بيروت - لبنان 2021/01/18 م الموافق 1442/06/04 هـ

تأخير الزمان جريمة يرتكبها الحكّام

حجم الخط

إذا كان المؤرخ الدكتور قسطنطين زريق قد وصف صانعي التاريخ قائلاً: «تكونون صانعي التاريخ إذا اتفق ووصفكم بذلك مؤرخو المستقبل»، فكيف سيصف المؤرخون حكّام لبنان الذين تولّوا المسؤولية خلال العقدين الأخيرين من القرن الواحد والعشرين؟

من لا يصنع التاريخ من الحكّام سيكون موضوع سخرية من قبل الشعب ومحطّ انتقاد المؤرخين. فمن يراجع وسائل التواصل الاجتماعي ويقرأ الصحف اليومية يلاحظ أنّ لبنان لم يشهد في تاريخه هذا السيل الجارف والكمّ الهائل من الاتهامات والانتقادات اللاذعة الموجهة ليس فقط ضد السياسيين بل أيضاً ضد كل من تولّى مسؤولية دستورية أو قضائية أو إدارية، كما يعاين أيضاً كيف يتنافس المواطنون في تفجير غضبهم المشروع ضد السياسيين. إنها حقاً نقمة عارمة غير مسبوقة ولقد بلغت حداً أخاف جميع المسؤولين خاصةً النواب والوزراء والقيّمين على المال العام ومنعهم حتى من التنقل بحريّة مخافة تعرّضهم للأذى من قبل المتضررين من سياستهم الفاشلة.

ولئن فشل الشعب في إسقاط الحكّام فلم يبقَ أمامه سوى الأمل في تغييرهم بالوسائل الديمقراطية السلمية، أي الانتخابات النيابية. لكننا نشكّ في إمكانية حصولها في ظروف ديمقراطية مقبولة بسبب البيئة السياسية الحالية غير المؤاتية ديمقراطياً.

إنّ الواقعة المثيرة للدهشة هي تلهّف بعض الحكّام إلى أن يكونوا دوماً محطّ اهتمام وأنظار الناس، معتمدين السفسطة السياسية، أي أن يوحوا للمواطنين أنهم يقولون شيئاً مهماً في حين يتحدثون عن أشياء كثيرة غير ذات علاقة بمشاكل الناس. ويتجلى ذلك عملياً في عشق المسؤولين للظهور الإعلامي والاسترسال في توصيف الأزمات ومعاناة المجتمع إلى حدٍّ بلغوا فيه مستوى الهراء في وقتٍ يتوقع الجميع حلاً عملياً لا كلاماً فارغاً.

وفي هذا السياق واستزادة في تبيان بشاعة ظاهرة سفسطة الحكّام، أتذكّر ضاحكاً ما قرأته في كتاب Leadership in Turbulent Times عن رؤساء الولايات المتحدة، كيف أنّ السيدة أليس، ابنة ثيودور روزفلت، قد علّقت بسخرية على أبيها الذي كان يتلهّف لكي يكون محطّ اهتمام الناس وأن يحتلّ الواجهة الأولى في أي حدث، كأن يرغب في أن يكون الطفل المحتفى به في المعمودية أو العريس في حفلة الزفاف أو حتى المتوفي في مأتم تأبينه.

إنّ ما أشارت إليه ابنة الرئيس روزفلت ينطبق إلى حدٍّ كبير على بعض السياسيين الذين لا همَّ لهم سوى أن يكونوا في قلب الحدث حتى لو كان مخجلاً في حين أنّ المطلوب واحد وهو تنفيذ طلبات المواطنين المحقة.

رغم كل العوائق والسلبيات، ما زلنا نؤمن بالتغيير من فوق، أي أن يعود الحكّام إلى رشدهم الوطني وضميرهم المهني وإلى شعورهم الإنساني وأن يباشروا في العمل والإصلاح. وليس من المعيب أن نقتدي بغيرنا وبمن هو أفضل منا، فعندما تولّى الرئيس جونسون رئاسة الولايات المتحدة في 27/11/1963، غداة اغتيال جون كينيدي، ألقى خطاباً هاماً أمام مجلس النواب ونقتبس منه الآتي:

«رغم الانقسامات في الرأي الذي يميز أمّتنا، فإنّ الكونغرس يستطيع أن يعمل وأن يعمل بحكمة وأن يعمل بنشاط وبسرعة عندما تدعو الحاجة، وإنّ الحاجة هنا في هذا الزمان والمكان وإنني أطلب مساعدتكم».

حبّذا لو يعمل حكّامنا بحكمة ونشاط وبسرعة لحلّ أزمات الوطن لأنه من المعيب أن يبقى الوطن بلا حكومة لأشهرٍ عديدة كما كان من المخزي أن يبقى بلا رئيس لأشهرٍ مديدة ومن المستهجن أن تتعطل عجلة الإدارة لفترة طويلة من دون البتّ في التعيينات الإدارية والقضائية...

إنّ هذا الأداء السيئ في الحكم يقودنا إلى الاعتقاد بوجود ظاهرة غريبة ومخيفة وهي الساديّة السياسية أي اعتياد الحكّام على التلكّؤ والتباطؤ في تسيير عملية الحكم وفي تلبية حاجات ومصالح المواطنين، وبمعنى آخر التلذّذ في استغلال الوقت واستنفاده واستنزافه من دون الأخذ بعين الاعتبار كرامة المواطنين.

إنّ هكذا تصرفات وواقعات ينطبق عليها وصف مريع ومستنكر وهو «تأخير الزمان» وهو المناقض لما هو مطلوب وضروري لنهضة الوطن عنينا به تسريع الزمان.

إنّ سلوكاً من هذه الفصيلة هو بمثابة تجاهل للشعور العام لدى المواطنين وإنّ كل مسؤول لا يحترم هذا الشعور العام مصيره الفشل لا محالة. ومن هذه الزاوية، نرى أهمية تسريع التغيير الذي يحقق مطالب وأماني المواطنين وإذا لبّى الحكّام هذه المطالب بالسرعة المرجوّة ومن خلال رؤية واقعية ومستقبلية يكونون بذلك قد سرّعوا الزمان. وكان قد نادى بفكرة تسريع الزمان سعيد عقل في مقالته في صحيفة الجريدة بتاريخ 15/2/1970 حيث اعتبرها ميزة الشعوب العظيمة وبالتالي ميزة الحكّام الفريدة إذا ما أقدموا عليها.

إنّ تسريع الزمان يعني أن يعمل الحكّام ما لم يُعمل وأن يبتكروا الحلول الفضلى وأن يستبقوا الأزمات الكبرى بتنفيذ الحلول المسبقة بغية تجنّب انعكاساتها السلبية على المجتمع. وبكلمة أخرى، أن يتمتع الحكّام بالقدرة والجرأة على اتخاذ قرارات حاسمة وخلاّقة كفيلة بضمان السلام المجتمعي ورفاهية أبناء الوطن.

فالحاكم هو المسؤول الأول والأخير أمام التاريخ وإن كان التاريخ يحاسب ويعاقب معنوياً فإنّ المحاسبة المعنوية هي أقوى أنواع المحاسبة لأنّ كتب التاريخ والأجيال القادمة ستذكّرهم بأنهم عاثوا فساداً وبأنهم حطّموا آمال شعوبهم واستأصلوهم من جذورهم وبأنهم كانوا الملح الفاسد الذي أفسد كل شيء وبأنهم تمايزوا بالأنانية التي تهدم ولا تبني كما وسيذكّرهم التاريخ بأنهم تخلّوا عن أغلى ما عندهم، أي عن وطنيتهم من أجل حفنة من الدولارات.

ورُبّ سائل يسأل لماذا يتقن الحكّام فنّ تأخير الزمان الذي أدّى وسيؤدي حتماً إلى النتائج السلبية التالية:

الازدياد المخيف في حجم الدين العام.

ازدياد عدد الفقراء والعاطلين عن العمل وبالتالي ارتفاع نسبة الجرائم.

تصنيف لبنان في مصاف الدول الفاشلة والمتخلفة.

انهيار البنية التحتية الاقتصادية. 

تراجع المستوى الثقافي.

تقليص دائرة تفكيرنا وحصرها بأقليّة حاكمة تتحفنا يومياً بتغريدات وتصاريح سطحية خالية من أي رؤية أو خطة مستقبلية.

وأخيراً بكل أسف، نقول بئس هذا الزمن، فبعد أن كانت السماء حدود طموحنا في الخمسينيات، لامست اليوم هذه الحدود جهنّم.

يقال أنّ الحكّام يتثقفون بالمطالعة وبالكتابة وبالإصغاء، إلاّ أنّ المصيبة الكبرى إذا لم يصغِ الحكّام إلى صوت الشعب وإذا لم يقرؤوا كتب الفلاسفة وسيَر العظماء في التاريخ، وأخيراً إذا لم يكتبوا بأنفسهم بل بما أُمليَ عليهم.

إنّ تأخير الزمان جريمة يرتكبها الحكّام بحق الوطن لأنه مكلف جداً، فمن يحاكمهم؟

التاريخ لا يرحم.



  





أخبار ذات صلة

تونس.. حملة اعتقالات تطال 600 شخص أغلبهم «قُصّر وأصحاب سوابق»
الثلوج تلامس الـ1100 متر غدا.. متى ينحسر المنخفض الجوي؟
العراق قلقٌ من التوتر الأميركيّ الإيرانيّ.. ويتطلّع للعمل مع إدارة [...]