بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

«بيروت مدينتي»: موحّدة في الإنماء.. مختلفة في السياسة!

«بيروت مدينتي» في إحدى المسيرات
حجم الخط

ربما كان التحدي الأبرز بالنسبة الى «بيروت مدينتي» هو الانتقال من حالة مدنية وشعبية شكلت ظاهرة جميلة قبل سنوات، نحو حزب سياسي ينافس الأحزاب العريقة.

تلك الحركة المدنية التي تشكلت في الأساس كلائحة انتخابية خاضت الانتخابات البلدية في بيروت العام 2016، وحققت نتيجة جيدة بنيلها 32 ألف صوت، أي نحو 40 في المئة من الأصوات، ولكنها ظلمت بسبب القانون الانتخابي الاكثري، حققت شعبيتها عبر محاكاة مطالب البيارتة في الإنماء والإجتماع، مثلما كان الأمر نتيجة الفراغ السياسي الذي فشلت الأحزاب التقليدية في ملئه.

التأسيس واستيعاب التباينات 

تلت الانتخابات البلدية أزمة النفايات التي اندلعت بحدة في صيف العام 2015 حين دفعت بمجموعات مدنية الى الشارع وشرائح شعبية مستقلة شكل بعضها نواة ما يعرف اليوم بحزب سبعة، في الوقت الذي استمر الآخرون في التحركات التي انشأوها بينما استنكف البعض الآخر عن الاستمرار في حراكهم لأسباب متعددة.

جاءت ولادة «بيروت مدينتي» من رحم تلك الظروف، وبنى المؤسسون تطلعات وآمال كبيرة، ولكن الانتقال الى خضم السياسة لم يكن سهلا. بعد عامين، ومع استحقاق الانتخابات النيابية، خاض أركان الحركة نقاشات حامية وطويلة، وبدا الاختلاف كبيرا في الرؤية السياسية حيال الداخل والخارج، وخاصة حول الموضوع الأهم وهو سلاح حزب الله.

وفي موازاة ذلك، تعالت أصوات عديدة تطالب بالاستمرار «إنمائيا» والابتعاد عن فساد السياسة التي ما لبثت أن فرقت بين أركان الحركة التي وفرت المجال لمنتسبيها للترشح في لوائح مختلفة في بيروت الأولى كما الثانية.

وبينما يسجل لـ«بيروت مدينتي» مرونتها التنظيمية تلك، لم تأت نتائج الانتخابات النيابية مشابهة لتلك البلدية والاختيارية، وربما يعود الأمر الى خلل في هرمية الحركة وعدم مركزيتها، وقد لجأ المؤسسون الى محاولة تفادي هذا الامر عبر قرار الاستدارة الى السياسة من بابها الشرعي لتأسيس جمعية سياسية.

على أن الانتقال من التركيز على الإنماء الى العمل السياسي، لم يكن بلا ثمن دفعته «بيروت مدينتي». والواقع ان الخلاف في السياسة أفقدها أركان مؤسسين لها، وبينما لا يود المختلفون مع توجهات الحزب الناشىء المجاهرة بهذا الخلاف، يهمس متابعون لشؤون الحركة بأنها فقد بعض الزخم عبر ابتعاد وجوه بارزة طبعت مرحلة الانطلاقة، وهم ابتعدوا لأسباب ولظروف متعددة، مثل الفنانان أحمد قعبور ونادين لبكي وإبراهيم منيمنة الذي ترأس لائحة الحركة العام 2016، وريان اسماعيل وجاد شعبان وغيرهم، بينما لم تعد قادرة على الاستقطاب كما في زمن الانطلاقة.

والواقع ان الخارجين من «بيروت مدينتي» يعتبرون ان الحركة قد أعلنت عن تأسيس جديد لها حتى انها لن تعد تشبه مثيلتها في العام 2016. لكن الباقين فيها يرفضون هذا الاتهام بشدة ويعتبرون ان انتفاضة 17 تشرين الأول قد مهدت لبعث جديد للحركة.

ويتوقف أحد الاعضاء المؤسسين، الدكتور وليد العلمي، عند هذا التاريخ للقول إن الحركة وفي إطار الحراك، قد أنجزت الكثير منذ شهر حتى الآن. فهي أسقطت الحكومة وعطلت المجلس النيابي مرتين، وأنجزت في انتخابات نقابة المحامين عبر وصول ملحم خلف. والأهم، إنها كسرت هيبة السلطة وأركانها. 

أما من خرجوا من «بيروت مدينتي»، فقد شرعوا في تطوير حيثيات خاصة بهم، كما يشير اسماعيل الذي يعول كثيرا على الحراك الحالي الذي يصفه بالتاريخي. والحال مماثل لمنيمنة الذي يعوّل أيضا على حركته الناشئة تحت عنوان «كلنا بيروت» والتي يقول إنها نتاج مجموعات من الحراك المدني المستقل الذي ينشط في الساحات «حيث ضُربت سمعة السلطة».

يُذكر بعض المعترضين بأن أركان لائحة العام 2016 كانو قد اتفقوا حينها على أن تحل الحركة نفسها في اليوم التالي للانتخابات.. وهو ما لم يحصل. وللدلالة على حجم التغيير الذي طرأ على الحركة، يلفت اسماعيل الى ان خمسة فقط ممن ترشحوا الى الانتخابات البلدية العام 2016 لا زالوا مستمرين في الحركة الفتية، ما يعني أن الغالبية العظمى هي ممن تعارض توجهات «بيروت مدينتي» اليوم.

والواقع ان الاختلافات قد بدأت حتى خلال تشكيل لائحة الانتخابات البلدية، ففي ذلك الحين، حصل خلاف حول الاسماء التي ستترشح الى الانتخابات، ويقول البعض ان كتلة معارضة كبيرة تمكنت من استبعاد إسمي شربل نحاس وغادة اليافي باعتبارهما من ذوي الآراء «الممانعة»! والواقع ان اللائحة تجاوزت هذا الموضوع وطغى إنجاز الأرقام في الانتخابات البلدية على أي اختلاف. لكن تحفظ المعترضين على انحياز الحركة لمحور دون غيره يجعلهم متشددين في البقاء خارجها. بينما يعتبر قياديو الحركة اليوم بأن وسطية «بيروت مدينتي» لا يعتريها الشك، وهو ما أراد هؤلاء إثباته أمس عبر حادثة ذات دلالة. 

زيارة قائد الجيش..

يبدو ان الافتقار الى القيادة والتنظيم أدى الى نوع من سوء الفهم عبر زيارة قام بها العلمي برفقة «أصدقاء» الى قائد الجيش العماد جوزف عون، ما أوجد نوعا من الامتعاض لدى البعض ممن خرجوا من الحركة إضافة الى بعض من هم فيها.

لكن العلمي يؤكد لدى الاستفهام منه عن الزيارة وطبيعتها، ان الأمر لا يعدو كونه مبادرة فردية وكانت مقررة قبل موعد جلسة المجلس النيابي الثلاثاء الماضي التي كان كثيرون يخشون ان تؤدي الى أحداث خطيرة. «لا داعي لتضخيم الأمر»، هي زيارة شخصية تم البحث خلالها في مبادرة مع أصدقاء مشتركين تتعلق بعيد الاستقلال. كما تم إيضاح بعض الامور التي تهم الحراك والتي تشوهه مثل قطع الطرقات، حسب العلمي الذي نقل عن عون حرصه على عدم إقفال الطرقات.

لكن مهما يكن من أمر، فإن الالتباس الذي حصل يثبت أن أمام الحركة الكثير على صعيد توحيد الرؤى وثمة عمل يجب القيام به على صعيد ترسيخ المتانة الداخلية للتنظيم إذا ما كان يريد فعلا منافسة الأحزاب السياسية العريقة. 

ويمكن القول إن أمام «بيروت مدينتي» عملا كثيرا ودؤوبا وصعبا خلال السنوات المقبلة، لكي تقتحم دنيا تلك الأحزاب، وهو عمل تحول دونه ربما «مدنية» الحركة التي تعمل وسط غابة من الطوائف والمذاهب. على ان الموضوع الأهم يجب أن يبقى بالنسبة الى من هم داخل أو خارج الحركة، في حفظ وحدة «الحزب» الجديد واستيعاب الخلافات بين جيل المؤسسين. 



أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى