بيروت - لبنان 2020/02/24 م الموافق 1441/06/29 هـ

«المجلس سيد نفسه» فَمنْ يُحاسب: حكومة إستقالت أم لم تنل الثقة

جلسة الموازنة اليوم بين مطرقة جدران الدعم وسندان الجدل الدستوري

صورة جدران الفصل بين الشعب والمجلس
حجم الخط

في مشهد لم يتعوّد عليه المجلس النيابي، وقد يكون الأول في المشهدية المحيطة بالمجلس، يقعد جلسة مناقشة الموازنة العامة للعام 2020 والموازنات الملحقة بها، وجدران الدعم الإسمنتية تُشكل خط دفاعاً أول عن نواب الأمة، أمام الغضب الشعبي.

وفي سابقة دستورية هي بالتأكيد الأولى في تاريخ المجلس، يُخاطب النواب حكومة لم تنل ثقتهم بعد، على أمل أن تتبنى مشروعاً لم تناقشه ولم تطلع عليه، ولا قدرة لها على استرداده أو تعديله، أقله قبل نيلها الثقة، وهو ما يضع بمجمل الأمور المجلس أمام حالة مزدوجة لم تمر في سجله البرلماني (حكومة إستقالت وحكومة لم تنل الثقة وأن كانت حصلت سابقاً فلم تدخل الحكومة الجديدة حرم البرلمان قبل نيلها ثقة النواب)، والثقة إذا كانت محسومة بالنسبة لتصويت من اختار الحكومة لصالحها، وعلى قاعدة أن الثقة تحتاج إلى نصاب النصف زائداً واحداً كحضور نيابي  لدستورية الجلسة، أما في التفصيل فيمكن أن تأخذ ثقة أكثرية النصاب القانوني أو مهما كان العدد، إلا أن هذا لا يعني أن حضور الحكومة الجلسة اليوم لن يخلق جدلاً دستورياً واسعاً، ما قد يجعل الكلام النيابي في الأوراق الواردة ومباشرة على الهواء (في حال كتب للجلسة الإنعقاد)، سينصب أولاً وأخيراً على هذا الجدل بالإضافة إلى عمليات كر وفر بين الفريق الذي كان في حكومة الرئيس سعد الحريري التي إستقالت تحت ضغط الشارع، وبين من هو ممثل الآن في الحكومة بأوجه مختلفة ومهما كانت التسميات ، حكومة لون واحد أو تكنوقراط أو مستشارين، إلا أنه من المؤكّد أن الجلسة في الشكل تُخضع للكثير من التساؤلات الدستورية وفي المضمون للكثير من الأخذ والرد والذي سيظهر حقيقة الإنقسام الذي حصل بعد إستقالة الحكومة وقبله، ويضع الحكومة الجديدة في حال الدفاع عن النفس وأن كانت غير مسؤولة بالتوقيع على مشروع الموازنة.

وبغض النظر عن الإختلاف والخلاف النيابي، والذي يعود بجزء منه إلى إنقسامات سابقة حول دستورية التشريع في ظلّ حكومة تصريف أعمال، وهو ما كان دائماً يرد عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري بمقولة «المجلس سيد نفسه»، فإنه من الواضح وهو ما كان نقله عنه زواره أن «الحكومة ستحضر كحكومة تصريف أعمال، وهو يعطي الأولوية  لإقرار الموازنة وبعدها، فلتتفرغ الحكومة الجديدة للإجراءات والخطوات الاصلاحية التي تنوي إتخاذها. وفي دليل واضح إلى رغبة عين التينة بإعتماد هذا التوجّه ورفضها أي اقتراح لإسترداد المشروع، فالمادة 32 من الدستور تقول «تخصص جلسات العقد الثاني للبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل كل عمل آخر»، ولا يمكن في ظلّ انتظام المال العام ترك البلاد دون موازنة، كما أن رئيس المجلس لا يرغب بمخالفة الدستوروالعودة إلى الصرف على القاعدة الاثني عشرية، وهو طبقاً للمادة 86 من الدستور لا يمكن اعتمادها لأكثر من شهر واحد تحديداً «كانون الثاني».

وفي هذا الاطار، قال عضو كتلة «التنمية والتحرير» النائب قاسم هاشم: «الأمر لا يحتاج إلى تنظير وتنجيم فالمصلحة الوطنية لانتظام المالية قبل نهاية كانون هو إلتزام وطني ودستوري والتعاطي بحكمة مع الكثير من الطروحات والقضايا لتسيير أمور الدولة والناس، وهذه هي الأولوية».

في المقابل، تقول مصادر نيابية ودستورية بالنسبة إلى مقولة اعتبار الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال كحكومة الرئيس  سعد الحريري التي كانت ستحضر الجلسة فهي من وضع الموازنة وهي حكومة نالت ثقة المجلس، وتقول: فالمادة 96 تقول الحكومة تعتبر مستقيلة في حالات معينة،  «إذا إستقال رئيسها أو فقدت أكثر من ثلث أعضائها أو بوفاة رئيسها أو عند بدء ولاية رئيس الجمهورية أو ولاية مجلس النواب أو عند نزع الثقة منها من قِبل المجلس النيابي بمبادرة منه أو بناء على طرحها الثقة»، وفي الفقرة الثالثة «عند إستقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة يصبح المجلس حكماً في دورة إنعقاد إستثنائية حتى تأليف جديدة ونيلها الثقة». واستطراداً وفي الفقرة الثانية من المادة 64 فإن «الحكومة عليها أن تتقدم من مجلس النواب في مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة، ولا بعد إستقالتها أو اعتبارها مسقيلة الا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال».

