بيروت - لبنان 2020/06/05 م الموافق 1441/10/13 هـ

المقاصد ليست للبيع أو التصفية

حجم الخط

مرّة ثانية وثالثة والحبل على الجرَّار، وجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية تُعاني مشاكل إدارية ومالية وأزمة قيادة تَحُدّ من استمراريتها، وتُهدّد وجودها وديمومتها، وهي من أولى المؤسسات الأهلية في لبنان نشأة وتأسيساً ونجاحات باهرة، إذ يعود تأسيسها للعام 1878م. مئة واثنان وأربعون عاماً، أي قبل قيام كيان دولة لبنان الكبير بنحو نصف قرن.

لقد تمكّنت الجماعة المُؤَسِسة آنذاك بإيمانها العميق ووعيها الكبير ورسالتها المجيدة تجاه الوطن والمجتمع، وبمقاصدها الإسلامية الحنيفة أن تكون جمعية في خدمة المجتمع الإسلامي من خلال التربية والتعليم وإنشاء مدارس تتولّى مهمّة تعليم وتربية أبناء المسلمين ذكوراً وإناثاً على قاعدة الإيمان والعلم الحديث والتربية الصحيحة والأخلاق الحميدة. وقد عبَّر عن هذه الجماعة الخيّرة في كثير من المواقف والنواحي المؤسس الأول الفاضل والمبدع والمتفاني في خدمة مجتمعه الشيخ عبد القادر قباني، رحمه الله وطيّب ثراه، فقال: «إن العقول البشرية متى رسخت فيها الواجبات الوطنية منذ نعومة الأظفار وبلغت ما يُناسبُها من المعارف تغلّبت على كل شيء»، و«إنه بالعلم يستطيع المرء أن يخدم وطنه ويفهم واجباته وحقوقه وتزول أسباب التأخّر عنه».

ورسمَ الشيخ المؤسس منهجاً في دعوته التربوية، فهو يدعو إلى افتتاح المدارس حتى تعمّ التربية والتعليم في سائر البلاد، وتتهذّب بواسطتها الأخلاق وتنمو المدارك فيعرف كل فرد حقه وواجبه نحو وطنه ومجتمعه، فيُساعد على تحسين اقتصاده وزيادة ثروته العمومية وبذلك يرقى الوطن.

ونراه في مرحلة تالية يدعو إلى تأليف الندوات العلمية حتى يتمّ تعميم المعرفة، وتوضع العلاجات الناجعة لأمراض الجهل والجهالة السارية في المجتمع.

على هدى هذه المقاصد قامت جمعية المقاصد بانطلاقتها الرائعة وتقديماتها الجُلى وإدارتها الحكيمة فكانت الثقل والثقة، بل موضع الفخر والاعتزاز للنشاط الأهلي في لبنان. والجدير ذكره أن الإرادات الأهلية المُخلصة لدى اللبنانيين ومكوّناتهم الدينية والمذهبية والمناطقية كانت الرافد الأساسي لبناء لبنان الحديث بجامعاته ومدارسه ومستشفياته وأماكن العبادة، كنائس ومساجد وحسينيات وخلايا اجتماعية وأندية ومنتديات ثقافية وعلمية وإعلامية.

والحقيقة تُوجب أن نقول إن ثلاثة أرباع العمران في لبنان، كان ولا يزال، بفضل الإرادات الأهلية النافعة عند اللبنانيين، ولم يكن بفعل الدولة والسلطة معاً.

منذ ثمانينيات القرن الماضي، تراجعت جمعية المقاصد بكل أقسامها، فأُقفل الكثير من مدارسها حاملة الفضل الأول في تعليم أجيال من أبناء المسلمين في بيروت وفي كل مدينة وبلدة وقرية لبنانية وُجدت فيها مدرسة للمقاصد، وما زال الإقفال ساري المفعول علناً أو سراً، وكلها لأسباب ما زالت مجهولة حتى الآن.

وأُقفل على تاريخها الزاهر وسيرة أساتذتها ومدرّسيها الأفذاذ وطلابها النوابغ، وطال الضعف المترافق مع الشائعات المغرضة مستشفاها الرابض على أرض تلة عالية في الطريق الجديدة كقوس نصر وحماية ورعاية صحية لكل المرضى وجرحى الحروب المتكررة في لبنان وما تيسّر لها من خدمة الفقراء، وبجانبها مبنى مدرسة التمريض التي تعطي الوطن ممرضين وممرضات ذوي اختصاصات طبية علمية عالية وحديثة فضلاً عن جوانب أخرى منها المدافن وغيرها. لقد كانت المقاصد حالة ضرورية ولازمة للأسر البيروتية واللبنانية منذ ولادة النشء وتعليم الأطفال ومراحل الابتدائي والثانوي وصولاً للمرحلة الجامعية.

