجها والمطالبة بالإسراع في ترخيص إستعمالها في الدول الأوروبية. ونشرح  كيف تمّ  التدرّج بالإعتراف بخسارة جولة حاسمة في هذه الحرب وبنتيجة ربح روسيا اولاً، والصين ثانياً ولو بدرجة اقلّ في فرض واقع جديد سوف يترك آثار جيو-سياسية وإقتصادية مُهمة بحيث انّ البعض بدأ يتكلّم اليوم عن ديبلوماسية من نوع آخر نستطيع ان نُطلق عليها إسم «ديبلوماسية اللقاحات». 
١- هكذا تبدّلت مواقف الدول الغربية  من الشكّ إلى الإعتراف والتبنّي: 
نتيجة  لكل المعطيات العلمية الدامغة التي ذكرناها في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة، فقد تبدّل المزاج الغربي الرسمي-السياسي والعلمي-الصحي والشعبي تجاه اللقاحات الروسية والصينية. وقد شهدنا خلال الأسبوعين الماضيين تغيّر كبير في مواقف بعض الدول ووسائل الإعلام الغربية تجاه اللقاحات الروسية والصينية. وكان ذلك واضحاً في تصريحات المستشارة الألمانية والمستشار النمساوي  ووزير الخارجية الفرنسية وغيرهم من المسؤولين الرسميين الأوروبيين الذين تعاني بلادهم من تخبّط وبطء كبير في إنطلاق عمليات التلقيح نتيجة النقص الهائل في الجرعات المتوفّرة من قِبل الشركات الغربية. فقد صرح وزير الصحة الألماني «ينس سبان» منذ ايام مثلاً بأنه في حالة موافقة الاتحاد الأوروبي على اللقاح الروسي واللقاحات الصينية ، فلن يكون هناك أي مانع أو عقبة لإستخدام هذه اللقاحات وتصنيعها بكميّات صناعية كبيرة في ألمانيا. في موازاة ذلك، اطلق العديد من المسؤولين الرسميين الفرنسيين والنمساويين وغيرهم  المواقف ذاتها حول إمكانية إنتاج هذه اللقاحات في بلادهم بكميات كبيرة بهدف تسريع عمليات التلقيح التي تشهد مِراوحة  كبيرة وإنتقادات شعبية وطبية مُتعددة في معظم الدول الأوروبية للأسباب التي شرحناها ايضاً سابقاً.  
في هذا الوقت قال عالم المناعة الفرنسي «آلان فيشر» إنّ الإتحاد الأوروبي ليس لديه حجّة لعدم التفكير في إستخدام لقاحات ضد الفيروس التاجي الجديد طوّرتها روسيا أو الصين.
إذاً، ما الذي يدفع الى تحوّل موقف البلدان الغربية من مُتردد، مُشكّك، سلبي إلى  مُتقبّل وإيجابي لفكرة إستعمال هكذا لقاحات؟
في حقيقة الأمر، إنه وتيرة تفشي فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) والحاجة المُلحّة لكميات كافية من اللقاحات المُضادّة للفيروس في معظم هذه الدول التي تكبّدت حتى اليوم ولا تزال، خسائر فادحة في الأرواح وعلى المستوى الإقتصادي-المالي.
ففي الواقع ان المرحلة الحالية تشهد تباطؤ كبير يقول الكثير من الخبراء انه تعثّر كبير في تقدّم نسبة الملقّحين  وسرعة توزيع اللقاحات المضادة لكوفيد-19 في معظم الدول الأوروبية الكبرى، مقارنة مع الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وبعض الدول الأخرى مثل الكيان الصهيوني والهند والبرازيل والإمارات العربية المتحدة كما ذكرنا سابقاً. وفي هذا الوقت قلّصت شركتا «أسترا زينيكا وفايزر» صادراتهما للقارة الأوروبية، بغية ضمان تأمين الكميات المطلوبة لتلبية حاجات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة البريطانية، وهذا  ما الحق ويُلحق ضرراً كبيراً فيما يتعلّق بإحتواء إنتشار  فيروس كورونا في معظم دول القارة العجوز، ويؤجّل عملية التلقيح في معظم دولها، ويُثير غضباً لدى الكثير من المُواطنين الأوروبيين الذين ارهقهم الحجر والإغلاق وتكبّد الخسائر الماديّة في كل المجالات تقريباً وخاصة الخدماتية منها. تحت هذه الضغوط المُتعدّدة، حوّلت الدول الأوروبية إنتباهها إلى اللقاحات الروسية والصينية، على أمل التأمين السريع للكثير من إحتياجاتها المُلحّة لأن دولة مثل فرنسا مثلاً لم تلقّح حتى اليوم اكثير من مليوني وربع مواطن فقط في حين ان دولة الإمارات مثلاً لقّحت حوالي 4,6 مليون شخص وإسرائيل لقّحت 6,4 مليون مواطن حتى اليوم.
