بيروت - لبنان 2020/06/03 م الموافق 1441/10/11 هـ

"حلّال الأزمات" يبلغ الـ90 من عمره.."خلافة السيستاني" مقاومة!

حجم الخط

في السابع من شهر شباط الماضي، بعد أيام من المعارك الدامية بين المتظاهرين العراقيين و"الخوذ الزرقاء" في ساحة بغداد، كان العراقيون يُعلّقون آمالهم على ما سيقوله المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني في خطبة الجمعة، وهو الذي كان داعمًا للاحتجاجات منذ البداية. فالسيستاني، بالنسبة للكثير من العراقيين، ليس مجرد مرجع ديني، بل هو "حلّال الأزمات". ولم يكن بالأمر الغريب أن ترتفع صور المرجع في ساحات الاعتصام مع تعليق "قلوب الثوار معك" عندما خضع السيستاني لعملية جراحية اثر اصابته بكسر في عظم الفخذ الشهر الماضي. كما لم يكن غريبًا أن يتمنّى مسؤولن ايرانيون واميركيون، الدولتان اللتان تتنافسان على التأثير في العراق، للسيستاني بالشفاء. فالدولتان تتطلّعان إلى خليفة السيستاني الذي يُكمل الـ90 من عمره هذا العام. والسؤال الأبرز هو ما الذي سيحدث للعراق المنغمس بشكل كبير في التوترات الأميركية- الايرانية والتي تشلّه منذ اشهر احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة، بعد رحيل السيستاني؟ وهل يُمكن أن يؤدي خليفته دورًا معتدلًا مماثلًا في السياسة العراقية، ويُقدّم التوازن في الجغرافيا السياسية بين الولايات المتحدة وإيران؟

وصف الباحث الدكتور حسن عباس، هو زميل أول في مركز السياسة العالمية (CGP)، لقاءه مع السيستاني في النجف منذ سنوات، بالملهم والمثير للاهتمام والمفيد جدًا، "خطاب بسيط ومباشر ودائم". وروي: "بعد سماع آرائي حول الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، علق بهدوء قائلاً: أنا لا أتفق ولا أختلف مع موقفك". وأضاف عباس: "شعرت بالفضول حيال وجهات نظره وكنت في حيرة من شخصيته الغامضة. وبناء على طلبي للإرشاد في عملي البحثي حول التاريخ السياسي للإسلام ، كل ما قاله هو "على الباحث الحقيقي أن يتجنب تقديم آرائه كحقائق".

في العام 2011، تخلّى السيستاني عن البيانات النصية التي ينشره عبر موقعه الالكتروني. ولتبيان مواقفه ازاء الأحداث الجارية، لجأ الى خطبة الجمعة، التي يتطلّع اليها العراقيون، ويتناوب على القائها اثنان من وكلاء المرجع، وهما عبدالمهدي الكربلائي المشرف على العتبة الحُسينية، وأحمد الصافي المشرف على العتبة العباسية، نسبة إلى الأخوين الحسين والعباس ابني علي بن أبي طالب. وعادةً ما تمتاز خطب المرجع الديني بالإيحاءات، وعدم التدخّل في الأمور السياسية ما لم تلق بظلالها على الحياة الخدمية والاقتصادية التي تمس حياة المواطنين.

وعلى الرغم من أن السيستاني ابتعد عن مقاليد السلطة في بغداد، لكن وجهات نظره يُمكن أن تُحدد مصير الحكومة في العاصمة، فصبر وحكم السيستاني هما "شريان الحياة" للعراق اليوم. التزم السيستاني الحياد في القضايا السياسية، فهو أغلق ابوابه أمام اي مسؤول حكومي عراقي، وبقي بعيدًا عن أي نوع من الحملات السياسية، وهو ما أكسبه نفوذًا داخل العراق وخارجه.



"حلّال الأزمات"

بالنسبة للشيعة في جميع أنحاء العالم، هو واحد من مرجعية التقليد الرائدة في العالم التي تُعتبر كلماتها مُلزمة لمن يتبعونه (يُمكن رؤية صورته معلقة في المساجد الشيعية من باكو إلى إسلام آباد ولندن إلى واشنطن العاصمة). أما بالنسبة للعراقيين فهو "حلال الأزمات" بعد أن تدخّل في معظم المشاكل والأزمات المفصلية التي مرّ بها العراق منذ العام 2003. لقد ساعد العراق على التأقلم مع صدمة عهد صدام حسين، وأعطى الأمل في بناء عراق ديموقراطي جديد عندما أصرّ على أن تكتب هيئة منتخبة الدستور الجديد بعد الغزو الأميركي. وفي العام 2014، دعا الى حمل السلاح ضدّ "الدولة الاسلامية"، فكان له الدور الحاسم في تعبئة الآلاف من المقاتلين الشيعة في العراق الى ساحة المعركة. كما اكتسب حب السنة العراقيين، عندما حوّل مزار النجف وكربلاء الى ملاذات آمنة للنازحين من بطش "داعش". كما دعا الى تجنّب الشحن الطائفي ورفض السياسات الطائفية التي اتبعها بعض المتشدّدين الشيعة، ما أسهم في الحد من التوترات الطائفية في العراق في السنوات الأخيرة. ومع اندلاع التظاهرات ضدّ الحكومة، تعاطف السيستاني مع المتظاهرين العراقيين، كما انتقد "عدوان" الدولة في التعامل معهم.