كل هذه الأمور، خضعت أيضاً لتمحيص ودرس في السراي الحكومي، بالتنسيق مع عين التينة لمناقشة الإحتمالات الأنسب والأقل ضرراً، ومن ضمنها ثلاثة سيناريوهات : استرداد الموازنة من المجلس النيابي وهو دونه عقبة ان الحكومة لم تنل ثقة المجلس النيابي بعد، والثاني طلب تأجيل البت بالمشروع إلى حين نيلها الثقة لتستعيد المشروع وتناقشه من جديد، وهوما قد يطيح بالمهلة الدستورية والخيار الثالث المشاركة في الجلسة على أساس انها حكومة تصريف أعمال، وهو ما كان تحدث عنه الرئيس بري، وهو ما سيتم اعتماده. .

في المقابل، وفي حين تدرس الكتل النيابية خياراتها أيضاً، فإن الكتل التي ستصوت لصالح الموازنة بعيداً من دستوريتها من عدمها: كتلة التنمية والتحرير و«لبنان القوي» و«اللقاء الديموقراطي» و«المستقبل»،  فيما لم تقرر كتلة «الوفاء للمقاومة» بإنتظار سير المناقشات، وعُلم أن «تكتل الجمهورية القوية» يتجه إلى حجب الثقة عن الموازنة، وقد أعلن مساء أمس المشاركة في الجلسات اليوم بغرض فتح نقاش حول دستورية الجلسات، بالإضافة إلى ان موقفها من جلسة اليوم أخذ جدلاً بين من يقول بعدم دستورية الجلسة في ظلّ غياب الحكومة التي لم تمنح ثقة المجلس بعد، وبين من يقول بإمكانية التشريع في ظلّ غياب الحكومة، وان كان البعض يوافق على عدم دستورية مناقشة الموازنة في ظلّ حكومة لم تنل الثقة بعد، ولكنّ الاتجاه هو للمشاركة.

بدوره، أعلن رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميّل عن تحفّظ الكتائب على جلسة ً لإقرار موازنة «أنجرتها حكومة ساقطة وستدافع عنها حكومة لم تأخذ الثقة». وأكد عدم المشاركة في الجلسة.

كما قالت  عضو «كتلة المستقبل» النائب رولا الطبش: «الخيار بين مناقشة موازنة لم تعدّها الحكومة الحالية وبين غياب الموازنة لعدم مثول حكومة ممنوحة الثقة، يُشكل سابقة دستورية على المجلس معالجتها كي لا تفتح الباب أمام تعثرات دستورية أو مالية لاحقة».

جدل آخر حصل عشية  الجلسة، حيث تحدثت المصادر ان وزير المال غازي وزني،  زوّد مجلس النواب بفذلكة جديدة، وأن وزني ذكر في الفذلكة «ان هذا الأمر جاء في إطار استمرارية سير المرفق العام ولتجنب أي فوضى في الإنفاق وهدر المال العام،  وان تقرير وزارة المال السابقة حول الحالة الإقتصادية والمالية لا سيما الإيرادات، لم يعد يتناسب بصورة دقيقة مع واقع الحال بعد تغير معظم المعطيات»، نفى في المقابل وزني ان يكون وزع أي فذلكة جديدة للموازنة ، بل  بملحق من 3 صفحات على الفذلكة الأولى يلخّص فيه تعديلات لجنة المال والموازنة وأرقامها ويتبنّى المشروع لمناقشته وإقراره أمام المجلس النيابي.

في كل الأحوال، فإن جلسة اليوم تبقى رهن حراك الشارع الذي سيصطدم بجدران الإسمنت المحيطة بكل ساحة النجمة، وسط إجراءات أمنية مشدّدة عشية الجلسة، التي ستبث وقائعها مباشرة على الهواء، على مدى يومين صباحاً ومساءً، وقد تمتد أو تختصر وفقاً لمجريات الأحداث تحت قبة البرلمان وخارجه، وتبدأ بتلاوة تقرير رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان الذي  أكد ان المادة 69 من الدستور تؤكّد دستورية الجلسة وهو سيركز في تقريره: على تخفيض اللجنة  بما يفوق الـ٨٠٠ مليار ليرة على المشروع، وان الايرادات إنخفضت منذ ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، بالإضافة إلى سلسلة تعديلات تضمنها المشروع ومنها رفع ضمان الودائع من ٥ إلى ٧٥ مليون، واسقاط المهل ٦ أشهر للمتعثرين في القروض وتمديد المهل  ٦ أشهر للإعفاءات الضريبية. كما تتضمن تحويل عائدات شركتي الخلوي والمرفأ مباشرة إلى الخزينة.

وثم يبدأ الكلام  بالأوراق الواردة، وفي المحصلة وبعد الكلام النيابي المباشر، سيقطع البث المباشر لتبدأ عملية التصويت على مشروع الموازنة.















أخبار ذات صلة

قصف روسي يمنع تقدماً تركياً في إدلب
مَنْ يجرؤ على اتهام الطبقتين المالية والسياسية بالخيانة؟!
جرافة إسرائيلية تقترب من جثة الشهيد فيما كان رفاقه يحاولون سحبها عند الحدود (أ ف ب)
تصعيد في غزة: الاحتلال يقتل فلسطيني ويجرف جثته