بيروت - لبنان 2020/11/30 م الموافق 1442/04/14 هـ

التدقيق الجنائي بين الحكومة والسريّة المصرفية: هذا هو الحل!

حجم الخط

فرض موضوع التدقيق الجنائي نفسه بين القضايا الكبرى في البلاد وصنفه كثيرون باباً لا بد منه لبدء الخروج من الكارثة الاقتصادية التي يرزح اللبنانيون تحتها. واتخذ الموضوع جدلا واسعا في الايام الماضية مثلما أن الأمر سيشهد المزيد من السجالات في المقبل من الايام وسط اختلافات في وجهات النظر وصلت الى داخل الحزب الواحد، مع إعلان الجميع مطلبهم في مبدأ التدقيق، ولو للاستهلاك الاعلامي.

ويتعلق الموضوع حسب خبراء متابعين له، بأموال عامة نهبت وسرقت، مع اتهامات غير موثقة حتى اللحظة حول تلاعب في قيود مصرف لبنان بعد هندسات مالية فاشلة، ما يدفع الى الاختباء وراء قانون السرية المصرفية الذي يحول دون الكشف عن الحسابات، في ظل حديث عن تواطؤ بين بعض النظامين المالي والسياسي. 

في الفترة الماضية، إتخذت السلطة التنفيذية قرارا بإجراء تدقيق مالي جنائي في ظل عدم معرفة أرقام الخسائر، وقد اتخذ قرار في مجلس الوزراء كلف شركة متخصصة للعمل على هذا الصعيد، وتم التوقيع على العقد الذي تلاه اجتماع في بعبدا وتم الاتفاق على تمديد المهلة لثلاثة أشهر لم تنته حتى اللحظة، وذلك لتلبية بعض الأسئلة المطروحة من قبل الشركة.


أين مصلحة سلامة؟

ويلفت بعض الخبراء الى أن هذا الأمر جاء لمصلحة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كونه يشكل فرصة لتبرئة ذمته عبر شركة أجنبية ذات مصداقية تقوم بالعمل، علما بأنه يستطيع عدم الاستجابة قانوناً ما يحتاج بدوره الى تعديل في القانون. 

يشكل التدقيق مطلباً فرنسياً، وهو شكل أحد أركان الورقة الاصلاحية للحكومة ولا يمكن الحصول على أية مساعدة خارجية من دونه. من هنا، يلفت البعض النظر الى ان سلامة لا يجب أن يخشى تحوله الى كبش فداء كون الأمر مغطى من قبل السلطة اللبنانية، كما أن التدقيق يمكن أن يشمل الجميع بدءاً من مصرف لبنان كونها أموال عامة للبنانيين، ولا حاجة الى إجراء تعديل في القانون كمقدمة للتدقيق.

وبينما لا تقابل وجهة النظر هذه بإيجابية عند كثيرين باعتبارها استهدافا سافرا لمصرف لبنان كما للمصارف ولكونها تتجاهل مكامن فساد مفترضة في الدولة، يذهب مؤيدو التدقيق الى دعوة رئيسي الجمهورية والحكومة الى الضغط كتابيا على سلامة لتقديم ما لديه، لكن هذا الامر يبدو بعيد المنال وقد يتخذ مساره القانوني الطويل. 

في كل الأحوال، يتعلق التدقيق المحاسبي بواحدة من أكبر اربع شركات متخصصة بهذا الموضوع في العالم. وبالنسبة الى السؤال الأبرز المتعلق بالوزارات وصناديقها حيث مكامن الهدر والفساد، فإن رفع السرية عن حسابات الدولة سيؤمن شمولية المبدأ على الجميع، والشركة ستقتحم الموضوع عبر الحساب رقم 36 في مصرف لبنان، والدولة شخصية معنوية واحدة ما يشمل كل الوزارات، حسب وجهة نظر دستورية.

