بيروت - لبنان 2019/10/16 م الموافق 1441/02/16 هـ

القانون يسأل: وطن الأزمات أنا هنا حدّق أتذكر من أنا؟!

من التلاعُب إلى التكاذُب

حجم الخط

في خضم مناقشات موازنة العام 2020، ووسط خلافات سياسية، قضائية ومالية ومصرفية، تتظهَّر على المسرح، على نحو تراجيدي حيناً، ومضحك أحياناً، ومسلٍ بطعمة الفكاهة، طوراً ثالث، وضعية السلطة المنهكة بالخلافات، وتضارب المصالح والأجندات، في ظل ظروف إقليمية ودولية، يمكن وصفها بأنها أكثر من ضاغطة، هي تتدخل على نحو بالغ من الحدّة في انتهاك خصوصية الدول، ناهيك عن معزوفات، يحلو للبعض، أن يضرب عليها، كالسيادة، والقرار المستقل، والعنفوان، الذي أشبه بطبل «مفخوت» لا يسمع، حتى صداه، في هذا الخضم، طغت على السطح مسألة سيادة القانون: وراحت الأسئلة، تتوالى عن السلطات والصلاحيات والمرجعيات: هل يستخدم القانون لمنع مواقع التواصل الاجتماعي من كشف هذه الفضيحة أو تلك «ببهارات» أو بلا «بهارات» بفلفل أو رشة قرفة أو كمون عليها.. وصولاً إلى إعلان الحرب، التي لا هوادة فيها على الإعلام، برمته، صحافة، ومحطات تلفزة، وراديوهات، وحتى بيانات ومنشورات، وكومنتات (comments) و«شاتات» (chats)، وصولاً إلى «الثرثرة فوق النيل» أو حتى بحيرة «ديمان» السويسرية.

أفرج القصر الجمهوري عن جملة مواد في قانون العقوبات، تتعلق في «النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي (المواد 295 - 298) أو النيل من مكانة الدولة المالية (319 - 320) أو الذم والقدح (582 - 586) في فصل الجرائم الواقعة على الحرية والشرف.. ونبّه بيان المكتب الإعلامي إلى الملاحقة على أساس هذه المواد، سواء في التغريم أو الحبس إلى آخر «الأوان» (أو... أو..) المنصوص عنها، الأمر، الذي استدعى نقاشاً في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، خرج بعده الرئيس سعد الحريري أنه ليس مع سجن أي إعلامي أو صحفي، قبل أن يغرد أحدهم قائلاً: «ما في حبوسة تساع كل الناس»، تيمناً بأغنية لفيروز في إحدى مسرحياتها، باعتبار أن الناشطين على الفيسبوك (facebook) وتويتر (Twitter) و(facetime) والانستغرام Instagram) لسوا كلهم صحافيين، بل مواطنين ومواطنات سواء أكانوا في دولة، أو جغرافيا طوائف، أو حتى متطفلين على الحياة العامة.. (بالإذن من شربل نحاس، مع حفظ الالقاب) وحركته السياسية المدنية (مواطنات ومواطنون في دولة)..

في الحمأة هذه، وتحت المساءلة بالقانون، تجري مُعالجات الاحتدام الحاصل بين تجار المحروقات والقمح والأدوية المستعصية وغير المستعصية على خلفية الفارق في سعر صرف الدولار. (كانت السيّارات والحافلات الخصوصية والعمومية، تنتظر تعطيلاً لتسليم المحروقات (البنزين، الغاز، المازوت والديزل) هذا الصباح، لكن اتصالاً تلقاه نقباء الشركات المستوردة للنفط من الرئيس الحريري مساء السبت الماضي، طمأنهم فيه إلى أن المصارف سوف توفر للشركات المستوردة بالتنسيق مع مصرف لبنان، ايداعات الليرات اللبنانية إلى الدولار الأميركي بسعر القطع الرسمي المحدد من قبل مصرف لبنان، ووفقاً لجدول أسعار وزارة الطاقة.. إلخ.. رفع المخاوف، ولم يلغِ المخاطر، في ظل ترقب نقابة الخبازين وأصحاب الأفران، الذين تداعوا للاجتماع اليوم.. للنظر في حل مشابه لاستيراد القمح، الذي يصير طحيناً (اسقالله أيام زمان، عندما كان لبنان ينتج قمحاً، وتحوله المطاحن إلى طحين، ونأكله على صاج أماتنا إلخ..)..

