بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

الإنتحار بين مسؤولية المجتمع والمنتحر

حجم الخط

في أثرٍ مشهور تزخر به سيرة الخلفاء والصحابة، ضمّنه وزير الأوقاف المصري الشيخ د. محمد مختار جمعة إحدى بياناته قائلاً" أن عمر ابن الخطاب أوقف وجمّد حدّ السرقة في شجاعة نادرة ورؤية فقهية ثاقبة، وقد حصل ان كتب يومًا إلى أحد عماله، ماذا تصنع إذا جاءك سارق؟ قال: أقطع يده، فقال عمر: فإن جاءني جائع قطعت يدك". بعض أصحاب العقول المغلقة، والوجوه المكفهرة صبّت لجام غضبها على هذا النص منتقدة صحته - والذي هو ليس حديثاً نبوياً وإنما أثراً عن الصحابة - وأسهبت في شرحها عن حكم قطع يد السارق وشروطه. في كل مرة أقرأ كلامهم ونكرانهم وتفتق أذهانهم لنقد هذه الحادثة، أتمنى أن لو كانت أقلامهم تغوص بحثاً وتحليلاً عن مسؤولية الحاكم اذا سرق احد الجائعين من رعيته ليقتات به هو وعياله بعد أن أعياه الفقر والحرمان ولم يجد فرصة للعمل تغنيه عن مذلة السؤال.

تماما كما يتوارد فورا إلى ذهن بعض المتشددين عند أي حادثة انتحار بأن المنتحر كافر يدخله سوء ما اقترفت يداه في طائفة الخالدين المخلدين في النار. لو انبرت اقلامهم في البحث عن السبب الذي دفع هذا الشخص إلى الانتحار بدل رغبتهم الجامحة في التوقيع عن رب العالمين والإسراع في إدخال المنتحر النار، لكان ذلك أنفع للمجتمع وللمسؤولين كي يتعرفوا على أسباب الإنتحار وطرق الوقاية والمكافحة منه قبل وقوع الكارثة.

عندما تعجز الدولة عن تأمين فرص العمل، وينتشر فيها الفساد وتعم سرقات المال العام، بل وسرقات ودائع الناس، ماذا ننتظر من ردات فعل الأفراد الأكثر تأثراً وحساسية وضعفاً في تحمل الكوارث المعيشية والنكبات الاجتماعية؟ ليس كل الناس في تحمل مصاعب الحياة متشابهون ومتساوون وعلى نفس المستوى في تحمل المصاعب والنكبات. فبعضهم يلتجأ الى الإبتعاد عن الناس والإنزواء تمنعهم كرامتهم وتعففهم من سؤال الناس، وبعضهم يصرخ ويعبر عن آلامه وأوجاعه، وبعضهم يسرق ويستبيح كل الممنوعات علانية أو في الخفاء. في جريمة سطو حصلت في إحدى الدول العربية أثارت الرأي العام، سارع السارق الى التحدث الى وسائل الأعلام بعد سطوه على أحد المراكز مستخدماً سلاحاً بلاستيكياً للأطفال، شارحا ظروفه بأنه رب أسرة كافح من اجل تأمين لقمة عيشه وأمام عجز الدولة عن رفع الظلم عنه، دفعته الحياة الصعبة والظلم إلى اقتراف ما قام به من سطو.

في ردات الفعل الأكثر تطرفاً يلتجأ المحروم الذي أصابه القنط واليأس الى الإنتحار، بعد أن يكون قد مر بمنغصات وأوهام عجز عن مواجهتها ولم توصله في نهاية الأمر إلا إلى اتخاذ القرار الأصعب والأكثر حرمة وهو زهق روحه للتخلص من هذا الكم الهائل من الحزن والتعاسة.

الأكثر حرمة في الإسلام لأن المنتحر لم يداو نفسه منذ البداية بتحصين نفسه وتنفيذ ما استبقه له الدين من أمور تحول دون الإنتحار. فعندما فضّل الإسلام تأدية صلاة الجماعة على تأديتها منفرداً أراد منه الخروج من منزله والإلتقاء بالناس، وأراد منه أن يتبادل أطراف الحديث مع رواد المسجد، ويشكو همه وغمه. بل وطلب من كل فرد إذا علم بهذه الكربه أن ينفس عن أخيه كربته " من نفس عن مؤمنة كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". وعندما فرض الإسلام الزكاة والصوم والحج فلأن في هذه الأركان معاني التماسك والتعاضد والتضامن الاجتماعي في أبهى صوره.

