بيروت - لبنان 2020/07/06 م الموافق 1441/11/15 هـ

أزمة سد النهضة والادّعاءات الأثيوبية

حجم الخط

قامت أثيوبيا بوضع حجر أساس سد النهضة على النيل الأزرق في الثاني من أبريل عام 2011، ثم قامت بزيادة سعة السد عدّة مرات حتى استقرت على سعة 74 مليارا في بدايات عام 2012، وكانت أثيوبيا مع المقاول يحاولان أن يكون السد بالضخامة التي تسمح لأثيوبيا بالتحكم ولو بشكل نسبي في مياه النيل الأزرق. وكانت مفاوضات سد النهضة مسلسلا أثيوبيا كوميديا لاهدار الوقت وفرض اثيوبيا الأمر الواقع على مصر. وبعد ان فاض الكيل، أعلنت مصر فشل المفاوضات والحاجة الى تدخل وسيط دولي للتوصل الى اتفاق مع أثيوبيا يجنب مصر والمنطقة ويلات وتداعيات سد النهضة الذي تشيده أثيوبيا بقرار فردي. وفي نوفمبر 2019، وافقت الأطراف الثلاثة مصر والسودان وأثيوبيا على اطار زمني للتفاوض تحت رقابة الولايات المتحدة الأميركية والبنك الدولي، بهدف التوصل الى اتفاق حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة بما لا يتسبب بأضرار جسيمة بدولتيّ المصب. وتواصلت المفاوضات وسط تصريحات ايجابية من جميع المشاركين، حتى فوجئنا بعدم حضور أثيوبيا للجلسة الأخيرة في واشنطن، واعلان انسحابها من المفاوضات.

وادّعت أثيوبيا في صلف، أن مسودة هذا الاتفاق تمثل امتدادا للاتفاقيات الاستعمارية القديمة الخاصة بادارة مياه حوض النيل، وذلك في محاولة منها لاستفزاز دول المنبع بهدف الاستقواء بهم في هذه المواجهة الدولية. وخرجت أثيوبيا علينا بتصريحات عصبية عنيفة وادعاءات كاذبة، منها أن مسودة اتفاق واشنطن لم تبرز حق أثيوبيا في «استخدام عادل ومنصف لمياه النيل الأزرق», انه كان على الولايات المتحدة الأميركية عدم التهاون في هذا الحق الأثيوبي بحجة احتياجات المياه لدولتي المصب. وتصريحات أخرى تطالب باعادة تقسيم مياه النيل حسب اتفاقية عنتيبي والتي رفضتها مسبقا مصر والسودان والكونغو، يعني تقسيم بالعافية وبالطريقة التي تقتضيها أثيوبيا وبعض دول المنبع. وانكشف الهدف الحقيقي من بناء سد النهضة، وهو حجب المياه وتضييق الخناق على مصر واجبارها على الانضمام لاتفاقية عنتيبي لاعادة تقسيم مياه النيل بين دوله وتنازل مصر عن جميع الاتفاقيات التاريخية السابقة. واستكمالا لهذه الكوميديا الأثيوبية السوداء، استمرت أثيوبيا في ادعائها بأنها اتخذت كل الخطوات التي تؤكد أن سد النهضة  لن يضر بمصر، بل ادعت أن سد النهضة سيجلب الفوائد الجمة لمصر، وأن مصر تعلم ذلك وتنكر. أثيوبيا تمارس دور الخصم والقاضي، وهذا السلوك الأثيوبي ليس بجديد وسبق قيامها باعتداءات مشينة على الأنهار المشتركة مع الدولتين الجارتين الصومال وكينيا وبنائها السدود على هذه الأنهار بدون إخطارات أو دراسات أو مفاوضات أو اتفاقات، وحتى بدون شعارات الاستخدام العادل والمنصف للمياه. ونفس السيناريو تكرر مع الجارة اريتيريا، فقد قامت أثيوبيا ببناء سد تكيزي على نهر عطبرة من دون اخطار أو تفاهمات حول الاستخدام العادل والمنصف للنهر مع دولة المنبع اريتيريا كما لم تهتم بأي آثار سلبية محتملة من بناء السد على دولتي المصب مصر والسودان، فكل اهتمامات أثيوبيا هي نفسها فقط.

ويردد الاعلام الأثيوبي في حكاياته المسلية، بأن أثيوبيا كانت تريد ملء سد النهضة في 3 سنوات ولكنها وافقت على طلب مصر لمد الفترة الى 7 سنوات، لعدم الاضرار بمصر مائيا. ويضيف الاعلام الأثيوبي أن أثيوبيا ستخسر مبيعات كهرباء السد أثناء هذه الفترة وهي الدولة الفقيرة شحيحة الموارد. والحقيقة أن الطلب الأثيوبي ملء سد النهضة بهذه الضخامة خلال 3 سنوات، طلب استفزازي تبتغي أثيوبيا من ورائة تعميق سياستها للهيمنة في المنطقة. فسعة السد 74 مليار متر مكعب، وملئه على 3 سنوات يتطلب 25 مليار متر مكعب سنويا، بالاضافة الى 3 مليارات متر مكعب فوائد سنوية من الخزان، أي تخزين 28 مليار متر مكعب سنويا من تصرف النهر. والتصرف السنوي المتوسط للنهر في حدود 49 مليار متر مكعب، أي أن أثيوبيا العطوفة تريد تخزين 28 مليار متر مكعب سنويا، وتترك لمصر والسودان معا 21 مليار متر مكعب. وما العمل اذا جاء الفيضان منخفضا، هل تخزن أثيوبيا مياهها أمام السد، ومصر والسودان يصوموا مش مهم؟!!