الدولة مخولة الطلب

ويعتبر بعض الخبراء الدستوريين والقانونيين الوسطيين أنه يجب الانطلاق من ثابتة أن ما يجري يتعلق بسياسة نقدية وهدر للمال العام، واذا كان هناك من استفاد في شكل غير قانوني وحقق أرباحا هائلة من اموال الشعب وودائع الناس، عندها يجب فتح كل تلك الملفات لكي نرى ماذا حصل في كل السنوات الماضية وأدى الى هذا الافلاس، في ظل عدم معرفة مصير اموال الناس في المصرف المركزي بعد تحقيق المصارف أرباحا خيالية من فوائد وهندسات مالية غير طبيعية، في مقابل وجهة نظر تقول إنه خطأ في الادارة نتيجة الرؤية المخطئة وليس عملية نهب واحتيال تستوجب فتح التحقيق الجنائي.

على أن هذا المطلب يعد طبيعيا في كل المؤسسات حيث المال، وهناك نوعان من التدقيق المحاسبي، «الأوديت» و«الفرونزيك» الجنائي من دون أن يشكل الاخير بالضرورة جناية، لكنه اكتسب هذه الصفة كونه يلج ما هو أبعد من الارقام ولا يحللها فقط ويستكشف الطرق التي سلكها كل حساب، وهو شبيه بالمحقق الذي يذهب الى مسرح جريمة ويكشف التفاصيل، وبالنتيجة فإن هذا التدقيق يجب أن يحصل. 

وتبقى الإشكالية تتمثل في قانون السرية المصرفية والتذرع بها.

تقنيا، من يرفع وجهة النظر التي تقول بحماية تلك السرية وعدم القدرة على توفير الارقام، يمتلك وجهة نظر قانونية سليمة كون القانون لا يعدل سوى بقانون وليس بقرار من مجلس الوزراء أو بقرار من وزير المالية، حسب وجهة النظر هذه.

لكن الاجابة على ذلك سهلة. ويسأل هؤلاء: أليس قانون السرية المصرفية يتعلق بالدولة وبمؤسساتها؟ إذاً، تستطيع الدولة نفسها أن تطلب رفع السرية هذه، والأمر شبيه بطلب يقدمه زبون المصرف وهذا حقه من ناحية المبدأ.

على أن من يتنازل أو يطلب ذلك هو مجلس الوزراء الذي يمثل مجتمعا السلطة التنفيذية ولا يستطيع حتى وزير المالية طلب هذا الأمر الذي يحتاج الى السلطة مجتمعة. وبذلك يمكن التوصل الى حل للمسألة برمتها!

ماذا عن حكومة تصريف الأعمال؟

هنا يبرز تساؤل مهم: هل تستطيع حكومة تصريف أعمال طلب ذلك دستوريا؟

يأتي الرد من الخبراء بالإيجاب، إذ ليس هناك ما يمنع مجلس الوزراء من الاجتماع في حالة كهذه، وهناك أمثلة عديدة في مراحل مسبقة من التاريخ اجتمعت خلالها حكومة تصريف للأعمال. حدث ذلك في الماضي خلال ستينيات القرن الماضي وتكرر حديثاً مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في العام 2013 حين اجتمع المجلس لتعيين هيئة الاشراف على الانتخابات، كما حصل بعد الانتخابات النيابية في حزيرانمن العام 2009..  

لذا، فلا داعي لقانون جديد حتى لو كان الطرح عن حسن نية، طالما في إمكان مجلس الوزراء الاجتماع. والأمر يتطلب غالبية بسيطة في الحكومة حسب المادة 65 من الدستور، كونه ليس من المواضيع الـ14 الاساسية التي تتطلب الثلثين من الاصوات.

ولكي تحصل هذه الجلسة، على رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب أن يدعو بالاتفاق مع رئيس الجمهورية ميشال عون الى الجلسة وتحديد جدول أعمال من بند وحيد هو هذا تحديدا. ويمكن أيضا سلوك طريق مجلس النواب لكي يقر هذا الاقتراح كون البلاد في دورة انعقاد عادية. 


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 30-11-2020
وداعاً للاقفال: عودة إلى كورنيش المنارة في اليوم الأخير للإقفال (تصوير: محمود يوسف)
تشكيلة الحريري في الواجهة: خرق الجمود أم مسار ملتبس؟
العدل أساس الملك