عندما وضع الإسلام نظاما أسرياً واجتماعياً متكاملاً أراد للفرد ألا يعيش منعزلا منقطعاً عن أسرته ومجتمعه. كثيرة هي الآيات والأحاديث التي أوصت على الترابط الأسري وصلة الرحم (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أؤلئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) والحديث النبوي : " يا أيها الناس افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام"، بل وأوصى بالجار حين قال "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به"، " ما زال جبريلُ يُوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه".

يضاف الى ذلك ما أقره الإسلام من نظام إقتصادي كامل أقر فيه إعطاء نصيب من زكاة الأموال إلى الغارمين والتجار المفلسين وحقوق ثابتة للعاملين والمستخدمين وعدم ارهاقهم في العمل وإلباسهم وإطعامهم من نفس طعام وملبس رب عملهم، وتأدية أجورهم قبل أن يجف عرقهم. بل وشجع على تأمين العمل لهم واعتبر أن من يحتَطِبَ حُزمَةً عَلَى ظَهرِه، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسأَل أَحَدًا، فَيُعطيَه أَو يمنَعَهُ.

وشجع الإسلام أيضاً على الرعاية الاجتماعية بمعناها الواسع بما كان يقع على عاتق الأوقاف من مسؤولية القيام بمهام الدولة الأساسية وهي تأمين الخدمات والمرافق العامة، فأنشئت الأوقاف مؤسسات تعنى بالمرضى والمستشفيات وأخرى تعنى بالعمال والتجار والمزارعين، وأخرى لمساعدة الأيتام وذوي الحاجة وأخرى لتأمين حاجيات الأسرة من غذاء وطبابة وتعليم...

كما حرم الإسلام شرب الخمر وتعاطي المخدرات لعلّة غياب العقل، ولما يشكله من حافز للإنسان لإلقاء نفسه في التهلكة وعدم السيطرة على نفسه وإلحاق الضرر بغيره. وحرم الميسر والربا لما فيهما من إضاعة المال وإرهاق المستدينين وتقويض الأسرة.

هذا الإنصهار ما بين مفهوم العبادات وما تحمله من معاني اجتماعية عميقة، وما أرساه الإسلام من قواعد وأسس في الترابط الأسري والإجتماعي الواسع، وما سعى اليه لتأمين الخدمات والمرافق العامة، وما نهى عنه من شرب الخمر وتعاطي المخدرات ولعب الميسر والنهي عن الربا، وضع الإسلام في إطار إجتماعي متكامل : تأخذ بيد الفرد ولا تتركه فريسة لهمومه وأحزانه، وتأخذ بالمجتمع لتساعده على بناء ذاتية متكافلة متضامنة. هذا الإنصهار الديني والإجتماعي والإقتصادي أمسك بيد الفرد لمساعدته والوقوف معه في محنته، فلم يشعر الفرد بأنه متروك معلق ما بين السماء والأرض، بل هو مرتبط ارتباطاً كلياً بهما. لذلك لم يشكل هذا التلاحم أرضاً خصبة لانتشار آفات وأمراض العصر الاجتماعية مما تعاني منه الدول الغربية، فلم ينتشر لدينا ظواهر وأعراض هذه الأمراض مثل الإنعزال والتقوقع والسكر والمخدرات وإهمال الأسر لكبار السن وما تسببهم في المجتمع من أزمات نفسية حادة. وقد أثارت هذه الظاهرة اهتمام الباحثين والمتخصصين الذين توصلوا بعد إجراء مسح عام على معدلات الإنتحار في العالم بأن الدول العربية والإسلامية هي أقل الدولة التي تنتشر بها ظاهرة الإنتحار. في تقرير أعده فريق من الباحثين الاختصاصيين في Suicidologi سنة 2002 أشار الى نسبة 0.1 حالة انتحار لكل مائة ألف شخص في الدول العربية والإسلامية، وهي أدنى نسبة إنتحار في العالم، وقد تبعت هذه الإحصائية، دراسة أخرى صادرة عن جامعة Montpellierالفرنسية بعد المؤتمر الذي عقدته سنة 2007 بعنوان " الإنتحار والدين" بأن نسبة الإنتحار في الدول الإسلامية أصبحت بمعدل إثنين كل مائة ألف شخص، وهي نسبة أقل عشر مرات من الدول الأخرى مثل أوروبا التي بلغ معدل الإنتحار فيها 20 لكل مائة شخص.

