بيروت - لبنان 2018/11/15 م الموافق 1440/03/07 هـ

قصة اختراع اللقاحات والأمصال وخلاف العلماء الحاد حولها

حجم الخط

تنقذ اللقاحات الملايين من الأرواح، وتعتبر واحدة من أعظم الاكتشافات الطبية، فقد كان نصف الأطفال يموتون قبل قرنين فقط حتى القرن التاسع عشر، إذ كانت الأمراض المُعدية مهيمنة على حياة البشر، و توفي ما يقارب 50% من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الخامسة، وكان جميعهم تقريباً مصابين بالعدوى.

وتشير التقديرات في كل من كوبا والجزر المحيطة بها إلى أن ثلث السكان قد لقوا حتفهم بسبب مرض الجدري الذي بدأ سنة 1518، في حين توفي بقية الناجين بسبب الحصبة سنة 1529.

إدوارد جينر مخترع اللقاح أثناء تطعيم طفل

ومصطلح اللقاح والتلقيح مشتق من Variolaevaccinae (جدري البقر)، واستخدمه إدوارد جينر -مكتشف اللقاح- ليدل على جدري البقر في عام 1798 تحت عنوانه الأشهر «التحقيق في اللقاح الجدري المعروف باسم لقاح جدري البقر»، والذي وصف فيه التأثير الوقائي لهذا اللقاح ضد الجدري.

وفي عام 1881، اقترح العالم لويس باستور أن المصطلح يجب أن نوسّعه ليغطي كل لقاح جديد يُكتشف لاحقاً.

لكن هناك شروط ليكون اللقاح فعالاً

كي يكون اللقاح فعالاً لابد أن يحصل عليه 95% من السكان، وهي ظاهرة تعرف باسم «مناعة القطيع». وإذا اتخذ عدد قليل من أولياء الأمور قرار عدم حصول أطفالهم على اللقاح بسبب خطر مزعوم (الذي غالباً ما يكون زائفاً)، فإنهم يعرضون أعداداً كبيرة من الأطفال لخطر الإصابة بالمرض الذي من المفترض أن يحميهم منه اللقاح.

كان الصينيون والعثمانيون يستخدمون «التطعيم» لعدة قرون، وهو إجراء يتم فيه حقن أشخاص بمرض الجدري داخل الأنف أو تحت الجلد. وقد توفي بعض المرضى الذين تلقوا التلقيح، لكن عدداً قليلاً منهم أصيبوا بالمرض بالطريقة التقليدية.

وللتعرف على قصة اكتشاف اللقاح على يد الدكتور إدوارد جينر في عام 1798، شاهد الفيديو المترجم التالي:

العدوى ناتجة عن جراثيم

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر اكتشف العلماء في نهاية الأمر أن العدوى تنتج عن كائنات دقيقة وليس بسبب التلوث الذي يطلق عليه اسم «ميازما».

«كما هو الحال مع الكثير من العلوم البيولوجية، فإن هذه القصة تبدو معقدة؛ لأنها تضم العشرات من العلماء، كان الكثير منهم يسعون لكسب الشهرة على حساب غيرهم عوضاً عن الصعود بفضل مجهودهم الشخصي، بالإضافة إلى أن العديد من الاكتشافات كانت مجرد ضربة حظ».

مايكل كينتش في كتابه «Between Hope and Fear: A History of Vaccines and Human Immunity»

اختلاف العلماء عقّد الأمور

كان كل من روبرت كوخ وبول إرليخ في ألمانيا ولويس باستور في فرنسا من أبرز العلماء الذين اشتهروا خلال السنوات الأولى من علم الأحياء المجهرية، لكن علاقاتهم المهنية كانت سيئة بسبب التنافس والصراع. فقد تعرض كوخ للإساءة بشكل علني خلال أحد المؤتمرات عندما أخطأ المترجم في ترجمة كلام باستور، وبدل أن يقول: «كتابات ألمانية» قال المترجم: «غطرسة ألمانية».