في السياق، تطمئن السلطة النافذة إلى سيادتها على مواطنيها.. وتذهب إلى هنا أو هناك بحثاً عن هموم أخرى لا صلة لها بهم وطن أو مواطن..

على أن الحدث، الخطير،ذي الصلة بـ«دولة القانون» يتعلق بما يسمى مواجهة «الفساد»، وآثاره البعيدة على البلاد والعباد.. فمن أين يدخل النّاس إلى استعادة الثقة، والعمل بموجب ثقة مفقودة..

خارج هذا التوصيف، وفي باب الاستماع إلى مخالفات في الخليوي، طلب المدعي العام المالي، الذي يعين بموجب المادة 18 من قانون أصول المحاكمات الجزائية (رقم القانون 328) بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل، ويتمتع بحدود المهام المحددة له في هذا القانون، بالصلاحيات العائدة للنائب العام التمييزي إلى ثلاثة وزراء مرُّوا على وزارة الاتصالات الحضور إلى مكتبه للاستماع إلى ما لديهم حول مخالفات في قطاع الخليوي، باعتبار أنهم وزراء وصاية.. حضر النائب السابق بطرس حرب، والذي كان وزيراً سابقاً للاتصالات إلى مكتب المدعي العام المالي، في حين امتنع الوزيران السابق جمال الجراح، والحالي محمّد شقير عن الحضور، رافضين «شرب القهوة» أو حتى الشاي، في مكتب القاضي المعني..

أثارت القضية عدّة أسئلة، بعضها يتعلق بالصلاحيات والآلية، وبعضها يتعلق بالاستنسابية، والاستهداف السياسي، وبعضها يتعلق بالاستجابة لضغط من هنا أو هناك إلخ..

فثمة من ذهب إلى القول أن الآلية تقتضي إيعازاً من النائب العام التمييزي، أولاً، ومنهم من قال أن لا حق للنائب المالي استدعاء الوزراء أو.. دار نقاش ولا يزال دائراً حول كيفية الخروج من المأزق، الناجم عن الرفض والاستدعاء والحق والصلاحيات..

حددت المادة 21 من القانون المذكور سابقاً العلاقة بين المرجعين القضائيين، فذكرت ما نصه: «يمارس النائب العام المالي صلاحياته المنصوص عليها في هذا القانون تحت إشراف النائب العام التمييزي، ضمن الأصول والقواعد التي يطبقها النائب العام الاستئنافي والمحددة في هذا القانون، وفي القوانين المالية.

وبصرف النظر عن ذلك، يصبح السؤال المشروع، هل يحق للنائب المالي أو الاستئنافي استدعاء الوزير وضمن أية آلية؟..

المسألة لم تنتهِ، السؤال المطروح بأي آلية حكم، يواصل اللبنانيون إدارة بلدهم، بعد «طرد» الوصاية السورية، الملزمة أميركياً، بقوة الضغط الدولي، وتحريك الشارع، الذي كان يسمى شارع «14 آذار»؟ هل ينفصل القضاء عن السياسة، أم ترفع السياسة يدها عن القضاء؟ هل يخضع اللبنانيون إلى سلطة «القانون» أم يحوّل القانون ومشتقاته وأجهزته ومواده ونظمه وقواعده وقضاؤه إلى أدوات سطو واستباحة، وسيطرة وتصفية حسابات؟!

في عملية المخاض هذه، لا حاجة للتذكير بقوة استمرار الدول وظروفها، أما القانون، فينداح من سؤال إلى سؤال: وطن الأزمات أنا هنا، حدّق أتذكر من أنا؟!


أخبار ذات صلة

الحسن تشكر الدول التي ساهمت باطفاء الحرائق
جنبلاط ينصح باستخدام "الماعز" لتنظيف الأحراج
حسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني (AFP)
شقيق روحاني إلى سجن شهير بعد إدانته بقضية فساد