لقد دخلت المقاصد أو أُدخلت منذ الأربعين عاماً الماضية حالة الضعف والوهن والتراجع، وازدادت هذه الحالات المأساوية بعد غياب رئيسها التاريخي عنها صائب سلام، رحمه الله، ومع كل رئيس جديد تولى إدارتها ترك بصمة وبصمات من هذا الضعف والتراجع، وعندما حلّ الرئيس الجديد الحالي على رئاسة المقاصد وإلى جانبه مجلس أمناء، استبشر اللبنانيون والمسلمون، على وجه الخصوص، خيراً منتظرين نهضة جديدة للمقاصد التاريخية، لكن حتى الآن لم نرَ بشائر من الأمل المُنتظر، ولا علامات جادة لإنجاز أمانة المسؤولية ومسؤولية الأمانة لمن عُهدت إليه وإليهم.

وما يجدر القول هنا، إن جمعية المقاصد ليست عقاراً مملوكاً لأحد من القائمين عليها في أي زمن أو عصر كان أو سيكون، وإن حق التصرّف وحرية القرار بشأنها خلافاً للمقاصد الإسلامية النبيلة التي تأسست عليها ونمت وتطوّرت على هديها وبهمّة رجالاتها الأوائل العظماء مرفوض ومُدان، ولن يقبل به المجتمع الإسلامي الحارس الحقيقي للمقاصد ودورها وغاياتها.

إن السلطة العليا للمقاصد هم المسلمون جميعاً الذين وُجدت لأجلهم وأجل أولادهم والأجيال المقبلة. هم الجمعية العامة التي تقرّر، ومن صلاحياتها المحافظة على المبادئ والقيم والدور والخصائص والمميزات التي أرساها المؤسس ومَن معه، والمسلمون من بعدهم عامة. وقد جاء الزمن المُلحّ والضروري الذي ينبغي للمقاصد، بهمّة القيّمين عليها، أن تخرج عن صمتها الدائم وأن تَطِلُّ من جديد على مجتمعها الإسلامي في لبنان وشخصياته وعلمائه وقواه الشعبية والثقافية والاجتماعية والمالية والعائلية باعتبارهم الضمانة الوحيدة للاستمرار والنجاح، وليتسنّى الحوار والنقاش والتطوير والحماية من كل القادرين توخياً للفائدة وأمانة المسؤولية، وبالتالي إخضاع المقاصد للمساءلة والمحاسبة والنقد والنقد الذاتي وكشف الأسباب الحقيقية لهذا الضعف والتراجع للمقاصد، أكان خارجياً من دول أو هيئات أو خلافه، أو داخلياً نتيجة تقاعس المسلمين، فاعتماد هذه الأساليب الديمقراطية الحديثة ليس إساءة ولا تهميشاً لهذه المؤسسة التي كانت رائدة وستبقى بإذن الله في ريادتها.

وعليه... فإنني أَختم بالتحيّة والتقدير لوفد المحامين الشباب – تجمّع المحامين المقاصديين الغيارى الذين بوحي اهتمامهم وحرصهم على المقاصد وأهدافها ودورها زاروا صاحب السماحة المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان للبحث والحوار حول مؤسستهم التي تعلّموا في كنفها ومعاناتها، لكن ما علمناه عن مجريات ما حصل والتسرّب إليه بالشكل والمضمون بحق هذا الشباب الواعد شكّل صدمة ما كان يجب أن تكون بحيث يقتضي التصحيح من أجل سلامة وحفظ مؤسساتنا الإسلامية ومنع الإخفاقات والتراجع.

لذا نقترح:

1- التحضير بالوقت المناسب لعقد مؤتمر من الحريصين والقادرين من ذوي الكفاءة والخبرة والمعرفة للبحث في العلاج الصحيح والإنقاذ المطلوب، وتفعيل دورها الرائد في المجتمع الإسلامي اللبناني ودورها الوطني.

2- إعادة إحياء – اتحاد المؤسسات الإسلامية – ودوره بوضع حلول عملية للمشكلات المستحكمة والطارئة وتقديم المساعدات المُجدية.

3- وضع برنامج إصلاحيّ يشمل الإدارة والتربية والتعليم والأشخاص.

4- البحث بوسائل وإمكانيات لإعادة فتح وتفعيل المدارس التي أُغلقت، ورفع مستوى التعليم الذي اشتهرت به مدارس المقاصد.

5- إقرار باب التبرعات المالية من كافة أغنياء المسلمين ومؤسساتهم.

6- البحث الجدّي عن مشاريع ونشاطات تُؤمّن تبرعات مُجدية.




أخبار ذات صلة

مشروع قانون الرئيس رفيق الحريري عام 2002 لمكافحة الغلاء ووقف [...]
مخاوف من دخول جهات متضرّرة على خط الحراك
لماذا الإصرار على سلعاتا وهل تجربة «العوني» في الكهرباء مازالت [...]