وتدعي أثيوبيا أن سد النهضة هو سد التنمية والنقلة الحضارية، وسد الخير للشعب!! ودعنا نصدق مزاعم الحكومة الأثيوبية بأن السد سيولد 12 ألف جيجاوات من الكهرباء سنويا. علما بأن الجيجاوات يساوي مليون كيلوات. وخلاصة ادعاءات أثيوبيا أن انتاج كهرباء سد النهضة السنوي سيبلغ 12 ألف مليون كيلوات. وسعر الكهرباء للاستخدام المنزلي في أثيوبيا واحد سنت أميركي فقط، والسعر التجاري 1،8 سنت للكيلوات. وبالتالي، فان السعر المحلي المتوسط (منزلي وتجاري) حوالي 1،4 سنت للكيلوات. واذا تم استخدام كهرباء سد النهضة بالكامل في الداخل الأثيوبي، فان اجمالي بيع الكهرباء حوالي 160 مليون دولار سنويا وهذا الدخل السنوي لن يكفي لتغطية المصاريف السنوية المتوقعة من تشغيل السد وصيانته، فما بال الأقساط السنوية المستحقة لسداد قروض السد. وقد تقوم الحكومة بمضاعفة سعر الكهرباء المحلي 3-4 أضعاف لكي يغطي الدخل لسنوي تكاليف التشغيل والصيانة، وتدبير قسط سنوي من قروض السد. فهل يستطيع المواطن الأثيوبي التعايش مع هذه الزيادة في الأسعار؟! ولكي تنجح الحكومة الأثيوبية في تدبير مصاريف التشغيل والصيانة وسداد القروض فعليها رفع سعر الكهرباء المحلي وتصدبر جزء من الكهرباء للخارج. وكانت دراسة الجدوى الاقتصادية للربط الكهربائي مع مصر والسودان تقوم على تصدير أكثر من 3 ميغاوات ساعة لمصر والسودان (حوالى أكثر من نصف كهرباء السد، الثلث للسودان والثلثين لمصر) وبسعر 8 سنتات أميركي للكيلوات مما يزيد الدخل السنوي للسد لحوالى 550 مليون دولار مما يغطي تكاليف التشغيل والصيانة، ويوفر قسطا سنويا لقروض السد لسدادها على 15-20 سنة تقريبا. وقد يتطلب الأمر مضاعفة السعر الداخلي عدّة مرات وزيادة سعر التصدير الى 9-10 سنت للكيلوات للتمكن من تسديد ديون القسط بطريقة أفضل. 

المفاجأة أنه بعد كشف اثيوبيا عن وجهها الحقيقي أمام مصر في أزمة سد النهضة، وفي ظل عدم احتياج مصر لمثل هذه الكهرباء، فلن تقوم بالطبع باستيراد أي كهرباء من أثيوبيا. والسودان من ناحية أخرى لن تستطيع وحدها من استيعاب هذه الكمية الكبيرة من الكهرباء، والسودان لم يبدأ حتى الآن في انشاء خط نقل الكهرباء من موقع السد الى الداخل السوداني بالاضافة الى حاجته لتطوير الشبكة الداخلية. وأثيوبيا لم تنته من خط الضغط العالي لنقل كهرباء السد الى الداخل الأثيوبي (الممول بقرض صيني) وأمامها عام الى عامين للانتهاء منه، ومحتاجة بشدّة لمضاعفة سعر الكهرباء المحلي ثلاث أو أربع مرات لتعويض عدم شراء مصر للكهرباء الأثيوبية. ما زالت هنالك عقبات كثيرة أمام بدء تخزين وتشغيل السد، فمنطقة منتصف السد أمامها الكثير لتكتمل انشائيا!! وخطوط كهرباء الضغط العالي للداخل لأثيوبي والسوداني أمامها سنوات!! وأثيوبيا تدعي أنها مستعجلة على التخزين، وان سألت مسؤوليهم سيقولون هذا أمر سيادي!!

وزير الموارد المائية والري الأسبق



أخبار ذات صلة

حكومة «الإجتماعات والخبريات» باقية.. فهل تعيينات الكهرباء غداً ترفع العتمة؟
جريدة اللواء 6-7-2020
فلسطينيات يرتدين الكمامات خلال مراسم تشييع أحد ضحايا كورونا في الضفة (أ.ف.ب)
ليلة «خارج السيطرة» في بريطانيا واشتداد الوباء في المكسيك والهند [...]