خلصت كثير من الدراسات المتخصصة بأن المؤمن هو أكثر الناس وقاية من الإنتحار. فلقد أجريت عدة أبحاث لتأكيد ذلك من ضمنها الدراسات التي أجريت بعد التسونامي الذي أصاب الجزء الجنوبي الشرقي من آسيا سنة 2004 والتي تبين فيها بأن النسبة الأكبر من الذين تحملوا نتائج هذه الكارثة بكل أبعادها المأساوية كانوا من المؤمنين. لذلك فإننا نستطيع القول بأن هناك علاقة تكاملية بين الإيمان والصبر على المصائب، بين الإيمان والأمل والرجاء. من أبهى صور هذا التكامل ما نص عليه الحديث النبوي الذي ذكر أهوال يوم القيامة وما يتبعه من تدمير الكون وما يجب على المؤمن فعله إزاء ذلك : " لو قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"

هذه المنهجية الدينية التفائلية تنعكس إيجابا على نفسية المؤمن بل وعلى لسانه فينطق تلقائيا بمجموعة من الألفاظ تساعده على تحمل الكوارث، مثل "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" " هذا من تقدير الله" " إنما أشكو بثي وحزني الى الله" " إنا لله وإنا اليه راجعون"..الخ

إذا تفلت الشخص رغم كل ما حصنه الإسلام به من تحصينات، ولم يجد اليد الممدودة له لتساعده في تحمل أحزانه وآلامه، أوطغت عليه ذنوبه وآثامه، وأسرف في المعاصي وتعاطي المنكرات، فإن القرآن الكريم يخاطبه : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)

كما تذكرنا السنة النبوية بموقف عروة بن الزبير ابن العوام حين اجتمعت عليه مصائب كثيرة، فما زادته إلا شكرًا لله، وصبرًا على ما ابتلاه الله به. أصيبت رجله بالأكلة فنشرها له الطبيب فصبر على نشرها، وسقط ابن له عن ظهر بيت فوقع تحت أرجل الدواب فقطَّعته فأتاه رجل يعزيه فقال: بأي شيء تعزيني؟ فقال له رجل: ابنك يحيى قطَّعته الدواب قال: اللهم كانوا سبعة (أبناء) فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكن أربعًا (يقصد أطرافه الأربع) فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثًا، وأيمنك لئن كنت أخذت لقد أبقيت ولئن كنت ابتليت لقد أعفيت.

في المرحلة الأخيرة من التصدع النفسي والإنهيار المؤدي إلى الإنتحار يحرص الإسلام على تنبيه الشخص الذي يرغب في الإقدام الى مثل هذا الأمر، بأن هذا العمل يعتبر مخالفة صريحة لأمر إلهي بعدم إلقاء النفس الى التهلكة ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، وأن من يقدم عليه فإن عقابه سيكون عسيراً يوم يلقى ربه. جاء في الحديث : "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا فِيهَا أَبَدا. وَمَنْ شَرِبَ سَمّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا مُخَلَّدا فِيهَا أَبَدا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا مُخَلَّدا فِيهَا أَبَدا".

ويبقى فيما لو كان الشخص يعاني من اكتئاب نفسي مرضي تحجب عنه الرؤيا الواضحة لمعالجة نفسه وللإحاطة بخطورة ما يقوم به، بحيث لا يعتبر مسؤولاً عن تصرفاته. وأيا يكن فلا يحكم على المنتحر بكفره ويترك أمره لله تعالى، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين حسب اختلاف الفقهاء في حكم الصلاة على المنتحر.


أخبار ذات صلة

وسائل إعلام سورية: قتلى باستهداف مسيرة تركية سيارة بريف المالكية
وسائل إعلام إيطالية: وزيرا داخلية وخارجية الوفاق يرافقان السراج إلى [...]
رئيس الجمهورية طلب من نجار الايعاز بتنظيف الأقنية والمجاري قبل [...]