وقام العالم الفرنسي بقمع زملائه

اتبع باستور سياسة القمع مع زملائه، حيث أمرهم بأن يقفوا إلى جانبه عندما تم اتهامه بالتزوير خلال تعريفه بلقاحه الخاص ضد الجمرة الخبيثة. (حيث استخدم طريقة كيميائية للتخفيف من الفيروس لكنه ادعى أنه لم يفعل ذلك). كما نجح باستور في تطوير لقاح داء الكلب، ولكن الكثير من أعماله أو أغلبها كانت مأخوذة من أبحاث الطبيب البيطري بيير جالتير، الذي فشل في الحصول على الفضل وسرعان ما أصبح طيّ النسيان.

لقي رواد آخرون في هذا المجال نفس المصير، على غرار العالم اليهودي الأوكراني فالديمار هافكينيه. كان هافكينيه يعمل في الراج البريطاني أو ما يعرف بالهند البريطانية، وقد طور لقاحات السم المضعّف لكل من دائي الطاعون الدمّلي والكوليرا. (السم المضعّف هو نسخة ضعيفة من السموم التي تنتجها البكتيريا، على عكس الشكل الضعيف للبكتيريا نفسها).

عندما توفي 19 مريضاً في ولاية بنجاب جرّاء مرض الكزاز، الذي كان نتيجة استخدام زجاجة اللقاح الملوثة، ألقيت المسؤولية على عاتق هافكينيه واتهم ظلماً وعزل من مهنته. وعلى الرغم من إثبات براءته في نهاية المطاف، فإن علاجه قد تمت مقارنته بعلاج ألفريد دريفوس.

قدم كينتش لهؤلاء العلماء الأوائل خدمة عظيمة من خلال ذكر المساهمات التي قاموا بها في هذا المجال. هناك بعض الحلقات المذهلة حول اكتشاف واستخدام العاثيات (الفيروسات التي تهاجم البكتيريا). تعتبر الطريقة التي يمكن أن تجعل من هذه العاثيات مهمة مرة أخرى، مثل مقاومة المضادات الحيوية، معضلة متزايدة.

وكشف كينتش أن القلق الذي يعتري كثيراً من الناس بشأن اللقاحات يكاد يكون قديماً قِدم اللقاحات نفسها. ففي سبعينيات القرن الماضي ظهر شك واسع النطاق في بريطانيا بشأن سلامة اللقاح الثلاثي ضد الخناق والكزاز والسعال الديكي.

ولم تشهد الحركة المناهضة للتلقيح أي علامة تنبأ بضعف موقفها. ومع ذلك خلال العقود الماضية، عادت أمراض مثل الحصبة إلى الظهور في البلدان التي خالت أنها تمكنت من القضاء عليها تقريباً، مع عودة آثارها الوخيمة والمميتة. (أبلغت منظمة الصحة العالمية عن تسسجيل 41 ألف حالة بالحصبة في أوروبا خلال الأشهر الستة الأولى من هذه السنة ، من بينها 37 حالة أدت إلى الوفاة، وذلك مقارنة مع سنة 2016 التي سجلت 5273 حالة فقط.

الاحتباس الحراري والسفر العالمي يزيدان الأمراض المُعدية

يزيد الاحترار العالمي والسفر حول العالم من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض المعدية في المستقبل، على غرار الفيروسات النزفية مثل فيروس إيبولا وحمى لاسا وزيكا وغيرها من الأمراض، فضلاً عن إمكانية انتشار وباء إنفلونزا خطير . من الضروري نشر الوعي بأهمية التلقيح، وفي المقام الأول لا بد من تأكيد الحاجة لتوفير معدلات امتثال عالية. ولدى كينتش اقتراحات عملية حول كيفية القيام بهذا الأمر، كما شدد على أهمية الدور الذي يجب أن تلعبه الحكومات في تحفيز شركات الأدوية لإجراء المزيد من الأبحاث حول اللقاحات. وفي الوقت الراهن، تجني الشركات المصنِّعة للأدوية أرباحاً خيالية من بيع أدوية السرطان.


أخبار ذات صلة

دراسة بريطانية: التقارب بين الحملين يزيد مخاطر الوفاة
إليك 7 طرق للتغلُّب على نوبات الهلع الفجائية
ما هو مرض "الرينود"؟ ولماذا يصيب النساء أكثر؟