ولذلك إرتفعت اصوات كثيرة وعلى كل المستويات، تُطالب بأن لا يهتمّ المسؤول والمواطن في آن الى بلد منشئ وأصول اللقاحات، طالما أنها آمنة وفعّالة. فهي لقاحات جيدة ولا داعي للتشكيك في هوية المُنتج. وهذا ما شكّل سبب مهمّ  لقيام المزيد والمزيد من السياسيين الأوروبيين «بالتحدّث» عن اللقاحات الروسية والصينية بشكلٍ إيجابي. والأهم من كل ذلك أن العالم كله يشهد أن الصين تتّخذ إجراءات عملية مُستمرّة للوفاء بوعدها الذي قطعته منذ بداية إنتشار الجائحة بأن تكون اللقاحات التي تطوّرها «منتجًا عامًا عالميًا ومُلكاً للبشرية جمعاء» كما اعلن الرئيس الصيني منذ فترة طويلة.
وفي الحقيقة، فبالنسبة للدول الغربية فإن الإعتراف بأمان وفعاليّة اللقاحات الصينية واللقاح الروسي، ليس أمراً  مُستغرباً او تنازلاً سياسياً او إقتصادياً تجاههما، فالتعامل مع العِلم بصورة موضوعية موقف إيجابي وبنّاء للوقاية من الوباء والسيطرة عليه، وتبادل الخبرة والتجربة بين مختلف الدول يدعم فرص النجاح في مجال مكافحة الوباء الذي  مضى أكثر من عام و بضعة اشهر  على  بدء إنتشاره إنطلاقاً من الصين.
٢-لوفيغار الفرنسية لقد ثبتت فعاليّة »سبوتنيك -5» الروسي والأصوات تتعالى لتقييمه وتسويقه:
كمُقيم في فرنسا منذ بدء إنتشار الجائحة وكمُراقب ومُتتبّع لأخبارها اليومية، استطيع ان اقول ان معظم  وسائل الفرنسية ومثيلاتها  الغربية تشهد يومياً نشر تقارير  إيجابية حول اللقاح الروسي واللقاحات الصينية. بحيث تتعالى الأصوات المُطالبة بتقييم هذه اللقاحات وخاصة الروسي منها في مُختلف الأوساط الأوروبية. وألتفتت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية مثلاً جيداً لهذا الأمر، في احد تقاريرها التي نُشرت مؤخراً والذي اشاد بالنتائج المهمة الذي حققها هذا اللقاح في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية التي كانت نشرتها منذ عدّة ايام مجلة «لانسيت» البريطانية العلمية الشهيرة.
وركّزت الصحيفة على تأكيد الخبراء البريطانيين المستقلين في تقرير «لانسيت» الذي أكّد  أن لقاح «سبوتنيك 5» الروسي فعًال بنسبة 91.6٪ ضد فيروس كورونا. واقتبست «لوفيغارو» تعليق اثنين من هؤلاء المُتخصصين، وهما البروفيسور «إيان جونز»، و»بولي روي» الذين اكّدا بأنّ: «النتائج الواردة في تلك الدراسة واضحة ودقيقة.  وقد تمّ إثبات المبدأ التقني-العلمي لهذا اللقاح، وهذا يعني أن لقاحاً إضافياً يُمكنه الآن الإنضمام بسرعة إلى ترسانة اللقاحات المُستعملة في المعركة الدائرة لتقليل عدد الإصابات والخسائر بكورونا. وذكّرت «لوفيغارو» بأن النتائج الأولى التي كان قد أعلن عنها مصمّمو «سبوتنيك 5» كان قد إستقبلها المجتمع العلمي الدولي والغربي خاصة، بريبة كبيرة خلال الخريف الماضي. ولكنّ  الأمور  تغييرت كثيراً في هذه المرحلة الحرجة، إذ يبدو أن المُجتمع العلمي يُصنّف هذا اللقاح حالياً بين أفضل اللقاحات أداءًا إلى جانب اللقاحات المُصمّمة من شركتي  بيوتنك/فايزر» و»مودرنا». وتابعت الجريدة الفرنسية : «ولكل هذه الأسباب فقد بدأت الأصوات ترتفع اوروبا في الأسابيع الأخيرة مُطالبةً وكالة الأدوية الأوروبية « بالإسراع في عمليات تقييم  هذا اللقاح وكذلك اللقاحات الصينية تمهيداً لتوزيعها بسرعة على المواطنين الذين تعبوا كثيراً من آثار كورونا المُدمّرة. وكان »صندوق الإستثمارات الروسي المستقل»قد اعلن منذ اسبوع  إن البيانات التي نشرتها «مجلة لانسيت» تُثبت أن «سبوتنيك -5» ليس أول لقاح مُسجّل في العالم فحسب (سجّلته روسيا في شهر آب 2020)،  بل هو أيضاً أحد أفضل اللقاحات، لأنه  يحمي بشكلٍ كامل من الحالات الخطيرة لفيروس كورونا، وفقاً للبيانات التي جمعها وقيّمها  الخبراء المستقلون البريطانييون». 

*  طبيب قلب وشرايين-باحث في جائحة كورونا
-مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود.