يبدو ضرورياً في ضوء طبيعة الاقتراحات المتداولة للخروج من الانهيار، لفت انتباه القيمين على الدولة اللبنانية ومؤسساتها في هذه المرحلة الى خطأ أساسي وجوهري، قد يكون قاتلاً، في مقاربة الأزمة الأقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان.
فاعتبار ما يعيشه اللبنانيون اليوم هو نتيجة لمشاكل من طبيعة تقنية خاصة بالإدارة والمصارف والنقد والقضاء والخدمات وغيرها... هو، عن عمد أو جهل، توصيف خاطىء للمرض، يستحيل معه وصف العلاج الصحيح والمطلوب.
فالأزمة الراهنة، هي من طبيعة سياسية سيادية بنيوية تراكمية يعاني منها لبنان نتيجة لتراكمات ثلاثين سنة من الاحتلال العسكري السوري والإيراني، وقد فاقمها تموضع رئيس الجمهورية ميشال عون والحكومة اللبنانية والأكثرية النيابية إلى جانب المشروع الإيراني في الإقليم والعالم، وإصرار معظم أركان المنظومة السياسية والحزبية التي تمسك بالقرارات، خصوصاً منذ تسوية العام 2016، على المضي قدماً في التغاضي عن جوهر الأزمة وأسبابها، بما لا يسمح للبنان بالخروج من أزماته، ولشعبه ببلوغ مرحلة الاستقرار الاجتماعي ولدورته الاقتصادية بسلوك مسار سليم وللنمو بأن يأخذ طابعاً مستداماً.
فلبنان يعاني اليوم نتيجة زجّه في حروب المنطقة بأبعادها الإقليمية والدولية وتداعياتها عليه، ما سبق لأوروبا أن عانت منه بعد الحرب العالمية الثانية من دمار وانهيار اقتصادي ومالي.
وعلى غرار الحل الذي اعتُمد لإعادة إعمار أوروبا وبناء اقتصادها من خلال «مشروع مارشال» في منتصف القرن الماضي (1947) لمواجهة الفقر والتصدي للتمدد الشيوعي في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، فإن إخراج لبنان من أزمته الاقتصادية وانتشار الفقر على نطاق واسع، والتصدي للتطرف الديني الذي يمثله المشروع الإيراني من جهة ورعاة التنظيمات الإسلامية المتطرفة الإقليميين من جهة مقابلة، يتطلب مشروعاً مماثلاً لـ«مشروع مارشال» بخلفياته وأبعاده وأهدافه وتمويله.
لقد كان الشرط الأساسي لـ«مشروع مارشال» هو تموضع «أوروبا الغربية» الواضح والصريح في قلب العالم الحر، وتبنيها الليبرالية في سياساتها الداخلية والخارجية واقتصادها وقوانينها الخ... وبالتالي فإن «مشروع مارشال» اللبناني يتطلب من لبنان العودة الى كنف الشرعيتين العربية والدولية استراتيجياً وسياسياً واقتصادياً، والتخلي نهائياً عن تغطية المشروع الإيراني أو التعايش معه.
وتبدو الظروف الخارجية لـ«مشروع مارشال» خاص بلبنان، متاحة على نطاق واسع عربياً ودولياً، شرط توافر قرار لبناني حاسم وحازم بالعودة الى تموضع لبنان التاريخي عربياً ودولياً. فالاتجاه في اليمن هو الى حل على قاعدة الشرعيتين العربية والدولية من خلال قراري مجلس الأمن الدولي 2511 و 2216. والاتجاه في سوريا الى حل سياسي على قاعدة العودة الى قرار مجلس الأمن الدولي 2254. من هنا تبرز أهمية بناء رأي عام شعبي وسياسي وحزبي لبناني يطالب بتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي 1559 و 1680 و 1701 الخاصة بلبنان كإطار لحل مشاكله السيادية واستعادة سيادته واستقلاله مدخلاً إلزامياً الى الحلول الإقتصادية والمالية والاجتماعية.
ومن الطبيعي أن تلي مرحلة انتهاء الحروب في المنطقة عملية إعادة بناء اقتصادات الدول المعنية، بمساعدة عربية ودولية.
وتبدو منطقة الشرق الأوسط أمام فرصة تاريخية تتمثل في التوجهات التنموية لكل من ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان من خلال رؤيته النهضوية 2030، وولي عهد دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد من خلال التجربة الناجحة اقتصادياً وتنموياً لدولة الإمارات العربية المتحدة.
فهاتان الدولتان القادرتان اقتصادياً، وصاحبتا التجارب الناجحة، والموقع القيادي في المنطقة، تتطلعان (كما تطلعت الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية الى مواجهة التمدد الشيوعي) وتعملان على مواجهة التطرف والإرهاب من خلال وسائل متعددة أبرزها التنمية البشرية والاقتصادية لقطع الطريق على استغلال التطرف للبيئات الاجتماعية الفقيرة والمعوزة من أجل التغلغل فيها.
ويمثل المشروعان الاقتصاديان لكل من الامير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد، فرصة تاريخية للبنان ولغيره من دول المنطقة من أجل النهوض، خصوصاً أنهما يتقاطعان ويتكاملان إقليمياً مع التوجهات الدولية لمواجهة التطرف والإرهاب.
لقد قال ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان في معرض شرح الأبعاد الإقليمية لـ«رؤية 2030» إن حلمه هو أن يجعل من الشرق الأوسط «أوروبا جديدة» ... فما على اللبنانيين شعباً وقيادات إذا أرادوا فعلاً بناء مستقبلهم، سوى التوجه نحو بناء شراكة استراتيجية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تكون المدخل الصحيح الى إعادة بناء الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان على قواعد تنموية تكاملية مع محيطهم العربي في عمقه الخليجي بعيداً عن مشاريع الحروب والدمار والخراب والمواجهات التي لم ترتدّ عليهم إلا بالبؤس والموت والفقر والتخلف عن اللحاق بالتطور الحضاري للعالم.