ارث السيستاني الفكري

"إرث السيستاني لا يُمكن تجاهله"، بالنسبة للباحث حسن عباس. بعد وفاته، ستنتقل تركة السيستاني السياسية والفكرية إلى خليفته، في عملية معقّدة مبنية على بروتوكولات غير رسمية وغير مكتوبة تأخذ في الاعتبار الحالة العلمية بين الأقران والمنشورات وعدد المتابعين، بالإضافة إلى معايير أخرى. لكن قائمة مهام الخليفة ستكون جاهزة (تشجيع الانسجام الطائفي، الدفاع عن سيادة العراق).

وشرح عباس أن " النجف، باعتبارها المقرّ الديني للشيعة، أنتجت قادة أقوياء ومدروسين نجوا من العديد من الأزمات، وفي المرة المقبلة لن يكون هناك اختلاف. سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى يستقرّ خليفة السيستاني، لكن القوة المؤسسية لمؤسسة النجف الدينية هي التي تهم هنا حقًا".

ايران وتوسيع نفوذها؟

يبدو أن الخوف الأكبر من وفاة السيستاني يتعلّق بتوسّع النفوذ الايراني في العراق، وهو الذي كان له "صوت قوي" في منع مزيد من النفوذ الايراني في العراق.

وفي حديث لوكالة "اسوشييتد برس" قال شيخ شيعي في مدينة النجف، إنه "شعر بالخوف على العراق" عندما علم بالجراحة التي أجريت للسيستاني. وأضاف :"عندما يموت السيستاني، قد تستخدم إيران شعاراتها الثورية سعيا لجذب أتباع لمرشدها الأعلى علي خامنئي".

بالنسبة للنظرة العالمية للمرجعية في النجف، شكّلت الثورة الإسلامية في العام 1979 في إيران تحديًا خطيرًا، بعد أن رفض المرجع السيستاني نظام ولاية الفقيه الذي يجمع بين المكتب الديني والسياسي بشكل قاطع. كما سعى السيستاني الى كبح الميليشيات الشيعية المدعومة من طهران، المتّهمة بارتكاب انتهاكات، وكما سعى إلى الدفع لاعتدال الحكومة، مكررًا أن الشعب العراقي هو مصدر السلطة في البلاد.

ويُشكّل ردّ إيران، بعد وفاة السيستاني، قلقًا للكثيرين في حوزة النجف، التي منها سيتمّ اختيار خليفة السيستاني. وأوضح مدير "معهد مبادرة المجلس الأطلسي للعراق" عباس كاظم أن "الإيرانيين لا يريدون سيستاني آخر.. لا يريدون شخصًا قويًا يحجب مرشدهم الأعلى".

ورأى كاظم أنه على الرغم من أن "أي من الخلفاء المحتملين للمرجع الديني ليس في جيوب إيران (أو خاضعًا لهًا)، إلا أن طهران تستطيع الاستفادة من شخصية ضعيفة. إذا كان هذا الشخص صامتًا ولا يتدخل، سينظر الناس إلى مكان آخر للحصول على توجيه".

بدوره، حذّر شيخ رفيع في حوزة النجف، في حديث لوكالة "أسوشيتد برس"، من أن "إيران تريد موقفًا سياسيًا (في العراق) يؤيدها، والحوزة هي من يخلق التوازن. الساسة فقدوا ذلك التوازن. وإذا فقدتها الحوزة أيضًا، فإن إيران ستفوز على الجبهة الدينية والجبهة السياسية".

طموحات إيران في فترة ما بعد السيستاني، قد تُعقّدها الاحتجاجات التي تجتاح العراق منذ تشرين الأول الماضي، والتي كشفت عن استياء شيعي إزاء قوة طهران ونفوذها في العراق. حيث أعرب عراقيون كثيرون عن غضبهم إزاء الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة على أرض بلادهم، بما في ذلك الضربة الأميركية التي اغتيل على اثرها قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني في بغداد.

وقال شيخ رفيع آخر للوكالة: "سيكون من الغباء عدم القلق إزاء إيران، "لكن الأمر كله يتعلق بالمقاومة. إما يستطيع جسم خارجي الاختراق وإما يتم وقفه".


أخبار ذات صلة

المتحدثة باسم البيت الأبيض: لم يتم استخدام الغازات المسيلة خلال [...]
المتحدثة باسم البيت الأبيض ترفض التعليق على تصريحات وزير الدفاع [...]
أشكال في بلدة بخعون - الضنية تخلله اطلاق رصاص ومعلومات [...]