بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 تشرين الأول 2018 11:59م القطاع الصحي: واقع مرير على أبواب الأمل

حجم الخط
يعيش القطاع الصحي في لبنان منذ عقود طويلة فوضى عارمة، ولم تنجح السلطات السياسية المتعاقبة في تنظيم هذا القطاع الفائق الحيوية، فلم تفلح أولاً بالوصول الى هيكيلية تنظيمية جديدة، والى نظام صحي موحد يخضع له اللبنانيون بمختلف شرائحهم دون تمييز، ما جعل هذا القطاع أسير الفساد السياسي، وحوّل ميزة لبنان الاستشفائية التفاضلية، الى بؤرة للفساد، وأصبح القطاع الصحي تجارة مربحة للبعض على حساب صحة اللبنانيين وحياتهم.
وباستطلاع سريع لبعض الحقائق الرقمية حول الواقع المرير للقطاع الصحي، نلاحظ أن كلفة الفاتورة الصحية في لبنان تشكل نحو 10 إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي، الذي ينتج فيه القطاع الخاص نحو 95% من الخدمات الصحية حسب تقرير البنك الدولي، وهي ثاني أعلى فاتورة صحية في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، كما أنّ دول الجوار تنفق أقل من ذلك وتتمتع بمؤشرات صحية أفضل علماً بأن الدول الاوروبية والاسكندنافية لديها الإنفاق نفسه تقريباً وأحياناً أقل وتتمتع بمؤشرات صحية أفضل وخدمات طبية أرقى وتغطي خدماتها كل شرائح المجتمع لديها مع العلم الى أن  لبنان يحتل المرتبة 97 عالمياً لناحية السرعة وجودة الخدمات الصحية بحسب دراسة لمنظمة الصحة العالمية. 
من جانب آخر، تصل فاتورة الدواء في لبنان إلى نصف مليار دولار سنوياً كمعدل وسطي بحسب أرقام لجنة الصحة البرلمانية، وتشكل هذه الفاتورة 30-35% من الإنفاق على الصحة و36% من دخل الاسر الاكثر فقراً، هذا من دون احتساب الادوية المهرّبة التي تشكل 25% من سوق الادوية في لبنان، ومن دون أـن ننسى أيضاً أدوية الأمراض المزمنة والسرطانية الباهظة الثمن.
وبتفسير بسيط  لهذه الارقام الضخمة والمذكورة أعلاه، والتي لا يجد ما يبررها سوى الاهمال والفساد والهدر، نلاحظ أن أهم أسبابها يعود الى وجود ضغوطات متزايدة وغير محدودة تحيط بموضوع الإنفاق على القطاع الصحي، وهي ضغوطات ناجمة عن ضعف تركيبة النظام الصحي والأطر الرقابية وإدارة القطاع عموماً، وتترجم في مستويات إنفاق عالية حيث نجد أن حوالى 70% من الإنفاق على الاستشفاء يذهب للقطاع الخاص مقابل 30% للقطاع العام بحيث أصبحت وزارة الصحة المموّل الرئيسي للقطاع الخاص. 
هذا، ويقدّر عدد المستشفيات الخاصة العاملة في لبنان حوالى 149 مستشفى خاص تقدّم معظمها خدمات طبية جيدة ويحصل بعضها على جوائز عالمية من حيث جودة الخدمات مقابل 29 مستشفى حكومي أكثر من نصفهم لا يعمل والنصف الآخر يتآكله الفساد المالي والإداري والمحسوبيات السياسية والتوظيفات العشوائية ومجالس إدارة منتهية الصلاحية منذ سنوات مع خدمات طبية متواضعة جداً ونقص في التجهيزات الأساسية كحاضنات الأطفال والتقنيات الحديثة الأخرى. 
كل هذه الأسباب مجتمعة على رأسها غياب الرقابة والمحاسبة مع أسباب أخرى، أدى الى تضخم الفاتورة الصحية بداعي الهدر والى هوّة كبيرة بين فواتير المستشفيات وقدرة الدولة على التلبية وهذا ما ادى بدوره الى ضخامة المتأخرات المستحقة على القطاع العام لصالح صناديق الضمان الصحي والمستشفيات الخاصّة.
من هنا، وانطلاقاً من أنّ «الحق في الصحة» هو الاساس الذي تضمنه ميثاق مكتب الهيئات العليا لحقوق الإنسان، والذي وقعت عليه الحكومة اللبنانية، يلزم على الدولة اللبنانية واستناداً الى رؤية واستراتيجية واضحتي المعالم، أن تباشر فوراً بإصلاح هذا القطاع الحيوي عبر ايجاد حلول جذرية لهذه المشاكل بهدف تقليص هذا الهدر الفاضح من خلال وضع خارطة صحية واضحة ومحددة تقوم على تعزيز دور وزارة الصحة الرقابي والتنظيمي لجهة مراقبة نوعية الخدمة الصحية المقدّمة ومستوى الأسعار، اضافةً الى تنظيم القطاع الخاص وضبط بعض جوانب الفوضى التي يستظل بها، وتفعيل الرقابة بهدف تشجيع المنافسة وتحسين الانتاجية وزيادة المنافع وتعزيز التنسيق بين القطاعين الخاص والعام، كما لا يجب أن يغفل عن الدولة اللبنانية واجبها من حيث قيامها بسدّ الثغرة القائمة في بعض مجالات التقديمات الصحية التي يتولى القطاع الخاص بشكلٍ رئيسي انتاجها، وعلى الاخص التقديمات التي تعني تلك الشرائح من المجتمع غير المشمولة بالتغطية الصحية وفق أيّ من أنظمة التأمين الصحي.
ويبقى السؤال الأخير والذي لا يزال يتردد كل فترة، متى سيأتي اليوم ويقر مشروع البطاقة الصحية («carte sanitaire»)  والذي يشكل حلماً يراود كل مواطن لبناني، كما ويشكل تجسيداً ملموساً للحق العام بالتغطية والرعاية الصحية لكل فئات الشعب اللبناني دون تمييز؟
د. محمد بالوظه