بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

الحراك للسلطة: إن عدتم عدنا!

مشهد يذكر بالحرب الأهلية
حجم الخط

يتمثلُ الهدفُ الأهمّ اليوم بالنسبة الى مجموعات الحراك المدني، في تفويت الفرصة على من يريد جَرَّ الحراك الى سقطات أخلاقية وطائفية بدت المحاولات من أجلها واضحة في الأيام الماضية عبر تحركات مناصري بعض الأحزاب في الشوارع المتداخلة طائفيا.

نزاهة التحركات والاحتجاجات التي انطلقت بعفوية منذ ما قبل تاريخ 17 تشرين الاول الماضي، تتطلب ذلك من الحراك الذي يُصرُّ على سلمية طبعت احتجاجاته منذ بداياتها، وهي سلمية يرى معظم من كانوا وراء انطلاقة الانتفاضة انها باتت مهددة أيضا من قبل بعض الأحزاب التي تناصر الحراك.

لقد أثارت الأحداث الماضية، وخاصة تلك التي طبعت منطقة الرينغ والاستهداف الذي اتخذ طابعاً طائفياً ومذهبياً لبعض المناطق المحيطة، صدمة لدى مجموعات الحراك الذي صَنّفَ بسلبية أيضاً تحرك بعض الاحزاب في مواجهة هجوم الرينغ والذي كاد ينزلق الى صدام طائفي كارثي.

والواقع ان «صدمة» الرينغ تلتها صدمات أخرى في شوارع العاصمة بيروت وعاصمة الشمال طرابلس كما في صور في جنوبي لبنان وفي الجبل.. وتقف مجموعات الحراك المدني والحركات اليسارية، وهي المجموعات الأساسية التي أطلقت الانتفاضة، رافضة لكل هذا المشهد الطائفي الغريب عنها وعن حراكها المحقّ».

هي ترفض بشدة التحركات الميليشياوية التي تراها مناهضة لحراكها الى درجة النقيض، وهي تعتبر ان الخطورة الكبيرة تتمثل في ان بعض الهجمات كادت ترتقي الى الاستهداف الشخصي وحتى محاولة القتل العمد.

سلميون.. ماذا عن السلطة؟ 

يؤكد قياديو الحراك انهم سيواجهون هذا المشهد العنفي والطائفي، ليس بمثيله، لكن عبر حماية السلم الاهلي وتحصين سلمية التحركات. وهذا الامر يتطلب بالتوازي تصدي السلطة لمسؤوليتها التاريخية وعدم ترك المنتفضين لوحدهم في الساحة ومناهضة العنف ضدهم.

من يجول في ساحتي رياض الصلح والشهداء يدرك حجم المرارة من تعرية مجموعات الحراك في وجه شراسة مستهدفيهم. وإذا كانت التحركات همدت لبعض الايام، فهي محاولة للمنتفضين لتوفير الفرصة للسلطة التي تدعي شروعها في الحل السياسي وتنفيذ مطالب «الثورة».

هو ليس تراجعاً، يؤكد مسؤولو الحراك في مناطق مختلفة وخاصة بعد أحداث بيروت وطرابلس، فبعد أكثر من 40 يوما من الانتفاضة، من غير الممكن ان تستمر في الزخم الذي انطلقت به، وهي تماثل بذلك ثورات وانتفاضات كثيرة في العالم، ومنه العالم العربي.

يقدم الناشط السياسي والمدني مالك المولوي الذي يتنقل بين طرابلس وبيروت، مثال الجزائر دليلا على ذلك. «لقد نزل الشعب الجزائري الى الشوارع قبل ثمانية أشهر، واستمرت ثورته في شكل نسبي، واليوم، يتمثل حراك الجزائريين في نشاطات بعد صلوات يوم الجمعة وهي تستمر حتى كل مساء..».

لا يخشى المنتفضون على ثورتهم، هم يسلمون بما شابها من سلبيات ويدفعونها عنهم عبر اتهام «الطابور الخامس والأجهزة» التي تريد تشويه الحراك وخرق الحراك عبر تحويله الى عمليات قطع للطرقات ولأرزاق الناس، كما عبر استفزاز الشوارع المذهبية عن طريق هتافات تحمل طابعا طائفيا.

