بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

الحَراك يرفض «محرقة» السلطة: الثوّار لا يُوزّرون

خيم الحراك في ساحة الشهداء...باقية
حجم الخط

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول النية في توزير ممثلين عن الحراك المدني ممن ينشطون في الساحات في وجه السلطة وقادوا انتفاضة 17 تشرين الأول، في الحكومة العتيدة.

هي ليست المرة الاولى التي يتم التداول بها في هذا الأمر. حدث ذلك منذ الفترة الأولى للانتفاضة أو «الثورة» كما يفضل الحراكيون تسميتها، وذلك بعد أيام من التجاهل والاستخفاف المتعمد من قبل السلطة للمجموعات المنتفضة، اعتقادا من السلطة بمحدودية تأثير تلك المجموعات وبقرب انتهاء مفاعيل الثورة في مهدها.

مع الأيام، بدأت مفاعيل الانتفاضة في الظهور وخاصة مع استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري ووقوف السلطة عاجزة عن إطفاء نار الغضب الشعبي، وإن كان الحراك يمر اليوم في مرحلة تراجع نسبي، يؤكد أصحابه أنها مؤقتة قبل أن يعود للتفجر شعبيا.

رفض المحاصصة الطائفية

الواقع ان مسألة توزير الحراك تعد اليوم بالغة الصعوبة، وهي أصلا ستكون لاحقة لمسائل شائكة كالتكليف والتأليف الصعب للغاية، إن لم يكن مستحيلا في هذه الظروف المعقدة محليا وإقليميا.

وأكثر ما يغضب الحراك إعلان البعض عن توزيره من حصة بعض القوى، أو صبغه بحصة طائفية ما، هو الذي خرج منتفضا على نظام طائفي كامل في البلاد ويرفض الدخول في الزواريب المعيبة للتحاصص.

والمثير في الأمر أن مسألة توزير الحراك باتت مرفوضة بالكامل من قبل الحراكيين وصولا الى اعتبارها «محرقة» لهم في الوقت الذي يطالبون فيه بعناوين وطنية شاملة.

يؤكد العميد المتقاعد جورج نادر ان الحراك يريد السمو بالبلد نحو شعارات وطنية عابرة للطوائف، وهو يرفض بشدة حصر الموضوع بطموح شخصي للتوزير لدى قياديي الحراك. «نريد بلدا نعيش فيه بكرامة وبمساواة، وخاصة من دون طائفية» يقول.

ينشط نادر في إطار ما يعرف بـ«هيئة تنسيق الثورة» وهو إطار يضم 76 مجموعة ناشطة كما يشير، تدعو الى وزراء من ذوي الكفاءة والنزاهة على ان يكونوا مستقلين عن أحزاب السلطة والطبقة الحاكمة.

وتذهب الأمينة العام لـ«حزب سبعة» غادة عيد إلى القول إن من يقوم بثورة «كالتي أعلناها لا يوزرون». والواقع انه لسان حال معظم المنتفضين، فلسان حال هؤلاء أن الثورة لا تُوزر، ومن غير المقبول الغرق في مستنقع الحكم، حسب عيد التي تطالب بحكومة من المستقلين والحياديين تكون «الثورة النقية» بمثابة الرقيب عليها.

بالنسبة الى «سبعة»، المهم اليوم هو موضوع إعادة تكوين السلطة، فالأمر ليس مجرد تشكيل للحكومة. هي ليست سوى بداية وتمهيدا لإجراء انتخابات نيابية مبكرة على أساس قانون عادل يؤمن تحقيق أهداف الثورة.

من جهتها، تقترح الناشطة نعمت بدر الدين التي تتحرك بين بيروت والجنوب، حكومة مصغرة ذات صلاحيات إستثنائية، من دون أن تكون تكنوقراط بالضرورة. وعلى هذه الحكومة أن تحصل على مهام تشريعية وأن تعمل خلال مرحلة إنتقالية نحو انتخابات نيابية تستند الى قانون انتخابي عادل وعصري. هنا، يتقدم برنامج الحكم على الأشخاص على أن لا يكونوا من الحزبيين.

بطبيعة الحال، ترفض بدر الدين كل توزير في ظل هذه السلطة التي لا تزال قائمة على المحاصصة الطائفية، وتطالبها بالتوقف أمام حال البلاد والوضع المزري الذي أوصلتها إليه.. قبل أن يسقط البلد بمن فيه.

من جهته، ينشط المحامي علي عباس في إطار «المرصد الشعبي لمكافحة الفساد»، ويتحرك على الأرض لمتابعة قضايا المنتفضين والمعتقلين.

يتواجد المرصد باستمرار في خيمته في ساحة الشهداء، وعباس غير معني بإغراءات السلطة و«قصص» التوزير التي يراها محاولات لاستيعاب المنتفضين والثوار، لا بل لإيجاد الانقسامات بين صفوفهم وخلق الشرخ الذي يمكّن السلطة من شق صفوفهم.

يطالب عباس بحكومة من الشخصيات التي تلقى احتراما لدى الحراك كما لدى اللبنانيين، على أن يكونوا من أصحاب الكف النظيف وأصحاب التاريخ المشهود بالاستقلالية.

هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلد، كما يقول، وهو يُقر بأن الحراك يمر في مرحلة ركود، لكن الأمر طبيعي بالنسبة الى المنتفضين بعد نحو شهرين على انطلاق الانتفاضة.

إلى أين من هنا؟

ثمة عوامل عديدة لضمور الحراك، وقد بدا هذا الأمر جليا إثر إسقاط ترشيح المهندس سمير الخطيب لرئاسة الحكومة، برغم أن عوامل أخرى ساهمت في شكل أساسي في إبعاده.

منذ الإثنين الماضي، يدور نقاش عميق بين الحراكيين حول كيفية مواجهة المرحلة المقبلة، هم الذين يتباينون في أمور عديدة.

تُقر عيد بالتباينات، وتلفت الى أن من سيتخلف عن مطالب الثورة ستلفظه الأخيرة، وهي لن تكون محدودة بقواعد جامدة، كما انها تملك هامشا واسعا للتحرك يستند أساسا الى إخفاقات السلطة وتعثرها. وهو ما يذهب نادر إليه أيضا والذي يشير الى الثقة المفقودة بين الحراك والسلطة. وتحذر بدر الدين من تمادي السلطة في تجاهلها للأزمة التي تتعمق يوما بعد الآخر ما سيؤدي بالحراك الى خطوات تصعيدية وفق التطورات. أما عباس، فيذهب الى التلويح بتصعيد كبير يؤدي الى إعلان عصيان مدني سيكون الشرارة التي ستشعل التحركات من خلال أخطاء السلطة، «ولدينا خطة عمل متكاملة على الأرض لهذا الأمر».

على أن الحراك المدني الذي ينشط عبر مجموعات عفوية ولا يمكن اختصاره بجهة ما، مهما كانت قوية ومنظمة، شرع في تنظيم احتجاجات صغيرة ومتحركة توجع السلطة وتربكها، خاصة أمام مقراتها الرسمية وهو ما سيستمر عليه.

وسيكون للحراكيين برنامج عمل على ضوء ما ستؤول إليه استشارات بعد غد الإثنين، خاصة إذا تم تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، وهو الإسم المرفوض من الحراك الذي لا يزال يتجمع، برغم خلافاته والظروف الصعبة التي تحيط به، تحت شعار «كلن يعني كلن».


أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى