بيروت - لبنان 2019/11/13 م الموافق 1441/03/15 هـ

العبرة من استذكار اللبنانيين لأحزانهم

حجم الخط

يستذكر اللبنانيون اليوم 13 تشرين الأول ذكرى الأحداث في مثل هذا اليوم من العام 1990 ، عندما هاجمت القوات السورية القصر الجمهوري في بعبدا، مما أدى إلى وقوع عدد كبير من الشهداء في صفوف الجيش اللبناني. وكالعادة فهم يستذكرون كل حدث مماثل، وفقا للقناعات السياسة والوطنية التي تسود بينهم. وفي الواقع، فإن اللبنانيين ومنذ توقيع اتفاق الطائف، ونهاية الحرب الدموية التي عصفت بهم، ما زالوا يستذكرون خلال تواريخ مختلفة، أحداثا جساما مرت بهم لكن من منطلق قناعاتهم السياسية والوطنية، وبعيدا عن روح اتفاق الطائف الذي يفترض أنه أنهى الحروب في لبنان، وأعاد بناء حصانة الوطن ضد حروب أخرى. ومن المؤسف أنه بدلا أن يستذكر اللبنانيون مثل هذه المحطات المؤلمة في تاريخهم الحديث جماعة، من خلال اعتبارها ذكرى للعبرة، وتجديد العهد بمنع تكرارها، نراهم يستذكرونها فرادى وكأنهم يعيدون التحضير لجولة أخرى من المعارك التي لا يريدون كما يبدو، أن تنتهي. 

يستذكر اللبنانيون أحداث 13 تشرين الأول اليوم، ونحن نمر بأزمة اقتصادية خانقة. ويبدو أن هذه الأزمة على خطورتها وثقلها الإنساني، لم تبدل في تعاطي اللبنانيين مع مثل تلك الذكريات. اللبنانيون يدركون جيدا أن كل المعطيات الاقتصادية العملية والواقعية، تؤكد أن تلك الأزمة ليست نتيجة مشكلة بنيوية في الاقتصاد الوطني، بل هي نتيجة سؤ إدارة لسياساتنا الوطنية المحلية والخارجية. ولكنهم يرفضون الاعتراف بأن أبرز مظاهر سؤ الإدارة الداخلية، أننا لم نتمكن حتى الآن، من تطبيق بنود اتفاق الطائف والتي تحولت في معظمها إلى بنود دستورية، وذلك بسبب واقع ارتباطنا العضوي الذي نقيمه بأنفسنا، مع المتغيرات الإقليمية والدولية، من حولنا. فالبعض منّا يرى أن على لبنان أن يكون جزءا من محيطه ويتفاعل مع الوقائع هناك وبالطبع فإن كل طرف بينهم، يرى شكل هذا التفاعل وفقا لقناعاته الإيديولوجية. وعليه يستمر الانقسام والتشتت.

من المؤسف أن بعض اللبنانيين لم يقرأ ولا يقرأ، بل لا يريد أن يقرأ، آثار سياسات التحول الدولي ولاسيما بعد سقوط المنظومة الاشتراكية. لم يدرك هؤلاء أن ما حصل هو أشبه بنهاية حرب عالمية أخرى. وأنا كنت من الذين أصروا على اعتبار تاريخ سقوط المنظومة الاشتراكية، بأنه تاريخ نهاية الحرب العالمية الثالثة وكتبت دائما في تقاريري الدبلوماسية، محذرا من آثارها الحتمية على لبنان ومنطقتنا. ربما لم يدرك هؤلاء، أو أنهم لم يأخذوا على محمل الجد، خطورة تلك التطورات. ولكنهم كانوا معذورين إلى حد ما، لأن لبنان كان تحت الوصاية السورية التي فرضها المنتصر في تلك الحرب على وطننا، والتي تزامنت مع توقيع اتفاق الطائف وبدء إجراءات تنفيذه. أما بعد نهاية الوصاية السورية فإنه من غير المنطقي أن نستمر بتجاهل تلك التطورات، وخاصة في مثل هذه المناسبة التي يجب أن تحفزنا أكثر على رفض أية وصاية خارجية على إرادتنا الوطنية.

على اللبنانيين أن يستذكروا ما ينقله لهم المسؤولون الدوليون وخاصة الأميركيون، من تحذيرات وآخرها بتاريخ 13 أيلول المنصرم، حين صرح مساعد وزير الخارجية الأميركي للشرق الأدنى، دايفيد شينكر أن بلاده لن تعيد ما حصل عام 1991، عندما أخطأت في حساباتها نحو لبنان، و»سلمت» لبنان إلى السوريين. وهو كان يعني بوضوح، أن بلاده لن تسمح ب»تسليم» لبنان إلى إيران. وهو شدد أن ما يقوله هو تصريح رسمي. وقد جاءت رسالته هذه، بعد الرسائل التي وجهها وزير الخارجية الأميركي إلى اللبنانيين خلال زيارته لبنان التي صادفت عشية زيارة فخامة رئيس الجمهورية إلى موسكو. فقد أرسل الوزير بومبيو رسائل واضحة إلى اللبنانيين ذلك الحين، داعيا إياهم لقراءة الأحداث بشكل سليم. 

وإذ أشدد على الرسائل الأميركية، فلأنني مقتنع أن الولايات المتحدة ما زالت تقود سفينة العولمة التي نركبها معا الآن. ومن يعتقد أن دولا أخرى مثل الصين والاتحاد الروسي ينافسانها في قيادة هذه السفينة، عليهم إعادة النظر بآرائهم وفهم أن هذه الدول لا تسعى لمنافسة الولايات المتحدة أو الحلول مكانها في قيادة السفينة، بل إلى مشاركتها لقيادة هذه السفينة. لقد اتفقت الدول العظمى على مفاعيل التحول الذي حصل بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية، لكنها لم تتفق على كيفية قيادة المركب العالمي، وبرز هذا الاختلاف بشكل خاص، في مطلب أساسي لبعض هذه الدول، اتصل بتغيير في المؤسسات المالية لنظام بريتون وودز. ولقد كتبت الكثير بهذا الصدد انطلاقا من قناعتي بأن السفير هو واحد من الذين يفترض أن يشاركوا في صناعة  الدبلوماسية اللبنانية، ولكن الدبلوماسية اللبنانية لم تشأ أن تصغي. 

أتمنى أن تعيد الإدارة اللبنانية قراءة المعطيات الدولية. فخامة الرئيس يقول اليوم «أن أزمتنا الاقتصادية ناجمة عن الضغوط القائمة على لبنان»، نحن نؤيد هذا الرأي، لكن هل يعني ذلك تغييرا في الموقف اللبناني لاسيما أن فخامته كان رد على تحذير الوزير الأميركي في حينه بأن لبنان «سيتبنى المقاومة الاقتصادية»؟ أعتقد بأن علينا نرى بوضوح، التغيرات الأميركية في نظام علاقاتها الدولية وخاصة في إطار تعاطيها مع مواقف الدول التي تسعى لمشاركتها قيادة سفينة العولمة. هناك فارق استراتيجي بين السياسة الأميركية خلال عهد الرئيس أوباما وسياستها خلال عهد الرئيس ترامب، فالرئيس أوباما سعى إلى قيادة المركب الأممي من خلال تسويات مع هذه الدول. وهو وضع استراتيجية تقوم على مفهوم ربح ربح مع الآخرين، فشهدت سياسته تراجعا في الاندفاعة السياسية نحو آسيا، واكتفى بالتعاون الاقتصادي مع هذه القارة، مضيفا للاتفاقيات القائمة مع دول منها، اتفاق التعاون عبر الباسفيك الذي ضم إلى خيمتها الاقتصادية، مجموعة كبيرة أخرى من دول آسيا. كما منح الصين ما تشتهيه ماليا، لجهة قبول صندوق النقد الدولي ياليوان الصيني كنقد نادر. لكنه لم يتمكن من إقامة تسوية مع الاتحاد الروسي في موضوع أوكرانيا والبلقان وفي موضوع الشرق الأوسط. ففي أوكرانيا والبلقان لم يكن يمكنه التصرف بمعزل عن الاتحاد الأوروبي الذي كان يرفض التسوية مع روسيا. لذلك لم يكن من الممكن له إرضاء روسيا اقتصاديا من خلال منح الروبل وضعية مماثلة لليوان الصيني.أما في الشرق الأوسط فقد أمكن للرئيس أوباما تحقيق الاتفاق النووي الذي شكل نوعا من التقارب مع إيران بدعم أوروبي، مما أدى إلى ابتعاد عن حلفاء الولايات المتحدة الأساسيين في دول الخليج النفطية، وأغضب إسرائيل. وباختصار نعمت إيران خلال عهده، بحماية كبيرة لدورها في سوريا ولبنان وكذلك في العراق، فالولايات المتحدة لم تكن مستعدة لدعم أي تحرك عسكري إسرائيلي في مواجه هذا البلد وحلفائه.

أما الرئيس ترامب فقد حمل العصا الغليظة من رأسها، وأسقط استراتيجية ربح ربح دافعا باستراتيجة الربح لأميركا مهما كان الثمن. وقد سعى في آسيا وما زال، لإقناع كوريا الشمالية بالتراجع عن برنامجها النووي مع كل الحوافز التي يمكن أن يشتهيها هذا البلد، وهدفه الأول هو سلخ كوريا الشمالية عن المدار الصيني منعا لاستمرار التهديدات الكورية النووية المحاكة صينيا من الخلف، ضد بلاده. كما وضع عقوبات ضد الصين لتعديل الميزان التجاري بين البلدين لمصلحة بلاده، وانسحب من اتفاقية عبر الباسفيك. وهو اتجه نحو الشرق الأوسط، فأسقط الاتفاق النووي وكشر عن أنيابه ضد إيران، وأطلق مواقف مدوية في الصراع العربي الإسرائيلي من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والاعتراف بضم الجولان السوري لها، مؤكدا أنه سيدعم إسرائيل بكل ما تفترضه الظروف. وهو رفض تسوية مع روسيا في أوكرانيا والبلقان فتابع ضغوطه الاقتصادية ضد هذا البلد إرضاء للاتحاد الأوروبي لكنه سعى لتسوية معها في موضوع الشرق الأوسط وخاصة في سوريا ستبرز مفاعيلها أكثر حين تتضح ماهية الاتفاق الذي تم بين المسؤولين عن الأمن القومي في أميركا وروسيا وإسرائيل والذي جرى خلال شهر حزيران الفائت في القدس. 

كل متابع دقيق لنظام العلاقات الدولية، يعلم أن الدول الكبرى غير مهتمة بما تقوم به الولايات المتحدة في الجانب السياسي هنا وهناك، طالما لا يضر بمصالحها وضمنت لها حصتها في النظام الاقتصادي الدولي. لم تتحرك الصين سياسيا، إلا عندما استشعرت خطة أميركية في محيطها الآسيوي، أما روسيا فكانت مرتاحة في البداية للتوجه الأميركي لأنه أنهى الحراك في الشيشان، لكنها تحركت بقوة عندما قاربت الولايات المتحدة محيطها في أوكرانيا والبلقان وصولا إلى الشرق الأوسط.

العاصفة في أوجهها، وأجراس العودة إلى فلسطين، صارت أجراسا يقرعها كل لاعب في هذه المنطقة وفقا لمصالحه ولهمومه، والهم الأكبر الآن لكل طرف هو البقاء، والبقاء للأقوى، والمصلحة العليا لكل طرف واضحة ولا حاجة للجدل فيها، نرجو أن لا تجعلنا السياسة اللبنانية، جزءا من لعبة بناء القوة لهذا الطرف وذاك، ولخدمة مصالح هذا الطرف أو ذاك؟ لكل هذه الأسباب نطالب بحياد لبنان. 

(دالاس في 13 تشرين الأوّل 2019)


أخبار ذات صلة

إضاءة شموع ونثر ورود في المكان الذي إستشهد فيه علاء [...]
كل الطرقات الاساسية والفرعية المؤدية الى القصر الجمهوري مقفلة بشكل [...]
المتظاهرون يتجمع امام شركة الكهرباء ومبنى اوجيرو في صيدا وقد [...]