في الساحات، تبدو مجموعات الحراك المدني وأهمها حزب سبعة، إضافة الى المجموعات اليسارية وعلى رأسها الحزب الشيوعي وحركة الشعب، على علم بمسؤوليتهم الوطنية على هذا الصعيد. 

لكن صوت سبعة يبدو أكثر علوا في تهجمه على السلطة، وبينما ترفض تلك المجموعات التسبب بأذية المواطن الذي خرجت من أجله، تصر على ان قطع الطرقات وسيلة مشروعة للضغط على السلطة، لكن عبر عمليات محددة الزمان والمكان، على ان لا يعتمد الامر كقاعدة من شأنها أن تدفع مؤيدي الحراك عنه، كما يؤكد أحد الناشطين.

في هذا الإطار، تأتي مثلا تحركات سبعة في بعبدا للاحتجاج على رئيس الجمهورية ميشال عون. وبرغم تعرض ناشطي الحزب لاتهامات كثيرة وكبيرة، الا أنهم يصرّون على مشروعية هذا التحرك، كما على استمراريته، مع تفادي المواجهات العنفية التي يقول هؤلاء انهم ذهبوا دوما ضحيتها. 

الحل أو الفوضى!

«مستمرون حتى تحقيق المطالب»، يؤكد ناشطو سبعة والشيوعي والشعب وغيرهم كثيرون في الساحات. الحراك يطالب القوى الأمنية بأن تقوم بدورها في حفظ الأمن والانتظام العام وتأمين سلامة الناشطين الذين يحرصون بدورهم على الأملاك العامة والخاصة، لكن على السلطة مواجهة كل من يحمل السلاح ويقوم بأعمال التخريب وترويع المواطنين، عبر الجولات الميليشيوية المتنقلة.

اليوم، وبعد هذه المدة من انطلاق الانتفاضة، يؤكد الحراكيون ان التحديات جد كبيرة بالنسبة الى الثورة كما الى السلطة والبلد. بالنسبة إليهم، لقد بنوا حجر الأساس وهم في حاجة الى مؤازرة الناس، والبلاد على مفترق طرق: إما المضي في مرحلة النمو في الوعي وكسر المحرمات في سبيل وطن للجميع، أو الاستمرار في الانحدار وصولا الى الفوضى!

والحراك على موعد يومي مع نشاطات جديدة ستتخذ صفات متعددة، وسيكون أي تصعيد رهن ما ستقدم عليه السلطة. فإذا عادت الى تقديم دلائل جديدة على نيتها المضي في ظلمها وفسادها، سيعود الثوار الى تحركاتهم المواجهة لها والتي ستؤذيها.

مسؤولية هذا الحراك تدفعه الى رفض طروحات أقلوية ومراهقة كالدعوة الى الانقلاب أو إعلان العصيان المدني، أقله في المرحلة الحالية، ورفض محاولة البعض تحوير الانتفاضة وتحويلها من ثورة سلمية وراقية الى أداة لفتنة داخلية.

لكن هذا الأمر لا يعفي السلطة، وإن كانت خصما، من مسؤوليتها الوطنية في حماية رعاياها وتحريك القضاء لردع المرتكبين، بينما على الأحزاب التي يتبع اليها كل عابث أن تتحمل هي الأخرى مسؤوليتها الاخلاقية والوطنية والقانونية عبر ردعه.

هي باختصار مواجهات على «القطعة» على حد تعبير أحد المعتصمين في رياض الصلح، ومن شأن الأمر أن يتحول الى تصعيد كبير في حال عمدت السلطة الى استعادة مشهد الرموز السياسية في الحكومة والتي لفظها المنتفضون الذين يدركون «خدع السلطة ومناوراتها ومحاولاتها شراء الوقت، أو انتظارها لأوامر خارجية لكي تشرع في الحل». 

باختصار، يبدو أن المنتفضين في مرحلة استراحة ظرفية.. لعلها استراحة ما قبل العاصفة.


أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى